قبل كل شيء أود أن أشكركم على دعوة اللجنة الدولية للصليب الأحمر لتناول موضوع الحياد في إطار "الجمعية السويسرية الجديدة" التي أسهمت هي ذاتها بطريقة لافتة في الحفاظ على وحدة سويسرا واستقلالها وحيادها, خاصة في الساعات الأكثر قتامة من تاريخنا الوطني.
وكما لاحظتم فإن الموضوع هو: "الحياد السويسري في منظور اللجنة الدولية للصليب الأحمر". وتتمثّل إجابة أولى محتملة في القول بأن الحياد هو مبدأ أساسي للسياسة الخارجية السويسرية ليس للجنة الدولية أن تبدي الرأي بشأنه إذ تفرض عليها المبادئ الأساسية للصليب الأحمر والهلال الأحمر الامتناع عن التورّط في المجادلات ذات الطابع السياسي أو العرقي أو الديني أو المذهبي. بوسعنا إذن أن ننهي عند هذا الحد اجتماعنا, لكن البعض منكم سوف يشعر حتماً بأنه قد خُدِع.
والواقع أن المسألة تحظى بأهمية راهنة كبيرة في وقت تتساءل فيه سويسرا حول مستقبل علاقاتها الدولية. يتعيّن علينا إذن الدخول إلى صلب الموضوع.
إن التساؤل عن نظرة اللجنة الدولية للحياد السويسري ينطوي على إقرار ضمني بأن العلاقات التي تقيمها اللجنة الدولية مع سويسرا لا تتماثل وعلاقاتها مع البلدان الأخرى. والحاصل أن نشأة اللجنة الدولية في سويسرا وعلى يد مواطنين سويسريين, وكون مقرها يقع في هذا البلد والذي تجنّد من بين مواطنيه أعضاء هيئتها العليا, يبيّن ذلك كله أن اللجنة الدولية تقيم علاقة متميزة مع سويسرا. وإضافة إلى ذلك فإن سويسرا هي التي عقدت المؤتمرات الدولية التي اعتمدت اتفاقيات جنيف, تلك الاتفاقيات التي يستند إليها عمل اللجنة الدولية, كما أنها دولة إيداع تلك الاتفاقيات.
علينا إذن أن نتساءل حول طبيعة تلك العلاقة المتميزة, وعلى الأخص حول العلاقة بين حياد اللجنة الدولية وحياد سويسرا.
وكما تعرفون أكثر مني, يعود المؤرخون بحياد الكونفدرالية إلى القرار الختامي لمؤتمر فيينا, أو حتى إلى هزيمة "مارينيون". وأياً ما كان الأمر فإن القرار الختامي لمؤتمر فيينا ثم معاهدة باريس المبرمة في 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1815,
[1] هما اللذان أدخلا الحياد السويسري في القانون الوضعي.
ووفقاً لهاتين المعاهدتين في الواقع فإن الدول الأوروبية تقر بأن "حياد سويسرا وحرمة أراضيها واستقلالها عن كل تأثير خارجي تلبي المصالح الحقيقية لسياسة أوروبا بأسرها" كما تكفل حياد سويسرا الدائم.
[2]
وفي واقع الأمر أن الحياد كثيراً ما نُظِر إليه منذ ذلك الحين باعتباره جزءاً من جوهر الكونفدرالية. فمن دون الحياد ما من شك أن بلدنا كان سوف يتفرّق أشلاءً ويفقد استقلاله أثناء الحرب العالمية الأولى, وكذلك خلال الحرب العالمية الثانية.
على أن فكرة الحياد ليست أقل جوهرية فيما يتصل باللجنة الدولية للصليب الأحمر. وهكذا فإن المؤتمر الدبلوماسي المنعقد في أغسطس (آب) 1864 والذي اعتمد اتفاقية جنيف الأولى قد حمل اسم "المؤتمر الدولي لإضفاء طابع الحياد على الخدمات الطبية العسكرية في الميدان", كما أن فكرة الحياد كانت هي السبيل نحو المسعى لضمان حماية الخدمات الطبية للجيوش على جبهة القتال. أما عن اللجنة الدولية فقد كان عليها منذ الحرب الفرنسية الألمانية لعام 1870 أن تجد رسالتها الخاصة في دورها كوسيط محايد بين الأطراف المتحاربة, ويرد تعريف اللجنة الدولية كمؤسسة ووسيط محايدين ومستقلين على وجه التحديد في النظام الأساسي للحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر الذي اعتمده المؤتمر الدولي الخامس والعشرون للصليب الأحمر الذي انعقد في جنيف في أكتوبر (تشرين الأوّل) 1986.
