الساعة 6 صباحاً في "كاسيكا", أحد أشد أحياء مدينة "غوما" فقراً
ما إن استقيظت "راشيل" حتى ربطت صفيحة الماء على ظهرها. كانت حافية القدمين تمشي على صخور بركانية. وأمامها, تمتد متاهة من الأزقة الموحلة. لقد كان عليها أن تسير ساعتين قبل أن تقدر على ملء صفيحة الماء من ضفة بحيرة "كيفو."
و"راشيل" فتاة صغيرة لا تبلغ من العمر سوى 12 سنة, خجولة وحالمة بعض الشيء, يسكنها هاجس الذكريات البعيدة بشأن قريتها الخضراء في تلال "ماسيسي" التي اضطرت إلى مغادرتها هرباً من النزاع الذي مزق بلادها منذ عدة سنوات. منذ خمسة أشهر, وجدت "راشيل", وعائلتها, وأكثر من 500 من النازحين الآخرين الذين كانوا يسكنون المنطقة نفسها ملجأ في "غوما", تحت سقف مثقوب في مبنى كبير تهدَّم من جراء انفجار بركاني عام 2002.
في الليل, ينام جميع السكان متراصين على الأرض. وفي النهار يذهب أغلب الكبار بحثاً عن قوتهم, في حين يذهب الأطفال, صغاراً وكباراً, لجلب المياه.
وتقول لنا الفتاة: "فضلنا أن نأتي إلى المدينة بدلاً من البقاء في مخيمات النازحين, لأن والديَّ بإمكانهما العثور على فرص العمل بسهولة", "لكن من الصعب, بل من الصعب جداً البقاء على قيد الحياة".
ومن المشاكل الرئيسية التي يعاني منها النازحون شأنهم في ذلك شأن بضعة الآلاف من السكان الذين يقيمون في هذا الحي هو الحصول على مياه الشرب. ولمّا كانت "كاسيكا" تفتقر إلى الإمدادات من المياه فإن الخيارات التي يواجهها سكانها محدودة للغاية: إما شراء المياه من البائعين بأسعار باهظة أو الاستسقاء من بحيرة "كيفو".
وأفضل ما في مياه البحيرة أنها مجانية, ولكنها ملوثة بنفايات المدينة. وهناك حيث تسكن "راشيل" العديد من النازحين الذين يقضون النهار ممددين على الأرض المغبرة, يعانون من آلام في البطن ومن الإسهال.
وعلاوة على ذلك, فإن الطريق المؤدي إلى البحيرة طويل, وكمية المياه التي يمكن جلبها في كل مرة محدودة, ثم إنها لا تكفي للأسف, لا للغسيل, ولا لتنظيف الأواني, ولا للمحافظة على نظافة المكان. وتظهر لنا "فاليكي" إبنة عمة "راشيل"‘ التي لا تبلغ من العمر سوى 5 سنوات يديها مغطاة بالجروح, في حزن. وقد بدأ داء الجرب ينخر جسمها ببطء نظراً لعدم توافر الظروف الصحية الملائمة.
الساعة 8 صباحاً, حي "أندوشو"
تبدأ "إليزابيت" البالغة من العمر 58 سنة, وهي من الناجين من القتال في منطقة "ماسيسي", كعادتها كل صباح التحضيرات اليومية لإعداد مشروب موزورورو – بيرة محلية تصنع من الذرة البيضاء – وهو ما يسمح لها بكسب قوتها في مدينة كبيرة.
وتقول لنا: "إنني كنت محظوظة جداً", "عندما وصلت إلى هنا قبل عامين, فقدتُ كل شيء. لقد كنت في غاية من المرض إلى درجة أنني كنت أمشي بصعوبة. لم يكن بوسعي أن أذهب إلى البحيرة لإحضار الماء. الآن, وبفضل خزانات المياه التي بنتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر, يمكنني أن أحضر ما يكفيني من الماء للشرب والغسيل, وحتى ما يكفيني لإعداد مشروب موزورورو.
ويستطيع أكثر من 250000 شخص في هذا الجزء من "غوما" - أي ثلث سكان المدينة -الحصول على نحو منتظم على مياه الشرب من خلال نظام الإمداد الذي أقامته اللجنة الدولية للصليب الأحمر. ولكن هذه الشبكة بعيدة جداً عن حي "كاسيكا" وكذلك عن الطريق الذي تسلكه "راشيل"...
الساعة 10 صباحاً, على ضفاف بحيرة "كيفو"
وصلت "راشيل" إلى الشاطئ العمومي, وهي تلهث, تحمل صفيحة سعتها 10 لترات. وهذا المكان هو من الأماكن النادرة في المدينة التي لها منفذ مباشر على البحيرة, ذلك أن ساحل "غوما" قد بُني بالكامل تقريباً بواسطة مساكن خاصة.
تشق الفتاة, وقدماها في الماء, طريقها وسط حوالي مائة من النساء والأطفال, من النازحين والمقيمين, جاؤوا جميعاً لجلب الماء. وتُسقط الموجات صبياً كان يحاول يائساً ملء صفيحة كبيرة تكاد تبلغ قامته تقريباً.
وتوضح "راشيل" قائلة: "قبل أمس, غرقت "جوآل", وهي فتاة صغيرة كانت تسكن في بيتنا. مثل هذا الأمر يحدث كثيراً, لأن مياه البحيرة ليست جيدة", وتضيف قائلة: "هذه المياه يمكن أن تجرف الأطفال وتسبب الأمراض. ولو كان لي أن أختار, لما جئت يوماً هنا أبحث عن الماء, ولكن...لا خيار لي."
تهز كتفاها, ثم تسلك طريق العودة, وظهرها منحن تحت وطأة المياه.