نجتمع اليوم في افتتاح هذا المؤتمر بصفتنا عاملين في المجال الإنساني وشركاء في العمل الإنساني لإيجاد سبل توفير حماية ومساعدات أفضل لضحايا حالات النزاع المسلح وغيرها من حالات العنف وضمان قدر معين من الأمن لهم وحفظ كرامتهم. فهذه هي المجالات التي التزمت اللجنة الدولية بتنفيذ عملياتها فيها على وجه الخصوص وتود أن تشارك فيها. كما تهتم اللجنة الدولية بالقضايا الأخرى التي سيثيرها هذا المؤتمر ولاسيما التدهور البيئي والأوبئة والهجرة الدولية والعنف المتصاعد في المدن وهي تواقة لتقديم مساعدتها في هذه المجالات أيضاً.
وليس من باب الإسهاب القول إن هذه القضايا معقدة. وتستدعي هذه الطبيعة المعقدة اتخاذ تدابير متنوعة وفي بعض الأحيان متعددة الاختصاصات. والمنهج الذي تتبعه مكونات الحركة واضح: فهي تسعى إلى التخفيف من حدة استضعاف المجتمعات المحلية الناجم عن هذه المشاكل الإنسانية ومساعدتها على مواجهة تداعياتها بتوظيف مساهمات كل المكونات على أفضل وجه وتكميل جهود الآخرين لتفادي المعاناة أو التخفيف منها. وهنا يكتسب شعار هذا المؤتمر "معاً من أجل الإنسانية" مغزاه الكامل. وأمام التحديات العالمية التي نواجهها يكون التعاون الجيد بين كل المشاركين بما في ذلك الدول ضرورياً للتصدي لها بنجاح. كما يتطلب التعامل مع هذه التحديات توظيف إمكانات مالية, وبالتالي التضامن الذي يتناسب مع موارد كل فرد من أفراد المجتمع الدولي.
ومن بين المواضيع المطروحة ثمة مسألة ليست جديدة تماما لكنها تبرز للمرة الأولى بصورة جلية في جدول أعمال اجتماع المؤتمر الدولي الصليب الأحمر والهلال الأحمر, ألا وهي الهجرة الدولية. ومن المفترض أن تسمح لنا مناقشات يوم الغد التمييز بشكل أفضل بين مختلف أشكاله. وإنه على كل حال من المستحيل أن نصنف في فئة واحدة كل شرائح الأشخاص الذين يرغبون أو يضطرون إلى التنقل من بلد إلى آخر أو حتى تصنيف احتياجاتهم. لكن هناك قواسم مشتركة بين المهاجرين مثل المعاناة والفراق عن أفراد عائلاتهم وصعوبة التكيف في الوسط الجديد والرغبة في الأمان على مستويات متنوعة عديدة. وغالبا ما تكون الحماية المكفولة لهؤلاء الأشخاص غير كافية رغم انطباق العديد من قواعد قانون حقوق الإنسان وقانون اللاجئين. لذلك يكون من المهم التأكد أن هذه القواعد تنفذ بإنسانية وذكاء ومساعدة المهاجرين الذين يواجهون صعوبات مهما كان وضعهم القانوني خاصة إذا كانوا محرومين من حريتهم.
