السيد الرئيس ، سيداتي وسادتي ،
بداية أود أن أنقل إليكم تقدير اللجنة الدولية الخالص على الدعوة التي تلقتها لحضور هذا الاجتماع والمشاركة ببعض الملاحظات التمهيدية عن موضوعنا الهام اليوم.
كما أود أن أتقدم بالشكر إلى مكتب تنسيق العمل الإنساني على وثيقة النقاش التي أعدها بعنوان "معالجة التحديات التي يواجهها الأمن الإنساني".
مما لا شك فيه أن عام 2003 كان صعباً ومأساوياً في غالب الأحيان بالنسبة لسير العمليات الإنسانية. لقد تعرضت منظمات المساعدة الإنسانية وموظفوها لتهديدات وهجمات أثارت تساؤلات عن قدرتها على أداء مهمتها كما طُرِحَ النقاش حول مستقبل العمل الإنساني. هناك نقاط هامة يجب أن تناقش من وجهة نظر اللجنة الدولية التي تود مشاطرتكم بعض الأفكار والمؤشرات حول كيفية تقييمها للأوضاع المتطورة وتخطيطها لمعالجة بعض الانعكاسات الأكثر أهمية.
تحول البيئة
ما زالت حالات النزاع في عالم اليوم تتنوع بكثير من حيث الأسباب والمميزات والنماذج. ونلاحظ تجدد الاستقطاب أو الراديكالية على مستوى العالم. وقد اتخذ الاستقطاب أشكالا متنوعة، إلا أن الشكل الذي يؤثر على حالات النزاع بصورة أكثر وضوحاً هو المواجهة القائمة بين عدد من الدول المشاركة في ما أصبح يعرف "بمكافحة الإرهاب" ومجموعة من الكيانات الراديكالية التي ليست دولا والتي هي مصممة على معارضة الدول ومستعدة للجوء إلى أساليب غير تقليدية تشمل الهجوم العمدي المرعب على المدنيين وعلى ما يسمى بالأهداف السهلة كالمنظمات الإنسانية.
وإذا كانت هذه النزعات الشاملة تؤثر على عدد من الحالات المنفردة فإن الأسباب المحلية تظل غالبة على تقييم علل الصراعات المسلحة في شتى أنحاء العالم الأخرى. وهي أسباب اقتصادية واجتماعية وصحية فضلا عن مشاكل أخرى مرتبطة بها.
الانعكاسات على الأمن
ظل تنفيذ الأنشطة الإنسانية في مناطق النزاع أو العنف الداخلي دائماً مهمة محفوفة بالخطر. ويعمل مع اللجنة الدولية حالياً 10000 موظف في 75 بلداً. يتوجهون في كل لحظة وفي كل يوم إلى مناطق القتال أو يعبرون خطوط الجبهة الفاصلة بين الأطراف المتحاربة. يلتقون مع مجموعة كاملة من حملة السلاح على اختلاف مشاربهم، يتفاوضون أو يتعاملون معهم. وهؤلاء المسلحون هم من أفراد الجيش أو الشرطة أو شبه العسكريين أو المتمردين أو الجنود الأطفال أو المرتزقة.
إن أمن الموظفين والمستفيدين من المساعدة على حد سواء هو مسؤولية حاسمة تقع على عاتق المؤسسات. وإذا كان العمل في حالات النزاع المسلح أو العنف يعني بوضوح مواجهة درجات عالية من الخطر، فإن اللجنة الدولية سعت دائماً إلى تطوير أساليب ووسائل للتعامل مع الأمن تحد إلى أقصى قدر ممكن من التعرض لمثل هذه الأخطار.
ويكون المحيط الأمني "التقليدي" هو ذلك الذي جرى على وصفه عادة بالخطر البارز الذي يهدد المرء عندما يجد نفسه في وقت غير مناسب وفي مكان غير مناسب. وإذ نناقش بعض الصور الجديدة للخطر، يجدر بنا أن نشير إلى أن هذا النوع من المحيط الأمني يظل أكثر شيوعاً في عالم اليوم إلى حد بعيد حسب تجربة اللجنة الدولية.
هذا وقد تعرضت اللجنة الدولية عام 2003 لسلسلة من الهجمات المتعمدة أودت بحياة أربعة زملاء في أفغانستان والعراق. وفي بغداد وقع زميل خامس بين نيران متقاطعة فلقي حتفه. كما تكبدت منظمات عديدة أخرى خسائر مأساوية مماثلة منها جمعية الهلال الأحمر الأفغاني والأمم المتحدة ومنظمات غير حكومية.
