بياتريس ميجيفان روغو
ما هي آثار الأزمة الإنسانية على السكان المدنيين حاليا ؟
ما انفكت الأزمة الإنسانية في العراق تتّسع وتتعمق وتزداد خطورة وما انفك الوضع الأمني يتدهور بشدة في العام الأخير وبدرجة أكبر خلال الأشهر الماضية, بينما بلغت الحالة الإنسانية درجة من الضراوة يصعب للمرء تحملها.
وقد أدركتُ خلال زيارتي الأخيرة إلى العراق أن العامل الأمني والصراع اليومي من أجل البقاء يشكلان الهموم الرئيسية عند السكان. فشبح الخطر الكامن قد يضرب في أي مكان وأي وقت وفي أي شكل من الأشكال كان ذلك عند شراء اللوازم أو عند مرافقة الأبناء إلى المدرسة.
وينطبق ذلك على بغداد وعلى مدن أو مناطق عديدة في البلاد على حد سواء. فهناك شعور بأن حياة العراقيين اليومية يعتريها خوف شديد من النازلة التي قد تحل بهم في أي وقت.
وأظن أن هذه الحالة هي أصعب ما يمكن أن يتحمله الشعب العراقي علاوة على صعوبات الحياة اليومية مثل, نضوب الماء ونقص التيار الكهربائي ومشاكل التموين لعدم الخروج خوفا من الخطر, وندرة إمكانيات الحصول على الرعاية الطبية, وما إلى ذلك. وتدهورت نوعية الخدمات في المستشفيات التي تعمل على وتيرة تفوق طاقتها فلم يبقَ من العاملين الطبيين في العراق إلا القليل وتعمل المراكز الطبية التي لا تزال تقدم خدماتها على وتيرة متقطعة وبصورة غير مرضية. وأصبحت جميع مظاهر الحياة اليومية قاسية بصورة خاصة.
ولهذه الأسباب, يضطر عدد متزايد من الأشخاص والعائلات إلى الفرار. فمنهم من يتنقل داخل البلاد ومنهم من يحاول البحث عن ملجأ في الخارج. لكن من الصعب تحديد عدد الأشخاص المتضررين من النزاع ومعرفة عدد النازحين واللاجئين بالضبط. والمؤكد هو أن عدد المهاجرين إلى الخارج يقيّم بالملايين وعدد النازحين داخل البلاد بمئات الآلاف. وسيؤدي الإعلان عن إغلاق الحدود مع سورية إلى تردي حالة الذين يريدون مغادرة البلاد.
ما هي التحديات التي يتعين على اللجنة الدولية مواجهتها؟ وكيف يمكنكِ تقييم قدرة اللجنة الدولية على تقديم المساعدة والحماية إلى أشد الناس عوزا في ظروف إنسانية محفوفة بالمخاطر؟
أرى أن العامل الأمني هو أهم التحديات أمام الجهات الإنسانية الفاعلة. والصعوبة التي تواجهها كل منظمة إنسانية مثل اللجنة الدولية في العراق هي اتباع الطريقة التقليدية في العمل مع المندوبين الأجانب الذين يعملون هناك فيقيّمون الاحتياجات ثم يتكفلون بأعمال المتابعة.
وهو أمر مستحيل في العراق في الوقت الراهن باستثناء منطقة كردستان شمال البلاد. ونحن مضطرون في باقي أنحاء العراق أن نعتمد أساسا على الموظفين العراقيين الذين يؤدون عملا استثنائيا كما لاحظته هناك ولا زلنا بفضلهم نواصل أنشطتنا.
كما أننا نعول كثيرا على جهود الهلال الأحمر العراقي لإنجاز برنامج المساعدة الموجهة إلى النازحين وأنشطة إعادة الروابط العائلية, لاسيما تبادل رسائل الصليب الأحمر بين المحتجزين وعائلاتهم.
وهكذا نستطيع بفضل العراقيين أن نؤدي مهمتنا ونحاول أن نلبي الاحتياجات الإنسانية لأشد الأشخاص تضررا من النزاع.
ولا سبيل للجنة الدولية التي لا تلجأ إلى الحراسة العسكرية رغم شدة خطورة البيئة الإنسانية, إلى العمل إلا عن طريق إقامة الحوار أولا مع جميع الأطراف وجميع الفعاليات التي لديها تأثير في سير النزاع. ويعني ذلك التعريف بماهية عمل اللجنة الدولية ومهمتنا وتوضيح معنى العمل الإنساني الحيادي والمستقل وإقناع الأطراف عن طريق العمل وإعطاء المثل الأعلى الذي يحتذى بها, وإقناع الجميع بشرعية عملياتنا في الميدان.
وأعتقد أن الحوار الذي نقيمه وإرادتنا في التفاوض وإقامة اتصالات مع الجميع وشرح ماهية دورنا وتوضيح أسلوب عملنا كلها عناصر أساسية في جميع السياقات, والسياق العراقي بوجه خاص. ويبقى هذا الأسلوب في العمل أفضل وسيلة تكفل قبول واحترام العمل الإنساني الذي تؤديه اللجنة الدولية حتى إن لم نكن في منأى عن التعرض لحوادث عنيفة.
عززت اللجنة الدولية في أيار/مايو 2007 أنشطتها في العراق ومع ذلك لا تبدو المساعدات الإنسانية كافية لتلبية احتياجات السكان المدنيين. فما العمل؟
العمل الإنساني غير كاف بطبيعة الحال لكن وقعه الإيجابي كبير. وإذ كانت الاحتياجات الضرورية فائقة فإن الأموال المخصصة لسدها كبيرة والنوايا الحسنة عديدة أيضا. لذلك ينبغي توفير الظروف المناسبة والضرورية لتنفيذ عمليات إنسانية كفيلة بتلبية كامل احتياجات العراقيين. لكن مع الأسف لم تجتمع هذه الظروف بعد: فالحل شامل وسياسي أكثر من أي شيء آخر.
ولا يستطيع العاملون في المجال الإنساني في العراق اليوم إلا تقديم حل مؤقت لبعض المشاكل ومواجهة الحالات الطارئة وهم بذلك لا يتدخلون إلا بعد وقوع الضرر. في حين أن الواقع يستدعي تفادي وقوع الضرر وإنشاء ظروف ملائمة على الصعيدين السياسي والأمني حتى يكون هناك مجال لتطور العمل الإنساني كلية. وبالطبع, لا يتوقف الوصول إلى هذه الحلول على الفعاليات الإنسانية بل الأمر بيد الفعاليات السياسية والعسكرية في الميدان.
وليس بوسعنا كممثلين عن اللجنة الدولية إلا الدعوة إلى إيجاد تسوية لهذا الوضع. ونرى في احترام القانون الدولي الإنساني والمبادئ التي ينطوي عليها الوسيلة الوحيدة الكفيلة بضمان بيئة ملائمة تسمح بأداء عمل إنساني مرضٍ.