وتولي اللجنة الدولية اهتماما خاصا إلى الحماية والمساعدات المقدمة إلى النازحين داخل بلدانهم بسبب النزاع المسلح. وأستشهد في هذا الصدد بالشعار الذي استعملته اللجنة الدولية في حملتها لجذب الانتباه إلى النازحين في كولومبيا والقائل إن النزوح "لا يعني فقط هجرة البيوت وإنما يعني أيضا فقدان كل شيء". ولإعطاء بعض الأمثلة في هذا المضمار, أنوه بما تقدمه اللجنة الدولية في كولومبيا والصومال والسودان وتشاد وسري لانكا ونيبال والفلبين ولبنان واليمن من مساعدات يحتاج إليها النازحون في أماكن غالبا لا تغامر المنظمات الأخرى في بالعمل فيها لأسباب أمنية. ومن المفيد ألا ننسى أن الغاية من القانون الدولي الإنساني هي حماية المدنيين بمن فيهم الأشخاص النازحين في حالات النزاع. والقاعدة القانونية واضحة في هذا المجال. وفضلا عن ذلك, لو جرى الالتزام بالقانون الدولي الإنساني, لتمتع السكان المدنيون بالحماية ولما تعرضوا لخطر الموت وبالتالي لما كان لديهم أي سبب أو قلة من الأسباب لهجرة ديارهم نتيجة النزاع المسلح. لذلك تحاول اللجنة الدولية معالجة المشكلة من جذورها أي من خلال بذل كل ما في وسعها للحد من النزوح ولاسيما عن طريق مساعدة السكان المقيمين ولاسيما سكان المناطق التي يصعب الوصول إليها. وينبغي دعم عودة النازحين إلى قراهم ومجتمعاتهم المحلية كلما تسمح الظروف الأمنية بذلك. وفي هذا المجال كما هو الحال في مجالات عديدة أخرى, تكمن الأولوية من الناحية القانونية والسياسية في العزم واتخاذ التدابير الضرورية لفرض الامتثال الكامل للقانون الدولي الإنساني.
ويترتب على تحركات السكان تشتت العائلات وهي مسألة إنسانية بالغة الحدة وإحدى العواقب المأساوية للنزاعات المسلحة وغيرها من الحالات المفجعة الأخرى. فاحترام وحدة الأسرة جزء من احترام كرامة الإنسان. ويتوقف رفاه الفرد إلى حد بعيد على إمكانية حفظ التواصل مع الأقرباء أو على الأقل معرفة ما حدث لهم. وستكثف اللجنة الدولية جهودها لمساعدة الأشخاص الذين انقطعت عنهم أخبار ذويهم. وقد استهلت, منذ بضع سنوات, مبادرة عالمية تهدف إلى دعم قدرات مكونات الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر من أجل إعادة الروابط العائلية. واعتمد مجلس المندوبين منذ وقت قصير الإستراتيجية التي وضعتها اللجنة الدولية لهذا الغرض. وهي تعتزم في السنوات القادمة, تنفيذ هذه الإستراتيجية عن طريق تقوية قدراتها الميدانية من جديد على مستوى مختلف المهام المتعلقة بإعادة الروابط العائلية ودعم قدرات الجمعيات الوطنية. وتأمل أيضا أن يكون بوسعها التعويل على دعم الحكومات التي تقع على عاتقها مسؤوليات مهمة في هذا المجال.
ويركز عمل اللجنة الدولية على الأشخاص الذين يعانون ويلات النزاع المسلح بالإضافة إلى العائلات المشردة والأشخاص الباقين في الأماكن التي تحتدم فيها الأعمال العدائية والمحتجزين من جميع الفئات. وتواصل اللجنة الدولية أيضا جهودها لتلبية الاحتياجات الخاصة لمساعدة ولحماية النساء المتضررات من الحرب. وليست هذه سوى أمثلة قليلة على أنشطتها في العالم التي تعرفونها جيداً. وتنجز العديد من هذه الأنشطة بالشراكة مع الجمعيات الوطنية في البلدان التي تطيلها النزاعات المسلحة.
وتعمل اللجنة الدولية بنشاط أصلاً في مجال الصحة مثل توفير الخدمات الوقائية والعلاجية. ومع ذلك, تنوي في السنوات القادمة تعزيز قدرتها لتوفير خدمات صحية عالية الجودة بصورة عامة والرعاية الطبية على وجه الخصوص. وسعياً إلى استكمال مهاراتها القائمة الموظفة في حالات الطوارئ, مثل خدمات الجراحة, ستعمق اللجنة الدولية من فهمها لأنظمة الرعاية الصحية وتحليل الأوبئة والرعاية الصحية ودرايتها بالشؤون الصحية في السجون وإدارة المستشفيات.