وإذا كان يبدو أن اثنتين من الهجمات المتعمدة الثلاث، خاصة في شمال قندهار في مارس/آذار وجنوب بغداد في يوليو/تموز، وقعتا حسب الظاهر نتيجة ربط واضح بين وجود اللجنة الدولية والعمل العسكري والسياسي الدولي الأوسع نطاقاً في كلا الحالتين، فإن هجوم أكتوبر/تشرين الأول بسيارة ملغومة على مكاتب اللجنة الدولية في بغداد استهدف المنظمة مباشرة وكان مصمماً.
فهل كان هذا عنصراً جديداً؟ ليس من الواضح. لقد سبق أن وقعت هجمات مقصودة في حالات محددة من ذي قبل. فقدت اللجنة الدولية عدداً من موظفيها خلال السنوات الماضية بفعل الهجمات المتعمدة: في بوروندي والشيشان عام 1996 وفي شرق جمهورية الكونغو الديموقراطية عام 2001. وواجهت منظمات أخرى بدورها مآسٍ من جديد.
"...وما هو الجديد في الأمر اليوم؟ الشي الجديد من وجهة نظر
اللجنة الدولية للصليب الأحمر في الوضع الراهن هو الطبيعة الشاملة للتهديد
..."
وما هو الجديد في الأمر اليوم؟ الشي الجديد من وجهة نظر اللجنة الدولية للصليب الأحمر في الوضع الراهن هو الطبيعة الشاملة للتهديد الذي ليست له حدود جغرافية. فمفهوم الأمن لدى اللجنة الدولية حُدِّد كأسلوب في العمل يركز أساساً على كل حالة بذاتها. تجري كل بعثة في الميدان تقييما لمحيطها الأمني استناداً إلى مجموعة من المؤشرات ذات الصلة بالمؤسسة التي نسميها نحن دعائمنا الأمنية. وتشمل هذه المؤشرات القبول بشكل بارز.
إلا أن هذه المؤشرات قد تبدو اليوم إيجابية في حالة معينة، ومع ذلك قد يتعرض موظفونا لهجوم يشنه أفراد من خارج هذا السياق.
والعامل الذي يعقد الأمور هو أن الوصول إلى الجماعات التي تشن مثل هذه الهجمات صعب للغاية حالياً إن لم يكن مستحيلا تماماً. بيد أن الحوار مع جميع الأطراف المشاركة أو المؤثرة في حصيلة نزاع ما هو بالنسبة للجنة الدولية جزء من الإجراءات التي نتبعها في العمل يكتسي أهمية حيوية. وبدون هذا الحوار يستحيل بلوغ مستويات القبول المطلوبة وبالتالي يتعذر الوصول إلى السكان المعرضين للخطر والقيام بأنشطة الحماية والمساعدة.
بالإضافة إلى هذا وفي محيط يتسم بالتناقض التام هناك احتمالات انحياز أحد الأطراف إلى هذا الطرف أو ذاك. فإما أن يكون صديقاً أو عدواً، حليفاً أو خصماً. وهذا ما يزيد الأمور تعقيداً على منظمات كاللجنة الدولية التي تتمسك بمبدأي الاستقلال والحياد أثناء أداء مهمتها. ومن هنا يطرح تساؤل بارز حول القدرة على فهم شرعية العمل الإنساني ولا سيما أسلوب الحياد والاستقلال الذي تتبعه اللجنة الدولية في العمل.
وينطوي هذا الوضع على خطرين محددين هما خطر التعرض للرفض وخطر التعرض للاستخدام كوسيلة.
ويبدو في الوقت الراهن أنه من المحتمل أن يتعرض للخطر أي طرف ينظر إليه بطريقة أو بأخرى على أنه يساهم في الاستقرار أو في جهود نقل السلطة في أفغانستان أو احتلال العراق. علاوة على هذا وبما أن هوية اللجنة الدولية ينظر إليها في بعض الأوساط على أنها هوية غربية أساساً، بسبب تمويلها وشارتها ومقرها الرئيسي، فإن هناك خطر كبير يكمن في سوء فهمها كجزء لا يتجزأ من الوجود السياسي والعسكري الأوسع نطاقاً.
ومهما تكن الدوافع فإن اللجنة الدولية أدانت بشدة هذه الهجمات على موظفيها التي تقلل بخطورة من قدرتها على تقديم الحماية والمساعدة بما يتطلبه الوضع في العراق وأفغانستان.
