©ICRC/J. Barry/ge-e-00334
دائما ما تفاجئني الحياة التي تجعلني أستكشف مناطق في العالم ما كان يدور بخلدي أن قدمي ستطؤهما يوما ما. هذه المرة, طلب مني الصليب الأحمر 48 ساعة قبل الموعد المحدد الذهاب إلى جورجيا كممرضة. هذه هي المرة الأولى التي أعمل مع هذه المنظمة وتحت مظلة اللجنة الدولية للصليب الأحمر, والمرة الأولى التي أتوجه فيها إلى هذا الجزء من العالم الواقع على الحدود بين أوروبا وآسيا, والمرة الأولى في منطقة نـزاع (مع أن أفغانستان وسري لانكا يمكن وصفهما بمنطقتي نـزاع...). ثمة الكثير من الأمور الجديدة!
بلد توقفت فيه الحياة
بعد بضعة أيام من التحضير والاستعداد في العاصمة حيث يصعب تصور الحرب, نشد الرحال إلى "غوري". وعلى خلاف صور الرعب التي رأينها على شاشات التلفزة, لم تطل آثار الحرب تقريبا هذه المدينة الصغيرة التي تعيش فيها 70.000 نسمة والتي ستكون قاعدتنا. فبعض المباني التي أتت على جزء منها ألسنة النيران والتقتطها عدسات آلات التصوير من كل الزاويا هي كل ما يشير إلى المعارك التي دارت رحاها هنا. واليوم, بعد انسحاب الروس, تعود الحياة في "غوري" رويدا رويدا إلى مجراها الطبيعي. فقد عاد السكان الذين كان معظمهم قد لاذ بالفرار, وبدأ الباعة ينزلون يوميا إلى السوق والأطفال يلعبون في أزقة الشوارع ومنذ البارحة تتدفق مجددا مياه نافورة الساحة الرئيسية. ولكي يكتمل المشهد وتعود الحياة إلى سابق عهدها, لا يبقى إلا أن يعيد متحف ستالين فتح أبوابه (فهذه المدينة مسقط رأسه).
وفي صبيحة هذا اليوم, نتوجه إلى القرى الواقعة بالقرب من أوسيتيا الجنوبية حيث نقدم خدمات الرعاية الصحية. وعلى أبواب المدينة, عند مدخل المنطقة العازلة, نجتاز نقطة التفتيش الجورجية ثم نقطة التفتيش الروسية. والطريق الصغير الذي نسلكه في ما بعد يأخذنا من قرية إلى أخرى. ولكي تكونوا فكرة عن هذه المناطق الريفية, تصوروا قرى منطقة البلقان, وأضيفوا إليها لونا من آسيا وألوانا من روسيا ودفء واد في قلب بلد يقع بين أحضان بحرين. بيوت من القرميد تحيط بها أشجار الفاكهة التي تشكل مصدر كسب قوت سكان المنطقة: فالدرّاق (الخوخ) بأصنافه والتفاح والخوخ (البرقوق) من كل الألوان قد أينعت وحان قطافها. والكرمات التي تتدلى منها عناقيد من العنب الأحمر والأخضر تغطي المنازل والأفنية والأرصفة, تلف كل الأمكنة التي يمكن أن تلقي فيها ظلالها, حتى في وسط المدينة. وهناك أيضا بعض حقول القمح والذرة وبعض الأبقار والكلاب. ولكن لا أحد في الأفق.
وهنا تبرز آثار الحرب أكثر من أي مكان آخر. فهناك منازل وحقول محروقة وأشجار مقطوعة وأشياء متروكة على قارعة الطريق تسمح لنا بتصور ما حدث خلال الأسابيع الأخيرة. وما يعزز الطابع الغريب لهذا المشهد مرور القوافل العسكرية التي تنتقل بسرعة كبيرة مكسرة بذلك جدار الصمت السائد. ولكن لا أحد في الأفق, كما لو كانت هذه المنطقة تحبس أنفاسها, معلقة بين الحياة والموت.
الذين لم يرحلوا
نقيم عيادتنا المتنقلة الصغيرة عند محطة وقوف حافلات قديمة زادت الحرب من قدمها أو تحت ظلال الأشجار أو في مركز صحي متوقف عن العمل مؤقتا وغالبا ما يكون تعرض للنهب أو لحقت به الأضرار. بضعة طاولات وكراس هنا وصندوق من الأدوية وبضعة ضمادات هناك, ونحن ننتظر. وتظهر امرأة عجوز في آخر الشارع ثم امرأة أخرى, فرجل يخرج من منزله متكئا على عصاه ثم رجل آخر يدفع نقالة بعجلة واحدة. ويخرج كل الأشخاص الذين كانوا مختبئين في منازلهم الواحد تلو الآخر, وتبدأ الاستشارات بهدوء. وقد أجرينا ما يصل إلى 250 استشارة يوميا.