وتمتد مهام اللجنة الدولية والتزامها إلى أبعد من أنشطة الحماية والمساعدة. فهي تسعى أيضا إلى حث الدول على ضمان احترام القانون الدولي عن طريق فرض مراقبة أكبر على صادرات الأسلحة وحظر استعمال بعض الأسلحة الفتاكة بشكل خاص مثل الألغام المضادة للأفراد والذخائر العنقودية غير الدقيقة وغير الموثوقة. وتعرب اللجنة الدولية عن قلقها الشديد إزاء سقوط عدد كبير من الجرحى أو القتلى المدنيين حتى بعد انتهاء الأعمال العدائية وإزاء الآثار العشوائية التي تتسبب فيها الذخائر العنقودية خاصة عندما تستعمل ضد أهداف عسكرية في مناطق مأهولة بالسكان المدنيين. وبالتالي أرى أنه من الأساسي والعاجل اعتماد معاهدة دولية تحظر استخدام وتطوير وإنتاج وتخزين ونقل الذخائر العنقودية غير الدقيقة وغير الموثوقة ووضع نص قانوني يلزم بمساعدة الضحايا والتخلص من الذخائر العنقودية غير المنفجرة.
ومع الأسف, لم تؤل المناقشات التي دارت خلال الاجتماع السنوي للدول الأطراف في الاتفاقية الخاصة بأسلحة تقليدية معينة الذي اختتم منذ وقت قصير إلى قاعدة مشتركة كافية لبلوغ هذا الهدف رغم الجهود المبذولة. لذلك, وكما ورد في قرار مجلس المندوبين المعتمد منذ يومين, تحض اللجنة الدولية الحكومات الداعمة لإعلان أوسلو على مواصلة جهودها من أجل إبرام معاهدة في 2008 تحظر استخدام وإنتاج وتخزين ونقل الذخائر العنقودية التي تتسبب في أضرار غير مقبولة للمدنيين. وينبغي للدول الأطراف في الاتفاقية الخاصة بأسلحة تقليدية معينة مواصلة جهودها والعمل نحو وضع قواعد ملزمة قانوناً بشأن الذخائر العنقودية كمسألة ملحة.
والأكيد أن الحرب لم تكن أبدا أمرا بسيطا كما أن المساعي الإنسانية اصطدمت دائما بتحديات كبيرة. والأمر لا يختلف اليوم في النزاعات وغيرها من حالات العنف. فطبيعتها المتنوعة والمعقدة وترابطها مع الأحداث والمستجدات المحلية والإقليمية والعالمية ومجرد الأعداد الكبيرة للفئات المرتكبة لأعمال العنف والتحول إلى عقد تحالفات قصيرة المدى وقسوة بعض الأعمال, وأعني بوجه خاص الهجمات المتعمدة ضد المدنيين, وحالات الإعدام بلا محاكمة والتعذيب والاغتصاب وأخذ الرهائن, تلفت النظر إلى استمرار أهمية العمل الإنساني والتي تمليها على وجه الحصر احتياجات المتضررين من النزاع المسلح.
ويمكن إضافة ثلاث نقاط إلى ما سبق أن أشرت إليه. أولاً, تؤدي هشاشة العديد من الحالات التي تعيش مرحلة انتقالية بين الحرب والسلم بما في ذلك حالات العنف المسلح العرضي أو غياب الأمن المزمن إلى عرقلة أو منع أية جهود حقيقية هادفة إلى إعادة الإعمار والتنمية. ثانياً, يساهم عدد من حالات العنف الداخلي الناجم عن الفقر والفوارق الاجتماعية والاقتصادية والنمو الديموغرافي السريع والتوسع المفرط في المدن في ظهور أشكال جديدة من العنف المسلح خاصة في المناطق الحضرية وإلى الهجرة المتزايدة. ثالثاً, زاد ارتفاع وتيرة وآثار الكوارث الطبيعية التي يساهم تغير المناخ في وقوع بعضها, من أخطار انتشار الأوبئة في حالات عدم الاستقرار والنزاعات المسلحة.