وهناك عنصر آخر ينطوي على خطورة يكمن في التذرع بالعمل الإنساني؛ بعبارة أخرى خطر إقحام بعض الدول لهذا النشاط في مجموعة الوسائل المتاحة لها لخوض الحملة ضد الإرهاب. ومن الملاحظ أن عدداً من أساليب التعبير استخدمت لهذا الغرض خلال الأشهر الماضية. ويشمل ذلك تصريحات بعض الحكومات التي تصف وجودها العسكري في العراق وأفغانستان بأنه "إنساني في المقام الأول". والمثال الآخر على ذلك هو تشكيل فرق إعادة الإعمار المحلي من جانب القوات الدولية في أفغانستان. وينشأ الغموض الذي يسود الخطوط الفاصلة بين دور وأهداف الجهات السياسية والعسكرية من ناحية والهيئات الإنسانية من ناحية أخرى مشاكل خطيرة من حيث القدرة على فهم عمليات منظمة كاللجنة الدولية للصليب الأحمر.
رد اللجنة الدولية
كيف تنوي اللجنة الدولية معالجة بعض الانعكاسات الأكثر إلحاحاً التي تنجم عن تطور الأوضاع؟ للرد على هذا السؤال أود أن أشاطركم بعض أفكارنا الحالية والتفاعل مع بعض الآراء الواردة في الوثيقة التي قدمها إلينا مكتب تنسيق المساعدة الإنسانية لأغراض هذا الاجتماع.
يقوم مفهوم التعامل الأمن لدى اللجنة الدولية على بعض العناصر الرئيسية التالية :
تملك اللجنة الدولية ثقافة واسعة في لامركزية الإدارة من القاعدة إلى القمة. وينطبق هذا بالمثل على تدبير الشؤون الأمنية. ويسود اعتقاد راسخ أنه كلما اقتربنا من السكان المعرضين للخطر كلما كنا في موقف أفضل لتحليل الأحداث وتحديد الاستراتيجيات.
ولضمان الفعالية يجب أن ينتشر هذا الاستقلال الذاتي الميداني الواسع النطاق داخل حدود المؤسسة الواضحة المعالم: مهمتنا ومبادئنا ومفهوم الأمن لدينا.
تتمثل طريقة اللجنة الدولية في التعامل مع تدبير الشؤون الأمنية في كون المسؤولية تقع على عاتق أفراد طاقم إدارة العمليات أنفسهم. وليس هناك ما يفصل بين تدبير الشؤون الأمنية وإدارة العمليات. فتقييم الخطر والتهديد هو جزء لا يتجزأ من تحديد استراتيجية العمليات.
وعند إنشاء وحدة الأمن التابعة لإدارة العمليات في المقر الرئيسي قبل عشرة أعوام وضع المسؤولون عن العمليات الميدانية شرطاً رئيسيا مسبقاً يقضي بعدم تجريدهم من مسؤولية تدبير الشؤون الأمنية. وبهذا المعنى تتولى هذه الوحدة مهمة تتجاوز دور الحارس وتركز خاصة على سياسة التطوير الكلي والمراقبة والدعم والتدريب.
"
واللجنة الدولية على يقين أيضاً من أن الأمن، قبل أن يصبح مشكلة تتعلق بالحماية البدنية، هو مسألة قبول وقدرة على فهم المنظمة وسلوك فردي للمندوب وقدرة على الإنصات والتحاور وإعطاء صورة متماسكة إلى أطراف النزاع كافة
..."
واللجنة الدولية على يقين أيضاً من أن الأمن، قبل أن يصبح مشكلة تتعلق بالحماية البدنية، هو مسألة قبول وقدرة على فهم المنظمة وسلوك فردي للمندوب وقدرة على الإنصات والتحاور وإعطاء صورة متماسكة إلى أطراف النزاع كافة. بعبارة أخرى، ينبغي أن نكون في وضع يجعل الآخرين قادرين على التنبؤ بما نقوم به، بحيث يشاهدوننا نفعل ما نقول.
كيف يؤثر تحول البيئة كما سبق وصفه على هذا الأسلوب الشامل الذي تتبعه اللجنة الدولية؟
- في مواجهة المآسي كتلك التي وقعت العام الماضي هناك ميول متزايد إلى تركيز اتخاذ القرار في المقر الرئيسي. إلا أن اللجنة الدولية مقتنعة بضرورة الحفاظ على اتباع اللامركزية.
