أن يكون المرء مندوباً للجنة الدولية للصليب الأحمر يزور أولئك المحرومين من الحرية نتيجة لنزاع مسلّح دولي أو حالة اقتتال داخلي، فتلك مسؤولية لا يُحْسَد عليها. فخلال المقابلات التي تجري على انفراد أحياناً ما يتلقى المندوب أو المندوبة تقارير عن انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني مثل التعذيب أو العنف التعسفي من شأنها أن تثير رغبة عارمة في التحدّث عنها والإدانة العلنية لمرتكبيها أملاً في وضع حد لها بأسرع ما يمكن. ومن شأن ذلك أن يرضي رد فعل طبيعي ومفهوم للغاية، بيد أنه لن يكون بالضرورة في صالح أولئك المحرومين من الحرية ـ فالمندوبون يتفهمون أيضاً الأهمية القصوى للإبقاء على تواجدهم حيثما يتم احتجاز الأشخاص.
يتيح هذا التواجد المنتظم للجنة الدولية في أماكن الاحتجاز إمكانية توفير المساعدة والحماية، والعمل كوسيط بين الآسر والأسير من أجل تحسين المعاملة عند الاقتضاء، والإبقاء على الصلات بين الأشخاص المحرومين من الحرية وأُسرهم. بيد أنه لا يجوز أبداً مع ذلك الخلط بين العمل الكتوم من وراء الستار والخنوع أو التواطؤ. فاللجنة الدولية تقوم بأقوى المساعي لدى سلطات الاحتجاز عبر أنحاء العالم حينما لا ترتقي الظروف التي يتم احتجاز الأشخاص في ظلها إلى ما تتوقعه التشريعات المعنية. وإذا كانت اللجنة الدولية تمتنع عن الشجب العلني لانتهاكات القانون الدولي الإنساني، فإنها لا تفعل ذلك بداعٍ من الخوف أو عدم الاكتراث وإنما لأن خبرتها على مدار 140 عاماً تدلّل عن أن نهجها القائم على الإقناع والحوار والدبلوماسية الإنسانية لهو نهج سليم. وتشهد روايات مباشرة عديدة من قِبَل محتجزين سابقين زارهم المندوبون على التحسينات التي بوسع اللجنة الدولية الحصول عليها عبر التفاوض.
كما أن تركيز اللجنة الدولية على الإبقاء على صلتها بالأطراف المتحاربة عبر الاتصال المباشر يعد أيضاً نتاجاً لمهمتها الإنسانية التي تقتصر على حماية أرواح أولئك المتأثرين بالحرب والنزاع المسلّح وكرامتهم. إن النزاع المسلّح كثيراً ما يُخْرِج إلى النور أسوأ ما في الإنسانية، ومن ثم فأحياناً ما يكون الأشخاص المحرومون من الحرية بالغي التعرّض للخطر. لقد أقرّت بذلك أكثر من 190 دولة طرف في اتفاقيات جنيف وكذلك العديد من المجموعات من غير الدول. إن الاحترام واسع المدى للجنة الدولية باعتبارها الحارس غير المتحيّز للقانون الدولي الإنساني يعني السماح لها بمراقبة الأوضاع في الآلاف من أماكن الاحتجاز عبر أنحاء العالم التي لا تستطيع أية منظمة أخرى الذهاب إليها.
ولا يعني ذلك أن اللجنة الدولية تنجح في القضاء على جميع انتهاكات القانون الدولي الإنساني حيثما تواجدت. غير أن الشجب العلني له أيضاً حدوده العملية. ففي العديد من السياقات التي تقوم اللجنة الدولية بالعمل فيها كثيراً ما يكون هناك غياب كامل للاهتمام من قِبَل الرأي العام بالأشخاص المحتجزين، وربما ذهبت الشكاوى العلنية أدراج الرياح. وفي حالات أخرى تقوم العديد من المنظمات الدولية التي تحظى بالاحترام باستخدام ضغط الرأي العام في مسعىً من أجل تحقيق تغييرات نحو الأفضل، ولكن إذا لم يكن النجاح حليفها فإن اللجنة الدولية تظل تكافح من أجل التواجد بوصفها خط الدفاع الأخير. إن أخشى ما يخشاه مندوب اللجنة الدولية هو فقدان الصلة، خاصة حينما تكون الانتهاكات جلية.
ومع ذلك فإن السرية ليست غير مشروطة. فاللجنة الدولية تحتفظ لنفسها كملاذ أخير بالحق في الإدانة العلنية لانتهاكات القانون الدولي الإنساني في الظروف التالية: إذا كانت الانتهاكات خطيرة ومتكرّرة، وإذا كانت المساعي التي قامت بها اللجنة الدولية قد فشلت في إنهائها، وإذا كان الشجب العلني في صالح الأشخاص المحرومين من حريتهم، وإذا كان المندوبون قد شهدوا الانتهاكات مباشرة أو تم توثيق صحتها ونطاقها بطريقة يمكن التحقّق منها والوثوق بها. وحتى إذا ما تم الإقرار بالإقدام على هذه الخطوة النهائية، فإن اللجنة الدولية تظل مصرّة على الإبقاء على صلتها بالأشخاص المعنيين بغرض حمايتهم.
وبشكل عام تظل اللجنة الدولية مقتنعة بأن سياستها المتصلة بالسرية تبقى في صالح أولئك المحرومين من حريتهم في مختلف أرجاء العالم. وحيثما تواجدوا، فإن مندوبي اللجنة الدولية يقومون بعملهم بإخلاص ومهنية وشجاعة، وهم إنما يفعلون ذلك في مواجهة الصعاب عن طريق الحوار مع الآسرين والأسرى والمستجوبين وعبر التسلسل القيادي العسكري والمدني. وإذ يكدحون بتكتم ولكن بطريقة أبعد ما تكون عن السكون فإنهم كثيراً ما يكونون خط الدفاع الأول والأخير عن أولئك المحتجزين خلال النزاع المسلّح حيث يبذلون، من وراء الستار، كل جهد ممكن من أجل حماية الحياة والكرامة الإنسانيتين.