وقد تتعرض الأنشطة الإنسانية لخطر الاستغلال أو التهميش ذات الصلة بأنشطة سياسية أو عسكرية تقوم بها جهات أخرى. ويقع الاستغلال عندما يرغب أحد أطراف النزاع في دمج كل المساعي الإنسانية في إستراتيجية سياسية مهما كان الثمن. ومن الواضح أن طريقة اللجنة الدولية الإنسانية والمستقلة والمحايدة الإستثائية في تلبية احتياجات الضحايا ليست هي الوحيدة المتبعة لسد الاحتياجات الضخمة للسكان المتضررين من نزاعات تدوم سنوات عديدة. وإنني أسلّم بأهمية وجدارة السبل الأخرى التي تتبع في مجالات الأمن والتعليم والصحة. لكن استقلال منظمة مثل اللجنة الدولية وعزمها وإلى حد بعيد قدرتها على البقاء على اتصال مع كل أطراف النزاع يسمح لها غالباً بالوصول إلى مناطق لا تدخلها جهات أخرى وتجعلها علاوة على ذلك عنصرا مفيدا وأحياناً وسيطا فريدا من نوعه في الشؤون الإنسانية بين فرقاء النزاع المسلح. ففي عام 2007 وحده اضطلعت اللجنة الدولية بهذا الدور في أفغانستان وكولومبيا وإثيوبيا والنيجر والسودان.
وكلما تنوعت الحالات تتنوع معها الأجوبة: ويصح هذا القول أيضاً في الشؤون الإنسانية. والمهم إذا هو التأكد من وجود تنسيق صادق وواقعي قائم على الموارد البشرية واللوجيستية المتاحة فعلا على أرض الواقع وتحديد أولويات واضحة في ما يخص السياقات التي تستلزم اتخاذ تدابير. ويجب ألا يخفي الخطاب الطنان أبدا أي عجز على اتخاذ التدابير ويجب ألا يضلل الأشخاص الذين يحتاجون إلى الحماية والمساعدة.
وينبغي أن أنوه هنا أيضا بعمل الجمعيات الوطنية ومسؤولياتها. وفي العديد من حالات النزاع المسلح, تكون الجمعية الوطنية في البلد المتضرر منه شريكاً أساسيا للجنة الدولية. ويجب أيضا كفالة استقلال الجمعية الوطنية. لهذا من المهم جدا توضيح دور الجمعيات الوطنية كجهات مساعدة, وهي المسألة التي أُدرجت كبند في جدول أعمال المؤتمر. وينبغي تحديداً أن يؤدي هذا التوضيح إلى فهم أفضل للمقصود منه بالضبط بواجب الدول في احترام تمسك كل مكونات الحركة بالمبادئ الأساسية في كل الأوقات, ولاسيما مبدأ استقلال الجمعيات الوطنية.
وقد يحدث تهميش للقانون الإنساني أو حتى استبعاده لو طغت القوة على كل شيء. ويكون القانون الدولي الإنساني الحل المناسب عند السعي إلى تحقيق توازن واقعي بين الضرورة العسكرية واحترام كرامة الإنسان. فالقانون الدولي الإنساني ليس نتاج تفكير ساذج أو غير واقعي. ويظل التمييز بين المقاتلين والمدنيين, وهو كما نعرف صعب التحديد في كل الحالات, يكتسي أهمية شأنه شأن احترام مبدأ الحذر والتناسب في سير الأعمال العدائية. والقانون الإنساني واقعي وضروري, ويجب الإلمام به واحترامه.
ليس من السهل أن تحدد بدقة العوامل التي تعزز احترام القانون الدولي الإنساني أو تضعفه. فمن بين العوامل الإيجابية أود ذكر المستوى الأعلى من الوعي بهذه المجموعة من القوانين الدولية لدى الجمهور عموماً. وإضافة إلى ذلك فقد حققت اتفاقيات جنيف قبولاً عالمياً, فيما حوالي نصف الدول اعتمدت صراحة أحكاماً تتعلق بتنفيذ الاتفاقيات على المستوى الوطني وتنفيذ بروتوكولاتها الإضافية حيثما يكون ذلك مناسباً.