[3]
ولفترة طويلة تمت المماثلة بين حياد اللجنة الدولية وحياد سويسرا كما جرى بطيبة خاطر إدراج حياد اللجنة الدولية في نظام الحياد في القانون الدولي, حيث دفع استخدام نفس المصطلح نحو الاعتقاد بأن الأمر يتعلّق بنفس المفهوم.
ولفترة طويلة تمت المماثلة بين حياد اللجنة الدولية وحياد سويسرا كما جرى بطيبة خاطر إدراج حياد اللجنة الدولية في نظام الحياد في القانون الدولي, حيث دفع استخدام نفس المصطلح نحو الاعتقاد بأن الأمر يتعلّق بنفس المفهوم
.
فهل الأمر كذلك حقاً؟
من حيث الأساس تتضمن الحالة القانونية للدولة المحايدة أربعة التزامات:
· واجب امتناع: ما لم تكن هي نفسها ضحية لعدوان, فعلى الدولة المحايدة أن تمتنع عن أية مشاركة في الأعمال العدائية; كان بوسع السيد "دي لا بوليس" أن يقول لنا ذلك;
· واجب عدم تحيّز: على الدولة المحايدة أن تمتنع عن محاباة أحد المتحاربين على حساب خصمه;
[4]
· واجب منع: لا يجوز للدولة المحايدة أن تسمح باستخدام أراضيها كقاعدة للعمليات من قِبَل أحد المتحاربين; وعليها أن ترفض مرور القوات أو القوافل عبر أراضيها وأن تمنع إقامة محطات برقية لاسلكية أو وسائل اتصال أو مكاتب تجنيد, الخ., عليها;
· وأخيراً واجب تسامح: يتعيّن على الدولة المحايدة أن تتحمّل المعاناة الناجمة عن ممارسة أطراف النزاع لحقوق المتحاربين حيالها; ونتذكر مثلاً أن سويسرا قد تأثرت بشدة بالحصار البحري وتدابير الحرب الاقتصادية التي لجأ إليها المتحاربون خلال الحربين العالميتين.
[5]
وفي المقابل, يتعيّن على الأطراف المتحاربة احترام حرمة أراضي الدول المحايدة.
[6]
ويُحْظر عليها تمرير القوات أو القوافل عبر أراضي تلك الدول, كما يحظر عليها استخدام أراضي دولة محايدة كقاعدة لعمليات عسكرية.
وتاريخياً, من الجلي أن حياد اللجنة الدولية قد استند إلى حياد سويسرا وانضاف إليه.
رأينا ذلك جلياً أثناء المؤتمر الدولي الأول لجمعيات الصليب الأحمر الذي انعقد في باريس في 1867. فاقتناعاً منه بأن العاصمة الفرنسية كانت أيضاً الحاضرة الأوروبية للتنوير والتقدّم, وأن هذه العاصمة توفّر مزايا وتسهيلات بعيدة عن متناول جنيف, اقترح الكونت "دي بريدا" مندوب الصليب الأحمر الفرنسي نقل مقر اللجنة الدولية من جنيف إلى باريس.
[7]
وقد رفض المؤتمر هذا الاقتراح من دون تردد: "أما عن مقر اللجنة الدولية, فيرى المؤتمر الإبقاء عليه في جنيف. إن موقع هذه المدينة الجغرافي والحياد السياسي لسويسرا التي تنتمي إليها فضلاً عن التراث التاريخي والوعي بالواجب الذي يتعيّن القيام به نحو مؤسّسي هذا العمل قد بدت جميعاً اعتبارات حاسمة".