- هناك حاجة إلى توحيد الطبيعة الشاملة للتهديد؛ بعبارة أخرى لابد أن يشمل مفهوم تدبير الشؤون الأمنية الوسائل التي من شأنها أن تساهم في تعزيز التوعية ودرجات الاستعداد للأخطار التي يمكن أن تظهر خارج حدود حالة معينة وتؤدي إلى انعكاسات عليها.
- يستوجب هذا أيضاً اتباع طرق جديدة في الاتصال مع مختلف الأطراف في حالة معينة. ويعني هذا تحديداً إيجاد سبل للاتصال مع أولئك الذين قد يسيئون فهمنا أو يرفضوننا اليوم.
- يعني هذا أيضاً الالتزام بموقف قوي إزاء العمل الإنساني المحايد والمستقل. وصفات قديمة لعالم مختلف؟ وهذه ليست رؤيتنا بالتأكيد. بل على العكس من ذلك يجب الحفاظ على موقف يقوم على المبادىء مع الإيمان بمواجهة التحدي.
من القابل للجدل أن اللجنة الدولية تحتاج إلى البعض من العناصر التالية كي تكون أكثر فاعلية: - تحسين مستوى إشراك الموظفين المحليين في التحليل الأمني وتقييم كل حالة على حدة. وهذا أمر أكدته وثيقة النقاش بشكل سليم. كذلك هناك حاجة إلى تعزيز الحوار بشأن الأمن مع الشركاء الرئيسيين على المستوى الوطني والمحلي، كزملائنا في الجمعيات الوطنية للصليب الأحمر أو الهلال الأحمر.
- شرح أهمية عدم التحيز أو الاستقلال وصلة الحياد بالموضوع:
نقصد بعدم التحيز مجرد إنجاز العمل الإنساني خدمة لمصلحة جميع الناس بغض النظر عن أصلهم وعرقهم وجنسهم (ذكور أو إناث) ودينهم، إلخ. وبهذا المعنى لا يجوز حرمان أي أحد من المساعدة أو الحماية بسبب معتقداته. وفي حين أننا ندرك وجود تعاريف أخرى فإن هذا ليس هو المبدأ الذي يثير كثيراً من الجدل.
ونرى أن الاستقلال مفاده أن عملنا الإنساني ينبغي أن يكون متميزاً عن عمليات اتخاذ القرار السياسي، وأن يفهم بهذا المعنى. والمبرر في هذا واضح : تميل الأطراف في أي نزاع إلى رفض عمال الإغاثة الإنسانية الذين تشك في أن لهم دوافع سياسية خفية.
وهذا ما يوضح السبب في إصرارنا على احترام هوية الجميع واحترام المهام والطرق المتبعة في ميدان العمليات. والأمر ليس غريباً عليكم. نحن سعداء لأن وثيقة النقاش تناولت هذه المسألة بوضوح.
بيد أن أصناف أساليب العمل المتنوعة المندمجة، التي تجمع بين الأدوات السياسية والعسكرية والإنسانية ووسائل إعادة الإعمار التي تدافع عنها الأمم المتحدة ودول عديدة، تتناقض في نظرنا مع هذا المبدأ. فاللجنة الدولية ليس بوسعها أن تؤيد مثل هذه السياسات، ولن تفعل ذلك.
وفي هذا الصدد نود أن نؤكد على قلقنا بسبب ما ورد في وثيقة النقاش التي أعدها مكتب تنسيق المساعدة الإنسانية من إشارات إلى الالتزام "بالعمل المشترك" مثل "سحب الوجود الإنساني من المناطق التي يسودها نمط من الانتهاكات الجسيمة". ورغم إدراكنا للهدف المقصود إلا أننا خضنا تجارب في حالات تخضع فيها سبل العمل لشروط، كحالتي أفغانستان والعراق، اللتين تم التخلي فيهما عن السكان بذريعة أن الطرف الذي سعى المجتمع الدولي إلى نبذه أو عزله سيطر عليهم.
ليس من السهل دائماً توضيح الحياد. وهو ما ينظر إليه غالباً كضرب من ضروب اللامبالاة. فاللجنة الدولية لا تتخذ موقفاً محايداً من انتهاكات القانون الدولي الإنساني. والشيء الذي لا تفعله هو الانحياز إلى طرف في النزاع أو الإلقاء باللائمة على هذا الطرف أو ذاك. نحن نسلم بوجود نزاع ما كحقيقة ونعلق على الكيفية التي تسير بها العمليات العسكرية.