أما في ما يتعلق بالتحديات التي يواجهها القانون الدولي الإنساني, لن أفاجئ أحداً بالقول مرة أخرى أن النزاعات الحالية هي في أغلبها نزاعات غير دولية وأن قانون المعاهدات المطبق على هذه الحالات غير ملائم. وقد نظمت اللجنة الدولية عدة طاولات مستديرة على المستوى الإقليمي ناقشت في قسمها الأعظم موضوع تعزيز احترام القانون الدولي الإنساني في النزاعات المسلحة غير الدولية. وأصدرت في ما بعد نشرة تناولت سبل تحسين الامتثال للقانون الدولي الإنساني في هذه النزاعات, وهي متوفرة مع التقرير عن التحديات التي يواجهها القانون الدولي الإنساني الذي أعدته اللجنة الدولية من أجل هذا المؤتمر. علاوة على ذلك, أثبتت الدراسة حول القانون الدولي العرفي التي أجرتها اللجنة الدولية في السنوات القليلة الماضية أن عدداً كبيراً من القواعد المتعلقة بالنزاعات الدولية المسلحة تبدو قابلة للتطبيق عملياً في حالات النزاعات المسلحة غير الدولية. هذه ملاحظة إيجابية جداً ولكن علينا أن نواصل النظر في ضرورة توضيح القانون المدوّن أو الإضافة إليه على ضوء النزاعات المسلحة المعاصرة.
يجب الإقرار بأن النزاعات المسلحة الحالية تطرح عدداً من التحديات التي تحتوي على جانب قانوني. ومع أن ما يسمى بالنزاعات غير المتكافئة ليست بالحالات الوحيدة التي يمكن أن تحدث فيها انتهاكات للقانون الدولي الإنساني, إلا إنها تقدم صورة جيدة لأحد هذه التحديات. ففي علاقة بين قوى غير متكافئة إلى حد كبير, يمكن أن يندفع الطرف الذي يرى بأنه الأضعف عسكرياً في مخالفة القانون الإنساني بصورة منهجية بحيث يعوّض عن هذا الضعف الحقيقي أو المفترض. وعندها, يمكن أن يقرر الطرف الأقوى بدوره عدم الامتثال لواجباته أو على الأقل, عدم النظر إليها بالجدية نفسها. وأمام مثل هذه الحالات التي يمكن أن تؤدي إلى دوامة من المعاملة بالمثل في انحدار متواصل أو تؤدي, وهذا هو الأسوأ, إلى رفض فعلي ومطلق للقانون الدولي الإنساني, ينبغي التأكيد بقوة على أن جميع أطراف النزاع لها نفس الواجبات ولا يحق لها التذرع بالمعاملة بالمثل كحجة لعدم الالتزام بها. إن هذا المبدأ هو في جوهر القانون الإنساني. وقد يتسبب رفضه في عواقب كارثية بالنسبة إلى هذه المجموعة من القوانين وبالنسبة إلى الذين يعانون من آثار النزاع. ولهذا يجب أن نبذل كل ما في وسعنا لضمان الامتثال للقانون الإنساني في الميدان من جانب جميع أطراف النزاع.
وبصورة مشابهة, فإن الظاهرة التي أسميها تحويلاً منتظماً للعدو إلى مجرم, إذ لم أجد مسمى أفضل لها, يمكن أن تضعف أيضاً القانون الإنساني. ذلك أن النظر إلى الخصم في نزاع مسلح بأنه مجرد مجرم أو حتى إرهابي , والإخفاق في الاعتراف بأن الخصم الذي يشارك في النزاع المسلح هو نفسه ملزم بعدد من القواعد , وتجريده إذا جاز التعبير, من حقوقه وواجباته بصفته مقاتلاً, كل ذلك يمكن أن يؤدي إلى دفع هذا الطرف أو ذاك حتى إلى أبعد من عدم امتثاله للقانون الإنساني. فكل مقاتل له واجبات ومن ثم يتمتع أيضاً بعدد من الحقوق. وأود التأكيد هنا بصورة خاصة على الواجبات من مثل التي تنص عليها اتفاقيات جنيف وبروتوكولاها الإضافيان. وأعتقد أن من المهم تكرار هذه النقطة في بداية المؤتمر الذي آمل أنه سيعيد تأكيد أهمية القانون الإنساني وأهمية إيلاء اهتمام دائم لاحترام الضمانات الأساسية لحماية الأفراد المحددة في هذا القانون.