[8]
ومن نافل القول أن دور الوسيط المحايد الذي أريد العهد به إلى اللجنة الدولية كان يفترض أن يكون مقر اللجنة في بلد صغير وفي بلد محايد. فإذا كانت اللجنة الدولية قد قامت على إقليم إحدى القوى الكبرى, فإنها كانت ستصبح ألعوبة دبلوماسية تلك القوة; وفي حالة الحرب فإنها كانت ستصاب بالشلل.
غير أن ذلك لا يعني أن حياد اللجنة الدولية يمتزج بالحياد السويسري. فحياد اللجنة الدولية يتمايز بمسوغاته القانونية وأهدافه ومضمون نظامه.
[9]
إن الوضع القانوني لدولة محايدة مثل سويسرا يحكمه القانون العرفي وعدة معاهدات دولية, وبالأخص اتفاقيتا لاهاي الخامسة والثالثة عشرة بشأن حقوق وواجبات الدول المحايدة والأشخاص المحايدين في حالة الحرب البرية وفي حالة الحرب البحرية, الموقعتان في 18 أكتوبر (تشرين الأول) 1907.
[10] ويستند حياد اللجنة الدولية على الممارسة الثابتة للمؤسسة والاعتراف بهذه الممارسة من قِبَل المجتمع الدولي, فضلاً عن المبادئ الأساسية للصليب الأحمر والهلال الأحمر التي اعتمدها المؤتمر الدولي العشرون للصليب الأحم المنعقد في فيينا في أكتوبر (تشرين الأول) 1965,
[11] وأكدها المؤتمر الدولي الخامس والعشرون المنعقد في جنيف في أكتوبر (تشرين الأول) 1985.
[12]
وبالنسبة إلى سويسرا, يعد الحياد وسيلة للحفاظ على وحدتها وسلامة أراضيها واستقلالها. أما بالنسبة للجنة الدولية, فإن الحياد هو شرط للعمل: فلكي ما تؤدي عملها في الإغاثة, ولكي ما تفي بالمهمة التي أنيطت بها, يتعيّن على اللجنة الدولية أن تمتنع عن التحيّز إلى أحد الطرفين المتحاربين أو محاباته على حساب الآخر.
وبالنسبة إلى سويسرا, يعد الحياد وسيلة للحفاظ على وحدتها وسلامة أراضيها واستقلالها. أما بالنسبة للجنة الدولية, فإن الحياد هو شرط للعمل: فلكي ما تؤدي عملها في الإغاثة, ولكي ما تفي بالمهمة التي أنيطت بها, يتعيّن على اللجنة الدولية أن تمتنع عن التحيّز إلى أحد الطرفين المتحاربين أو محاباته على حساب الآخر.
ولا يسري قانون الحياد سوى في زمن الحرب; وإذا كان وضع الحياد الدائم يفرض على سويسرا بعض الالتزامات في زمن السلم, فإن الهدف من ذلك يقتصر على الحفاظ على حيادها في حالة النزاع. أما بالنسبة إلى اللجنة الدولية فإن الحياد يعد التزاماً دائماً. وليس بوسعها التحوّل عنه ـ ولو مؤقتاً ـ من دون أن تقوّض الإمكانات المتوفرة لها لإغاثة ضحايا النزاعات.