وبالتالي فإن الحياد هو وسيلة لتحقيق غاية وليس غاية في حد ذاته. وهو أداة للحفاظ على القنوات مفتوحة لإنجاز عمل ملموس. نحن نريد الحفاظ على حوار مفتوح مع الأطراف كافة؛ ولا نغلق باب التحاور مع جهات فاعلة تمارس السلطة على السكان. نحن لا نعلق بذلك على جدارتها كأطراف نتحاور معها كما أننا لا نضفي عليها أي صفة قانونية خاصة.
إن الدفاع عن طريقة العمل الإنساني المستقل والمحايد تشمل التمييز بوضوح بين العمل الإنساني من جهة والعمل السياسي والعسكري من جهة أخرى. وهذا لا يعني أن اللجنة الدولية تنفر من الجيش، بل على العكس من نحن نريد إقامة حوار بناء معه وغالباً ما يكون لنا حوار معه. كما أننا لا ندعي بعدم وجود ظروف تكون فيها إحدى الوحدات العسكرية هي الملاذ الأخير، إذا كانت الجهات الأخرى غير قادرة على إنجاز مهامها. ونسعى من ناحية أخرى إلى تفادي أوجه الغموض الحالية الناجمة عن إضفاء صبغة الإنسانية على حملات الجيش لاستهواء"القلوب والعقول" أو جهود إعادة الإعمار.
وفي هذا الخصوص تواجه اللجنة الدولية مشكلة مع فرق إعادة الإعمار المحلية في أفغانستان، ولا تعنيها الأهداف العسكرية والأمنية التي حددتها لنفسها. والتزاماً بحيادنا لا نجعل من هذه المسألة موضع تعليقنا. إلا أننا قلقون لأنها تدمج الردود الإنسانية في مفهوم عسكري وأمني شامل، تكون فيه تلبية احتياجات شريحة من السكان جزءاً من استراتيجية تهدف إلى إلحاق الهزيمة بخصم أو عدو ما.
قد تكون هناك حجج للدفاع عن هذا المبدأ. لكنه من المهم التأكيد على أن تعريف العمل الإنساني بهذا الشكل يتنافى مع مبادىء اللجنة الدولية. ولن تؤيد اللجنة الدولية هذا التعريف أو تعتمده.
ونحن ندرك أن هذا الأمر قد يدفع إلى الإحساس بأن اللجنة الدولية متحمسة مرة أخرى للتأكيد على "طابعها الفريد من نوعه" وعلى أن العالم يتغير وأنها تصر على الوصفات القديمة نفسها. فلا شيء يغيب عن أذهاننا. إن وثيقة النقاش تتضمن الكثير من التعاليق المفيدة جداً، بما في ذلك أمثلة تصور التناقضات وأوجه الضعف في المجتمع الإنساني الأوسع النطاق. وليس للجنة الدولية ما ترضى عليه لنفسها. فهي توَّاقة للاستفادة من تجارب الآخرين.
وبهذا المعنى نحن عازمون حقاً على الدخول في حوار شفاف مع الهيئات الأخرى العاملة في الحقل الإنساني وغيرها من الأطراف الفاعلة بشأن هذه القضايا في حالات النزاع المحددة التي يكون فيها التحليل وتقييم التهديد حيويا في غالب الأحيان. كما أننا مصممون على المشاركة في مباحثات تعتمد أكثر على المفاهيم ويمكن إحراز تقدم فيها بغية فهم تفسير كل جهة للعمل الإنساني.
إننا نقر تماماً بوجود تعاريف أخرى للعمل الإنساني اليوم غير تعريفنا. ولا ندعي أن جميع الهيئات العاملة الأخرى يتعين عليها أو يجوز لها أن توافق على تعريفنا ورؤيتنا للعمل الميداني. كما أننا نعترف باحتمال ظهور حالات في المستقبل يفشل فيها أسلوبنا في تحقيق النتائج المرجوة مما يتيح فرصة التدخل للآخرين.
من جهة أخرى لدينا إيمان راسخ بأننا نحتاج إلى توضيح موقفنا جيداً. ومن المهم أن نكون قادرين على تحديد مجال مشاركتنا، أي الحوار والتشاور والتنسيق مع الآخرين والمجال الذي لن نشارك فيه، أي التنسيق أو الدمج الذي يقوم به الآخرون. ونحن عازمون على الحفاظ على طريقتنا في العمل الميداني القائمة على المبادىء مع الإيمان بفعاليتها وضرورتها.