يتكون مركز المشورة الموجود في مخيم "كيباتي" الأول من بيت متواضع مغطى بقماش بلاستيكي. ولا يختلف داخل البيت عن خارجه من حيث تواضعه ولا يحوي سوى الضروري من الأثاث: طاولة وكرسيان. تقول "شارلوت": "تعرّض مركز المشورة هذا للنهب خلال عمليات القتال التي دارت هنا في شهر أكتوبر/تشرين الأول واضطررنا إلى إعادة تأثيثه على عجل لنتمكن من استئناف عملنا ومساعدة الناس. هناك الكثير ممن يحتاجون لمساعدتنا...".
وتأوي مخيمات "كيباتي" عشرات الآلاف من السكان الذين فروا بسبب القتال. وفقد الكثيرون منهم كل ما يملكون: حرقت منازلهم ونهبت ممتلكاتهم. لكن الخسارة المادية ليس لها نفس الوقع مقارنة بالصدمات التي عاشها بعضهم. فهم شاهدوا عائلاتهم تقتل أمام أعينهم وتعرضوا لجميع أشكال التعدي والعنف. ويروي الكثير من النساء تعرضهن للاغتصاب من قبل حملة السلاح.
وتقول "شارلوت" إن الأولوية الرئيسية بعد الاغتصاب هي الرعاية الطبية. فعلى المرأة التي تتعرض للاغتصاب أن تتوجه بأسرع وقت ممكن إلى مركز رعاية صحية حيث تتوفر أدوية يمكن أن تقيها من الأمراض المنقولة بالاتصال الجنسي بما في ذلك فيروس نقص المناعة البشرية /الإيدز, شريطة أن تتناول هذه الأدوية خلال 72 ساعة من وقوع الحادثة. لكن الأدوية لا تداوي سوى الجسم بينما تحمل ضحايا هذه التعديات جروحاً نفسية غير مرئية".
وهنالك غرفة صغيرة ملاصقة لغرفة المعاينة التي تعمل فيها "شارلوت", تحتوي على سرير. "غالباً ما يكون الضحايا منهكين عند وصولهم إلى هنا. وتكون صدمة بعضهم حادة إلى درجة تمنعهم من النوم, لذا فإننا نتركهم يرتاحون. ولا تبدأ مهمة الاستماع الفعلية إلا بعد فترة الاستراحة هذه. من الضروري أولاً أن يشعر الضحايا بالأمان والارتياح وعلينا كسب ثقتهم".
"كلوتيلد" صاحبة محل صغير في الخمسين من عمرها اعتادت على السفر لمسافات طويلة لجلب البضائع اللازمة لمحلها إلى أن هاجمت مجموعة من المسلحين يوماً الباص الذي كانت تستقله. وشرع قطاع الطرق في سلب ركاب الباص كافة ثم اغتصبوا كل من فيه من نساء. لكن معاناة "كلوتيلد" لم تتوقف عند هذا الحد. حين عادت إلى منزلها نبذها زوجها خوفاً من الإصابة بأمراض المنقولة بالاتصال الجنسي.
وتقول "شارلوت" مع ابتسامة عريضة:" شرحنا لزوجها أن الفحوص الطبية أظهرت أن "كلوتيلد" لم تلتقط أي مرض ولكننا سعينا على وجه الخصوص إلى دفعه ليعي عمق الجرح الذي سببه نبذه لها. أفلم تعاني "كلوتيلد" ما فيه الكفاية؟ واستوعب زوجها رسالتنا. وتأتي "كلوتيلد" بشكل دائم لزيارتنا وقد أخبرتنا مؤخراً بأنها, ولأول مرة منذ 4 أشهر, لم تعد تعاني من الكوابيس في الليل.
"كما أنني أتذكر تلك المرأة التي تعرضت للاعتداء بينما كانت تحمل طفلها البالغ من العمر سبعة أشهر على ظهرها. وقد أعطاها وجود طفلها القوة لتتصدى لخمسة رجال مسلحين واستطاعت أن تنتزع سلاح أحدهم وتجرح آخر في وجهه.
بعد تعرضها للاغتصاب هربت عارية وأمضت ساعات طويلة تختبأ في حفرة في الأرض تحت التراب والأوراق اليابسة قبل مجيء من يساعدها. ورجع بعض أهل الخير, بعد ذهاب المسلحين, إلى مكان الاعتداء بحثاً عن طفلها ووجدوه. لقد كنت موجودة حين أخذت هذه المرأة طفلها بين ذراعيها وضمته إلى صدرها. كان كل ما يهمها في تلك اللحظة هو عودة طفلها إليها. كانت, في خضم معاناتها, سعيدة باسترجاعه.
يأتي أفراد فريق العمل المختص بالشؤون النفسية الاجتماعية التابع للجنة الدولية وجمعية الصليب الأحمر في جمهورية الكونغو الديموقراطية لرؤية "شارلوت" يومياً. "إنني بحاجة إلى مشاطرة الآخرين تلك الأحاسيس التي أشعر بها حين أستمع لهؤلاء الضحايا. إنه عبء ثقيل يصعب على المرء تحمله بمفرده. تصور أنك تتلقى عدداً يتراوح بين 5 و 10 زيارات في اليوم. معظم الضحايا من النساء لكن هناك أحياناً فتيات لم يتجاوز عمرهن خمس أو ست سنوات. أنا أم لستة أطفال ولهذه الحالات تأثير عميق في داخلي. غالباً ما أشعر بأنني سأستسلم للبكاء لكن علي أن أبقي على ابتسامتي من أجل أولئك الذين يلجأون إلي بحثاً عن مصدر قوة وبصيص أمل.
أنا فخورة بعملي بالرغم من الألم الذي يسببه لي. سنح لي التدريب الذي تلقيته من اللجنة الدولية للصليب الأحمر اكتساب وعي كافٍ بحقوقي كامرأة وساعدني في الدفاع عنها داخل بيتي. لو استطعنا نحن النساء تغيير طريقة تفكير الرجال لأصبح عدد حالات الاغتصاب في جمهورية الكونغو الديموقراطية أقل مما هو عليه الآن.