إن الالتزامات التي يضعها قانون الحياد على عاتق الدولة المحايدة هي قبل كل شيء ذات طبيعة عسكرية, إذ يتعيّن على الدولة المحايدة الامتناع عن أية مشاركة في الأعمال العدائية وعن أي شكل من أشكال الدعم العسكري لأحد الطرفين المتحاربين. وعلى الصعيدين السياسي والاقتصادي, يجب على الدولة المحايدة دوماً أن تمتنع عن الموافقة على التزامات من شأنها أن تحول دون وفائها بالتزاماتها في حالة الحرب; أما بخلاف ذلك فإن حرية عملها تظل كاملة. ولا يمنعها أي شيء من إبداء رأيها, وهو الأمر الذي لم تَحْرِم الدول المحايدة تقليدياً ـ خاصة سويسرا والسويد والنمسا ـ نفسها منه. أما الصليب الأحمر في المقابل, فإن عليه الامتناع عن الاشتراك في أي مجادلة أياً كان أصلها أو طبيعتها. والواقع أن مبدأ الحياد الذي أعلنه المؤتمر العشرون للصليب الأحمر المنعقد في فيينا في عام 1965 ينص على ما يلي:
"لكي تحتفظ الحركة بثقة الجميع, تمتنع الحركة [الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر] عن الاشتراك في الأعمال العدائية وعن التورط, في أي وقت, في المجادلات ذات الطابع السياسي أو العرقي أو الديني أو المذهبي".[13]
وأخيراً, وعلى الرغم من حيادها وكونها ظلت خارج منظمة الأمم المتحدة حتى عام 2002, فإن سويسرا قد طبّقت العقوبات الاقتصادية التي اعتمدها مجلس الأمن على أساس الفصل السابع من الميثاق.[14]
ومن جانبها فإن اللجنة الدولية ليس لها أن تشارك في عقوبات دولية, بل عليها على العكس السعي للحفاظ على خطوط الاتصال والعلاقات ذات الطبيعة الإنسانية مع الدولة المستهدفة من تلك العقوبات.
هكذا فإن حياد الدولة يُنْشِئ قبل كل شيء واجب امتناع. وإذا كانت سويسرا قد مارست منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حياداً إيجابياً اتسم بالتوافر في مجال المساعي الحميدة والتضامن مع الشعوب المنكوبة بالحرب, فإن الحياد السويسري يظل بالأساس موقفاً قائماً على التحفّظ. أما حياد اللجنة الدولية فهو قبل كل شيء توافر متماثل لجميع ضحايا النزاعات; لا يمكن لهذا الحياد أن يكون نقوصاً على الذات, بل هو على العكس موقف قائم على الانفتاح إزاء جميع المتحاربين.
وإذا كان إذن صحيحاً أن حياد اللجنة الدولية يستند إلى الحياد السويسري, فمن المؤكد مع ذلك أنه يتميّز عنه بمسوغاته القانونية والهدف من ورائه ومضمونه. يفرض الحياد على اللجنة الدولية تحفّظاً أكثر صرامة بكثير من ذلك الذي يضعه قانون الحياد على عاتق السلطات السويسرية أو الشخصيات المعنوية المقيمة في سويسرا, كما أن حياد اللجنة الدولية هو أيضاً انفتاح على العالم وتوافر لصالح جميع ضحايا النزاعات المسلّحة, أياً كان الطرف الذي تنتمي إليه.
وأخيراً, أود أن أصحّح خطأً ذائع الانتشار. فبالنسبة إلى اللجنة الدولية مثلها في ذلك مثل جميع مؤسسات الصليب الأحمر والهلال الأحمر, لا يمكن أن يكون هناك حياد إزاء انتهاكات اتفاقيات جنيف. وإذا كانت اللجنة الدولية تمتنع, خارج إطار بعض الحالات الخاصة التي تحدّدها معايير دقيقة, [15] عن الإدانة العلنية لانتهاكات القانون الدولي الإنساني التي تعلم بها, فذلك لأن خبرتها على مدى أكثر من قرن أقنعتها بأن الإقناع والحوار القائم على الثقة مع المتحاربين والدبلوماسية الإنسانية تظل سبل العمل الأكثر فعالية من أجل وضع حد لهذه الانتهاكات. والأمر هنا لا يتصل بالحياد.[16]
وإذ وعت اللجنة الدولية الطبيعة الخاصة لحيادها, فإنها بحثت عن سبل تعزيز أسسه وإيجاد المسافة السليمة عن سويسرا. وهي فعلت ذلك بالأساس عبر وسيلتين: من جانب, عبر توسيع قاعدة تجنيد كوادرها. فمنذ ديسمبر (كانون الأول) 1992 لم تعد الجنسية السويسرية شرطاً لتجنيد المندوبين. واليوم فإن قرابة نصف مندوبينا في الميدان ليسوا سويسري الجنسية. وقد قاد هذا التوسيع لمعايير التجنيد نحو تطور ثقافي مهم. فالإنغليزية اليوم هي لغة العمل لعدد كبير من بعثاتنا. وفي المقابل تبقى الجنسية السويسرية شرطاً لتجنيد أعضاء الهيئة العليا, "الجمعية".[17]
ومن جانب آخر, وحرصاً على توفير أساس قانوني لاستقلال اللجنة الدولية, فقد وافقت اللجنة الدولية والمجلس الاتحادي على إبرام اتفاق مقر بينهما يضمن استقلال اللجنة الدولية وحرية عملها داخل سويسرا. وتم التوقيع على هذا الاتفاق في برن في 19 مارس (آذار) 1993.[18]
إنها لحالة مثيرة للاهتمام ـ واستثنائية نسبياً على حد علمنا ـ لمعاهدة قانون دولي مبرمة بين دولة وشخصية معنوية تقطن هذه الدولة.