©ICRC/J. Barry/ge-e-00345
سكان إحدى القرى شمال غوري يتلقون الرعاية الصحية.
وتختلف خدمات الرعاية الطبية هذه اختلافا كبيرا عن كل ما قمت به في الخارج. ليس فقط لأن هذا البلد مختلف أيضا من الناحيتين الثقافية والجغرافية وغيرها, ولا لأن نظامه الصحي أكثر تطورا من نظام هايتي أو الكونغو ويعالج مجموعة متنوعة من الأمراض, ولا لأن الأطباء والممرضات من جورجيا هم من يقدمون العلاج في كل الحالات تقريبا, وهو ما يبدو لي أنسب. فالاختلاف البارز للعيان يكمن في خصائص الأشخاص الذين نعالجهم, فمتوسط عمرهم يبلغ حوالي 75 سنة. لقد هرب بالفعل جزء كبير من السكان أثناء المواجهات, تاركين بيوتهم ووسائل كسب عيشهم وأقاربهم المسنين الذين بقوا لأنهم لم يكونوا يقوون على الرحيل في عجالة. ومنذ ذلك الوقت وهم يلازمون بيوتهم خوفا من كل شيء, ولا سيما من المجموعات المسلحة واللصوص الذين يغتنمون لحظات انعدام الاستقرار ليسرقوا كل ما تقع عليه أيديهم من أثاث ومال وأدوية, أي كل ما يمكن أن يستعمل أو يعاد بيعه.
الخوف والقلق
وهكذا, فإن المرضى يعانون خاصة من الصدمات النفسية التي خلفتها هذه الحرب ومن الخوف والقلق حيال مصير أقاربهم, ومن كل الأمراض الممكنة المرتبطة بالشيخوخة. فعندما يرون قافلة اللجنة الدولية تتوقف في قريتهم, يترقبون الوضع, ثم يخرجون بعد ذلك من مخبئهم ويتوجهون ببطء نحونا. وهم يأملون إيجاد بعض السلوان, والحصول على بعض الأدوية لعلاج الأمراض المزمنة وآلامهم الجسدية ورؤية أصدقائهم من جديد. وبهذا أصبحت عياداتنا أماكن لقاء لجميع هؤلاء النساء المسنات اللواتي يرتدين تنورات وقمصانا بألوان باهتة, ولجميع هؤلاء الرجال بمظهرهم الوقور الذين لم يبق لهم أسنان وتخدشت أيديهم بسبب العمل في الحقول. إنه لمشهد مؤثر حقا أن نراهم يقبلون بعضهم البعض ويبكون في أحضان بعضهم عندما يلتقون بشخص عزيز لم يعتقدون أنهم سيرونه مجددا.
يتبادل الجميع الأخبار ولكل واحد قصة حزينة يرويها. وبينما يروي لي رجل كفيف مسن قصته خلال زيارة إلى منزله, تنهمك زوجته المسنة أيضا في جمع فتات الطعام من المائدة وقطف الخوخ وغسلها من أجلي: يا له من سخاء وكرم ضيافة حتى وإن لم يبق لهما شيء. وإذا استوعبت جيدا كلام المسن "ساشا" الذي تترجمه زميلتي المتأثرة بما تسمعه وغير المعتادة على المصطلحات الطبية, فهو يعاني من مرض أصاب عينيه وكان من المفترض أن يخضع لعملية جراحية في آب/أغسطس ليستعيد جزئيا بصره لكن لم يكتب له ذلك. وعلاوة على ذلك, سرق اللصوص كل ما يملك بعد أن باع سيارته القديمة لتغطية تكاليف العملية المرتفعة. ويبكي الجيران الملتفون حوله مصيبته ويتحسرون على ما أصابهم. وهنا تخونني الكلمات, وأتساءل: ما عسايا أفعل؟
ولحسن الحظ, فإن نوعا من الاستقرار في حياة هذه القرى المعلقة يسمح للسكان بالعودة شيئا فشيئا. وكل يوم أرى رجالا أصغر سنا يعودون ومعهم بعض النساء, وفي الأمس رأيت طفلا لأول مرة. وربما كان ذلك أفضل مواساة يمكن لهؤلاء الأشخاص الحصول عليها: لقاء أقاربهم والعودة قليلا إلى الحياة الطبيعية.