فاطمة تقود أسرتها إلى بر الأمان
©ICRC/VII/Franco Pagetti/v-p-lb-e-01220
فاطمة من سكان قرية محيبيب
في أوائل آب /أغسطس من العام 2006, وصلت الحرب الدائرة بين إسرائيل وحزب الله إلى قرية محيبيب الصغيرة في جنوب لبنان التي تبعد ثلاثة كيلومترات فقط عن الحدود مع إسرائيل. وكانت فاطمة جابر البالغة السابعة والأربعين من عمرها إحدى سكان هذه القرية.
وتقول فاطمة : "وقع الهجوم خلال الليل. وفي الصباح , ذهبنا إلى بيت عمي لنختبئ. وكان هناك أكثر من 50 شخصاً لكن عائلتنا المكونة من 10 أنفار كانت الوحيدة مع أطفال ومن بينهم مولود جديد هو طفل أخت زوجي . "
وكان أيضاً في البيت جرحى وقتلى. وخلال فترة قصيرة, كان على أفراد العائلة أن يقرروا إما البقاء والتعرض لخطر الموت , أو مغادرة القرية في رحلة مليئة كذلك بالأخطار. وقرروا المغادرة سيراً على الأقدام للتوجه إلى قرية ميس الجبل القريبة حاملين حزم الثياب وكل ما استطاعوا أن يعثروا عليه من طعام .
وهنا تتذكر فاطمة: " حوالي الساعة الرابعة بعد الظهر, بدأ القصف من جديد, وكان هذه المرة عنيفاً جداً". ثم سمعت بعض أهل القرية يصرخون قائلين أن والدتها سقطت على الأرض.
ولم يكن من السهل عليها مساعدة أمها, كما تفسره لنا: "فهي تزن أكثر من مائة كيلو! وكان الجيران يطلبون مني أن أسرع لأن القصف أصبح أسوأ. ولكن لم أستطع أن أتركها لوحدها." وأخيراً مشت هي وأختها ببطء مع أمهما حتى وصلوا إلى القرية.
وهناك ظلت العائلة في المسجد لمدة أسبوع كامل مع أكثر من 500 شخص. ولم تكن الظروف سهلة: " لم يكن هنالك حليب ولا أدوية. فالقرية صغيرة ولا يوجد فيها صيدلية ولا متجر كبير". وبعد أسبوع أمضوه هناك, نقلت اللجنة الدولية للصليب الأحمر الجميع إلى مكان أكثر أمناً.
وحين عادت العائلة إلى الديار في 14 آب/أغسطس 2006 يوم وقف إطلاق النار, وجدوا المنزل مدمراً, والحيوانات ميّتة, والجثث ملقاة في الطرقات ورائحة الموت الفظيعة ترافقهم في كل مكان. ولكن فاطمة التي نجت من الموت كانت واقعية: "نظفنا المكان بسرعة وأقمنا فيه من جديد. من الأفضل بالتأكيد أن ينام المرء وسط أنقاض منزله من أن ينام على سرير في بيوت الآخرين."
كابوس حسنية الذي لا يفارقها : موت ابنها بعد صلاة الجمعة
©ICRC/VII/Franco Pagetti/v-p-lb-e-01199
مقبرة في مخيم البداوي الفلسطيني بالقرب من طرابلس. حسنية تزور قبر ابنها
اندلع نزاع جديد عام 2007 في مدينة طرابلس شمال لبنان في مخيم نهر البارد الفلسطيني , وهو مجمّع من البيوت المؤقتة المبنية بالاسمنت يسكن فيها حوالي 40 ألف شخص. فقد جرى خلال ثلاثة أشهر قتال بالأسلحة الثقيلة بين الجيش اللبناني وميليشيا جماعة فتح الإسلام . وحين سيطر الجيش على المخيم في أيلول/سبتمبر 2007, كان قد قتل حوالي 400 شخص ونزح سكان المخيم بعد أن تحوّل الكثير من منازلهم إلى أنقاض.
حسنية يحيى الطواعية وهي في الستين من عمرها فقدت كل شيء. هي لا تزال في مخيم البداوي الفلسطيني المجاور آملة أن تعود يوماً إلى منزلها.
وتسأل حسنية: "هل يمكن أن تتصور المعاناة التي تعيشها حين تضطر إلى ترك منزلك وكل ما تملك ومجرد الخروج من البيت بما عليك من ملابس. فلا تحمل شيئاً , لا مال ولا طعام , لا شيء على الإطلاق. أنا أصلاً لاجئة ولدت عام 1948 العام الذي خسرنا فيه بلدنا فلسطين. والآن أنا مضطرة إلى الرحيل من جديد. "
حسنية تعيش في الطابق السابع من البناية وعليها أن تصعد وتنزل الدرج عدة مرات في اليوم. وتذكر حال زوجها : " زوجي كان مريضاً. ظل في العناية الفائقة طوال سبعة أيام ولم يسمح له بالمشي مسافات طويلة ولا بصعود السلالم. وعندما عاد من المستشفى, كنا نحاول نقله إلى الشقة ولكنه مات هنا على درجات السلّم."