وبشكل عام تقر الدول باستقلال اللجنة الدولية والتفويض الخاص الممنوح لها. وإنه لا يجول بخاطر الدول أن تخاطب سويسرا حينما تكون لديها رسائل ترغب في بعثها إلى اللجنة الدولية. لقد انقضت بحق الحقبة التي كان يُنْظر خلالها إلى اللجنة الدولية باعتبارها الذراع الإنساني للكونفدرالية. واليوم تقر الدول بدور اللجنة الدولية وشخصيتها المتميزة. وإنه لعلى هذا الأساس منحتها الجمعية العامة للأمم المتحدة وضع المراقب في 16 أكتوبر (تشرين الأول) 1990. [19]
وفي إطار هذه الظروف بوسع اللجنة الدولية أن تتفكّر بصفاء في تطوّر الحياد السويسري. فخلال الاقتراع على استفتاء 16 مارس (آذار) 1986, وكذلك خلال استفتاء 3 مارس (آذار) 2002, أوضحت اللجنة الدولية صراحة أن مسألة الانضمام المحتمل لسويسرا إلى الأمم المتحدة إنما تعود إلى الشعب والكانتونات, وأنه ليس لها أن تبدي الرأي حول هذه المسألة. [20]
وبعد مرور سنتين على انضمام سويسرا إلى الأمم المتحدة, لا يسع اللجنة الدولية سوى أن تغتبط لكون سويسرا قد قررت أخيراً أن تحتل المكان اللائق بها في التفاهم بين الأمم. فإلى جوار دفاعها عن مصالحها الخاصة صارت سويسرا, دولة إيداع اتفاقيات جنيف, بذلك أقدر على إسماع صوتها بشأن المسائل الإنسانية. [21]
كما أن اللجنة الدولية ليس لديها أي سبب للقلق إزاء إقدام سويسرا, إذ تستأنف تقاليد قديمة, على اتباع سياسة أكثر دينامية مما كان عليه الحال في الماضي بشأن المساعي الحميدة, طالما أن المسائل الإنسانية لا تستخدم في إطار مفاوضات ذات طبيعة سياسية.
وبوسع اللجنة الدولية بالمثل أن تتطلع بصفاء إلى اليوم الذي تقرر فيه سويسرا, اعترافاً منها بأنها أوروبية بحكم الجغرافيا والتاريخ, أن تأخذ مكانها في البناء الأوروبي الجديد. وفي إطار الوضع الراهن للقانون الأوروبي, فإن انضمام سويسرا إلى الاتحاد الأوروبي لن يكون من شأنه الإخلال بوضعها كدولة محايدة. ولقد انضمت النمسا وفنلندا والسويد ومنذ عدة أسابيع قبرص ومالطة إلى الاتحاد الأوروبي دونما تضحية بحيادها. إن الانتماء إلى الاتحاد الأوروبي, مثله مثل الانضمام إلى الأمم المتحدة, ليس من شأنه أن يخل بحياد سويسرا أو أن يضر بحياد اللجنة الدولية.
