©CICR/VII / F. Pagetti / v-p-co-e-00576
"ماريا ايلينا" مع ابنتها.
وتتذكر "ماريا ايلينا" قائلة: "حين أصابتني الرصاصة, بدأت طفلتي تضرب برجيلها في كل الاتجاهات فقلت لنفسي إنها أصيبت هي الأخرى. لكنها في الأخير لم تكن قد أصيبت. ولا أذكر ما حدث بعد ذلك...أسترجع بعض ذكريات غامضة حين عبرت قرية "بيلافيستا" ونقلت إلى مركز الرعاية الصحية في "آل ديفيزو" ثم إلى مستشفى "باستو" ".
تعيش "ماريا-ايلينا" وعائلتها في بيت خشبي متواضع في قرية "لاس كروسس" في مقاطعة "نارينو" الواقعة في جنوب غرب كولومبيا. وبدت الحياة هادئة في اليوم الذي قمنا فيه بزيارة إلى تلك القرية التي تضم حوالي 40 عائلة: أربعة رجال يلعبون "البليار" في إحدى الحانات; مجموعة من المراهقات يرتدين السراويل القصيرة ويتبرجن بأحمر الشفاه, يتجولن في الشارع الرئيسي وهن يدردشن ويقهقهن. كما رأينا بعض السكان منهمكين في تشييد مبنى عامٍ من قوالب الاسمنت بينما يتناول بعض التجار وسائقي الشاحنات غداء متأخراً في أحد المطاعم القليلة الموجودة في القرية.
ومن يتصور, عندما يرى هذا المشهد من حياة القرية اليومية, أن "لاس كروسس" هي اليوم واحدة من أكثر المناطق خطورة في كولومبيا ؟ وعلى سكان القرية أن يبقوا على أهبة الاستعداد تحسباً لزيارة غير معلنة قد تقوم بها إحدى المجموعات المسلحة الموجودة في محيط القرية. وحين تتلقي مجموعتان متناحرتان صدفة قرب القرية أو حين تشتبك إحداها مع دورية للجيش, فلا يسعك إلا الهرب إلى منزلك والتمدد على الأرض آملاً ألا تصاب في تبادل إطلاق النار الناجم عن ذلك.
وفي تلك الليلة المشؤومة من 16 تشرين الأول /أكتوبر 2008, وحدها "ماريا ايلينا" أصيبت. وتمكنت"اينياسيا" البالغة من العمر 50 عاماً والتي تعطي دروساً دينية حول مبادئ الدين المسيحي الأساسية, بمجرد سماعها لصوت الطلقات أن تتعرف على نوع السلاح الذي أطلقت منه. تاك-تاك-تاك. قالت "اينياسيا" "إنه سلاح أوتوماتيكي من نوع M-60" مشيرة إلى تلة صغيرة قريبة من مدخل القرية.
بعد توقف إطلاق النار, ركض أحد أبناء "ماريا ايلينا" الكبار خارج المنزل في ظلام الليل لينادي أباه الذي كان يمضي سهرته في الدردشة عند أحد الجيران. وعلى الرغم من أن الكهرباء لا تصل إلى القرية فمن الممكن التقاط شبكات الاتصال بالهواتف النقالة لكن ليس هناك سيارة إسعاف أو سائق تاكسي يخاطر في الخروج في ساعة متأخرة على طريق تقيم عليه من حين لآخر المجموعات المسلحة نقاط تفتيش متحركة.
©CICR/VII / F. Pagetti / v-p-co-e-00538
قرية "بيلافيستا" التي عبرتها "ماريا ايلينا" في طريقها إلى مركز الرعاية الصحية بعد إصابتها برصاصة طائشة.
ولم يكن ثمة خيار سوى إقناع سائق شاحنة بنقل الجريحة "ماريا ايلينا" التي كانت تعاني من نزيف حاد إلى أقرب مدينة على أمل إنقاذها من الموت. لم يكن سائق الشاحنة من القرية بل كان توقف فيها لقضاء الليل. وقبل هذا السائق القيام بهذه الرحلة الخطرة في منتصف الليل على طريق غير معبد فيه حفر يفوق حجمها أحواض الاستحمام وحيث يستغرق قطع مسافة 45 كلم ثلاث ساعات تقريباً, وهو أمر يشكل بحد ذاته عملاً ينم عن روح إنسانية.
وهكذا تم إنقاذ "ماريا ايلينا" لكنها فقدت ذراعها الأيسر بأكمله. وهي تقول:"لم أعد قادرة على الغسيل ولم أعد حتى قادرة على تحضير الحساء. وتقوم ابنتي الكبرى, البالغة من العمر 13 عاماً الآن بالطبخ والغسيل والتنظيف وتساعدني في كل شيء." ويواصل زوج "ماريا ايلينا" العمل في مزرعة العائلة بينما فتحت "ماريا ايلينا" حانوتاً صغيراً في الطابق الأرضي من المنزل تبيع فيه الخبز بشكل أساسي.
تاك-تاك-تاك. إنه صدى لحظة من حياة "ماريا ايلينا" غيّر كل شيء في ومضة عين. وسواء قررت هي وعائلتها البقاء في القرية أو الهرب كما فعلت عائلات أخرى من قبل, فسترافقها تلك اللحظة مدى الحياة.