وتقول حسنية : "جرى كل ذلك وكأنه كابوس . لم نكن نعتقد ولو بالحلم أن شيئاً من هذا النوع قد يحدث لنا." لكنها تقول أيضاً أن الذين عادوا إلى نهر البارد يتذمرون من الوحل ومن الردم هناك. وتتنهّد قائلة : "حتى الحيوانات لم تكن لتعيش في مثل هذه الظروف ".
إلا أن الأسوأ كان لا يزال ينتظرها. كان ابن حسنية قد أمضى ست سنوات في بيروت وجاء في تموز/يوليو 2007 ليزور والدته محاولاً مساعدتها على إيجاد مكان آخر تعيش فيه.
وتقول حسنية : " ذهب في اليوم التالي إلى صلاة الجمعة ولكنه لم يعد أبداً. كانت هناك مظاهرة سلمية للمطالبة بوقف القتال , جرى تبادل لإطلاق النار وقتل شابان , أحدهما كان ابني. .."
وتفكّر حسنية ملياً في مصيرها. " عشت أشياء وحوادث كثيرة , كثيرة جداً. ولكن كل المشقات التي عانيتها أضعها في كف وموت ابني الشاب في الكف الآخر وهو الذي سيرجح وزنه بالتأكيد. موت أبني الشاب هو الشيء الوحيد المهم بالنسبة لي .
فاطمة ونهاد تعيشان على خط المواجهة في حرب المدينة
©ICRC/VII/Franco Pagetti/v-p-lb-e-01163
حي باب التبانة في طرابلس
مدينة طرابلس مرة أخرى في صيف آخر ونزاع آخر . دار قتال من بيت إلى آخر بين جماعات مسلحة في باب التبانة وضاحية جبل محسن, ما بين شهري أيار/مايو وآب/أغسطس 2008 , إلى أن أعاد الجيش سلاماً هشاً. وكان قد اعتاد الناس من الطوائف المختلفة العيش معاً بسلام, ولكن بعد أن انفجرت التوترات السياسية لتتحول إلى عنف مسلح, أصبح عشرات الآلاف من الناس بلا مأوى.
اضطرت فاطمة الصندي, 41 عاماً, وزوجها نورس السوس, 49 عاماً, إلى الفرار من شقتهما الصغيرة في باب التبانة بعد أن أحرقتها قذيفة استقرت فيها. وكان الشارع الذي يعيشان فيه خط المواجهة الأمامي الافتراضي للقتال.
وتقول فاطمة : "إن الأيام الأولى للقتال كانت قاسية جداً . لم يكن هنالك ماء نظيف ولا كهرباء ولا ماء. عشنا في ملجأ تحت الأرض على ضوء الشموع ولكن كان المكان خطراً كذلك. وكانت المياه تغطي الأرض والمكان بارداً جداً. "
وعندما أصيبت الشقة إصابة مباشرة بحث الزوجان عن مأوى في سوريا (الزوج نورس سوري الأصل مع أنه مولود في باب التبانة).
لدى الزوجين عشرة أولاد تتراوح أعمارهم ما بين الثامنة والثانية والعشرين, واثنان منهما يدرسان في الجامعة. وتروي فاطمة الصندي بفخر كيف قدمت ابنتها التي بلغت سن التاسعة عشرة امتحاناتها الرسمية أثناء القتال ونجحت فيها. والآن يقوم الزوجان بإصلاح شقتهما حتى لو كان من المحتمل رؤية الاضطرابات تندلع من جديد, ويقولان أن لا مكان آخر لديهما تسكن فيه العائلة.
أما نهاد شعبان جارتهما البالغة الستين من عمرها فتقول : " كلما بدأ إطلاق النار كنا نذهب إلى غرفة أخرى بحثاً عن حماية أفضل ونضطر إلى حمل أختي المريضة. إلا أن هذا المكان الذي ربما حمانا من الرصاص لم يكن يحمينا من القصف. واعتدنا أن نبقى هناك يوماً واحداً أو يومين حسب تطور القتال. وكان علينا أن نزحف على الأرض إذا أردنا استخدام الحمام. "
وحين ساءت الأمور كثيراً, غادرت نهاد مع عائلتها لتسكن مع أقرباء في البلد. وكان عليهم أن يتسللوا من بناية إلى أخرى عبر شقوق في الجدران, خشية من القنّاصة.
لا تزال نهاد تشك في ما يخبئه المستقبل وتقول: "لقد عشنا حروباً كثيرة ولم نعد نتوقع السلام. نعرف أن علينا أن نحتاط ونحتفظ دائماً بمؤن من الطعام, وأن نكون مستعدين لمواجهة الأسوأ."