وسوف يكون الأمر أكثر حساسية إذا ما انتوت سويسرا, افتراضاً, الدخول في حلف عسكري مثل حلف الأطلنطي وفي منظمته العسكرية, الناتو. هل يكون من شأن مثل هذا الانتماء أن يخل بمواصلة العمل الإنساني للجنة الدولية, وخاصة دورها كوسيط محايد بين الأطراف المتنازعة؟ هل يظل بوسع اللجنة الدولية, في هذه الحالة, الإبقاء على خطوط الاتصال مع جميع الأطراف المتحاربة؟ وكيف سيُنْظر إلى اللجنة الدولية, خاصة من جانب دولة في نزاع مع حلف الأطلنطي؟
لم ينم إلى علمي أن اللجنة الدولية قد بحثت هذه المسألة واتخذت موقفاً بشأنها. وفي حالة ما إذا طرحت المسألة فإن رأيي الشخصي هو أن اللجنة الدولية لا يجب أن تنزل إلى الحلبة لكي تحاول التأثير في اختيار الشعب والكانتونات. والواقع أن مبدأ حياد اللجنة الدولية ينطبق أيضاً إزاء سويسرا ومسائل السياسة السويسرية.[22]
وفي المقابل, فإن الروابط التي تقيمها اللجنة الدولية مع سويسرا هي التي سيتعيّن عليها في هذه الحالة إعادة النظر فيها, بغرض فصل حيادها على نحو أفضل عن سياسة سويسرا الخارجية. وما من شك في أن اللجنة الدولية سوف تجد سبل الحفاظ على حيادها, حتى على افتراض تخلي سويسرا عن حيادها. إلا أنها لن تكون نفس اللجنة الدولية, كما أن سويسرا العضو في تحالف عسكري لن تكون بالضبط هي نفسها سويسرا التي نعرفها اليوم.
Denise BINDSCHEDLER-ROBERT, "Droit humanitaire et politique étrangère suisse", in : Möglichkeiten und Grenzen der schweizerischen Aussenpolitik, Bern und Lenzburg, Schweizerische Gesellschaft für Aussenpolitik, 1985, pp. 52-55.
Pierre BOISSIER, "La Suisse et la guerre des autres", in : Pierre Boissier (1920-1974), Genève, Institut Henry-Dunant, 1977, pp. 37-46.
François BUGNION, Le Comité international de la Croix-Rouge et la protection des victimes de la guerre, seconde édition, Genève, CICR, juin 2000, pp. 1156-1175.
François BUGNION, "Le Comité international de la Croix-Rouge et la Suisse", Revue d'Allemagne et des pays de langue allemande, tome 28, N° 3, juillet-septembre 1996, pp. 353-365.
Paul DINICHERT, "Croix-Rouge et Neutralité", Revue internationale de la Croix-Rouge, No 100, avril 1927, pp. 223-243.
Christian DOMINICÉ, "La personnalité juridique internationale du CICR", Études et essais sur le droit international humanitaire et sur les principes de la Croix-Rouge en l'honneur de Jean Pictet, Édités par Christophe SWINARSKI, Genève, CICR, et La Haye, Martinus Nijhoff Publishers, 1984, pp. 663-673.
Christian DOMINICÉ, "L'accord de siège conclu par le Comité international de la Croix-Rouge avec la Suisse", Revue générale de Droit international public, vol. 99, No 1, janvier-avril 1995, pp. 5-36.
Jacques FREYMOND, "Le Comité international de la Croix-Rouge et la Suisse", CICR Aspects, No 3, septembre 1972, pp. 2-3.
Marion HARROFF-TAVEL, "Neutralité et impartialité : de l'importance et de la difficulté, pour le Mouvement international de la Croix-Rouge et du Croissant-Rouge, d'être guidé par ces principes", Revue internationale de la Croix-Rouge, No. 780, Novembre-Décembre 1989, pp. 563-580.
Marion HARROFF-TAVEL, "Does it still make sense to be neutral?", Humanitarian Exchange, a magazine commissioned and published by the Humanitarian Practice Network at Overseas Development Institute (ODI), London, No. 25, December 2003, pp. 1-4.