إلا أن الإرهاب وكذلك المكافحة المنظمة له, قد دفعا إلى طرح أفكار جديدة حول نطاق وتطبيق القانون الدولي الإنساني ومجموعات أخرى من القوانين. فالتقرير عن التحديات المطروحة أمام تطبيق القانون الذي تقدمه اللجنة الدولية إلى هذا المؤتمر يكرس فقرات طويلة لهذا الموضوع, وخاصة ما يتعلق بالضمانات الأساسية التي تحمي المحتجزين. وينبغي الإشارة إلى أن القانون الإنساني ليس الصك القانوني الوحيد ولا حتى في العموم أول صك قانوني يجب العودة إليه حين نتناول موضوع الإرهاب. إننا نعلم أن ارتكاب أي عمل إرهابي خلال نزاع مسلح هو محظور بموجب القانون الإنساني. ولكن الإرهاب يتجاوز إلى حد بعيد نطاق النزاعات المسلحة, وهي الحالات الوحيدة التي ينطبق فيها القانون الإنساني, ولهذا يجب أن يعالج الموضوع من خلال صكوك قانونية أخرى وأيضاً وسائل أخرى سياسية أو مالية أو بواسطة إنفاذ القوانين. ولا تدخل هذه الصكوك ولا هذه الوسائل ضمن مهمة اللجنة الدولية ولا ضمن مهمة الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر.
إن القانون الدولي الإنساني يبقى أداة ملائمة لمواجهة التحديات التي تطرحها النزاعات المعاصرة, ولكن أن تكون الأداة ملائمة لا يعني أنها ممتازة أو واضحة بالنسبة إلى كل القضايا. فثمة أمور يجب أن توضّح لاسيما ما يتعلق منها بسير العمليات العدائية. كما أنه لا يزال من الضروري بذل جهود كبيرة بالنسبة إلى تصديق الصكوك الدولية الموجودة وتنفيذها على الصعيد الوطني. أما التحدي الأكبر أمام الدول, وعموماً أمام الأطراف المشاركة في حالات من العنف المسلح, فيبقى التطبيق الفعلي للقانون الدولي الإنساني بما في ذلك الإحالة إلى القضاء والعقوبات المطبقة في حال انتهاك قواعده. وإني أناشد هنا بصورة خاصة جميع الدول الأطراف في اتفاقيات جنيف التي هي بالتالي ملزمة باحترام الاتفاقيات وضمان احترامها في جميع الأحوال.
لقد تحدثت عن القانون الإنساني باعتباره صكاً يمنح درجة معينة من الأمن للأشخاص الذين لا يشاركون في العمليات العدائية أو كفوا عن المشاركة فيها. ويجب أن يكون أمن الإنسان, وأمن كل فرد, موضع اهتمامنا كذلك في النقاشات الأخرى التي سنتابعها معاً. أعتقد أن احترام كرامة الإنسان واحترام القانون الدولي الإنساني واحترام حقوق الإنسان هي استثمارات طويلة الأمد لصالح الأمن. وهكذا أيضاً يجب أن يفهم مبدأ الحماية الذي تضعه اللجنة الدولية في قلب أنشطتها, أي باعتباره مجموعة من الأنشطة الهادفة إلى حث السلطات العامة وغيرها من الهيئات على الوفاء بالتزاماتها في مجالات أمن ورفاه وكرامة الأشخاص المتضررين من النزاعات المسلحة وغيرها من حالات العنف. ومن خلال وقوفها إلى جانب الضحايا ضد المخاطر وضد التعسف في استعمال السلطة التي قد يتعرضون لهما, ومن خلال تدخلها بتقديم المساعدات الملموسة, تلتزم اللجنة الدولية بالدفاع عن حقوق هؤلاء الضحايا والتخفيف من معاناتهم والحفاظ على كرامتهم أو استعادتها.
إن هذا الالتزام وإلى جانبه احترام العناصر الأساسية في مجتمع دولي حريص بالدفاع عن كل فرد من أفراده يمثلان هذا النوع من القيم التي أود أن يتقاسمها هذا المؤتمر.
وستظل اللجنة الدولية عضواً نشطاً في الحركة بوصفها شبكة معتمدة على التضامن يقوم فيها كل مكون من مكوناتها بعمله الإنساني, وفقاً لمسؤولياته وقدراته, ومع الاحترام التام لمبادئ الحركة الأساسية لصالح كل من يحتاجون إلى الحماية والمساعدة.
شكرا لكم