Hans HAUG, "Die allfällige Mitgliedschaft der Schweiz in den Vereinten Nationen und das Internationale Komitee vom Roten Kreuz", Festschrift für Rudolf Bindschedler, Herausgegeben von Emanuel DIEZ, Jean MONNIER, Jörg P. MÜLLER et al., Bern, Verlag Stämpfli & Cie, 1980, pp. 511-525.
Christian KOENIG, "Considérations juridiques sur le statut d'observateur du Comité international de la Croix-Rouge auprès des Nations Unies", Revue internationale de la Croix-Rouge, N° 787, janvier-février 1991, pp. 39-52.
Max PETITPIERRE, "Le CICR et la neutralité suisse", Revue internationale de la Croix-Rouge, No 618, juin 1970, pp. 389-390.
May PETITPIERRE, "Actualité du Comité international de la Croix-Rouge", Schweizer Monatshefte für Politik, Wirtschaft, Kultur, 50e année, No 8, novembre 1970, pp. 648-650.
Richard PESTALOZZI, "Le Comité international de la Croix-Rouge et son implantation en Suisse", Forum Helveticum, Assemblée des délégués, 27 mars 1981, pp. 5-12.
François-Charles PICTET, "Le CICR, sa signification pour la Suisse dans le monde d'aujourd'hui", Forum Helveticum, Assemblée des délégués, 27 mars 1981, pp. 21-28.
Paul REUTER, "La personnalité juridique internationale du Comité international de la Croix-Rouge", Études et essais sur le droit international humanitaire et sur les principes de la Croix-Rouge en l'honneur de Jean Pictet, Édités par Christophe SWINARSKI, Genève, CICR, et La Haye, Martinus Nijhoff Publishers, 1984, pp. 783-791.
Marco SASSOLI, "La Suisse et le droit international humanitaire - Une relation privilégiée ?", Annuaire suisse de droit international, vol. XLV, 1989 (volume commémoratif), pp. 47-71.
Dietrich SCHINDLER, "Aspects contemporains de la neutralité", Recueil des Cours de l'Académie de Droit international, tome 121, 1967, vol. II, pp. 221-321.
Dietrich SCHINDLER, "'Tutti fratelli' Im Dienst der Menschlichkeit", Schweizer Monatshefte, Zeitschrift für Politik, Wirtshaft, Kultur, April 2004, pp. 13-16.
[1] إعلان الدول حول شؤون الكونفدرالية السويسرية الصادر في 20 مارس (آذار) 1815, وقرار انضمام الدييت (البرلمان) الصادر في 27 مايو (أيار) 1815, أنظر: The Consolidated Treaty Series, Edited by Clive PARRY, New York, Oceana Publications, vol. 64, pp. 5-12; والقرار المشتمل على إقرار وضمان حياد سويسرا الدائم وحرمة أراضيها الملحق بمعاهدة باريس المبرمة في 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1815, أنظر: The Consolidated Treaty Series, vol.65, pp. 299-300.
[2]القرار على إقرار وضمان حياد سويسرا الدائم وحرمة أراضيها الملحق بمعاهدة باريس المبرمة في 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1815, أنظر: The Consolidated Treaty Series, vol.65, pp. 299.
[3]"يجوز للجنة الدولية أن تتخذ أية مبادرة إنسانية تدخل في نطاق دورها كمؤسسة ووسيط محايدين ومستقلين على وجه التحديد, وأن تنظر في أية مسألة يجب أن تبحثها مؤسسة من هذا القبيل." الفقرة الثالثة من المادة 5 من النظام الأساسي للحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر, الذي اعتمده المؤتمر الدولي الخامس والعشرون للصليب الأحمر المنعقد في جنيف في أكتوبر(تشرين الأوّل) 1986, أنظر: المجلة الدولية للصليب الأحمر, العدد 763, يناير (كانون الثاني) / فبراير (شباط) 1987, ص 25-29 (في النسخة الفرنسية).
[4] هكذا فإن الدولة المحايدة التي تعتمد تدابير تشريعية ترمي إلى تقييد أو حظر تصدير مواد حربية عليها أن تطبقها بطريقة متماثلة على جميع الأطراف المتحاربة.