©ICRC/VII/Franco Pagetti/v-p-lb-e-01099
أصيب محمد بجروح خطيرة من جراء انفجار قنبلة عنقودية وهو لا يبلغ من العمر سوى 12 سنة.
كان محمد الحاج موسى يعيش أحلك فترة من حياته القصيرة عندما تعرَّف على بسام سنجر وربطته به علاقة وثيقة. كان "بسام" يقول لنا في صوت هادئ ومحمد جالس إلى جنبه إنني "قمت بزيارة محمد في البداية مباشرة بعد تعرضه للحادث. وكان عليَّ أولا أن أبدأ برفع معنوياته قبل البدء في جبر أطرافه, لأنه كان كئيباً وحزيناً للغاية."
وليس من السهل البتة على "محمد" الحديث عن "ذلك اليوم" الذي جرف فيه سيلُ اليأس حياته. كان محمد متردداً, يتحدث إلينا في جمل قصيرة جداً, وعيناه تنهمران بالدموع في صمت. وقع الحادث في 11 آب/أغسطس 2006, قبل 13 يوماً فقط من عيد ميلاده الثاني عشر. قال لنا محمد في إيجاز: "ذهبت مع والدي لأُحضر شيئاً من الطعام لبعض الأفراد الذين ظلوا محاصرين هناك في سماية."
كانت نيران الحرب مشتعلة في جنوب لبنان. شعُر الرجل الذي كان يركب دراجته النارية وابنه الذي كان معه بأن هناك ما يشبه وقفاً لإطلاق النار, فانتابهما شعور بالاطمئنان النسبي. ولكن سرعان ما زال هذا الشعور عندما اصطدمت الدراجة النارية بحاجز على الطريق.
"شيء ما انفجر"
"أُصيب والدي وسقطتُ من أعلى الدراجة النارية لأجد نفسي في حفرة, ومما أتذكره أن شيئاً ما قد انفجر". شبَّت نار في جسد محمد بسبب انفجار القنبلة العنقودية. و"كان هناك كلب ساعدني على الخروج بجرِّي من سترتي إلى النهر الذي انتشلني منه متطوعو الصليب الأحمر. وأتذكر أن رجلايا كانتا مثل الأشلاء الممزقة. ويذكر لنا محمد أيضاً أنه كان يتوسل إليهم لمساعدة والده الذي كان ممدداً على مسافة بعيدة منه مما جعل من الصعب على فريق الإسعاف الأولي التفطن إليه في البداية.
لم تكن إصابة والد محمد خطيرة جداً. ولكن طفله فقد ساقيه, وهو لا يزال يعاني من حروق بالغة جداً من جراء إصابته في ذلك اليوم. هذه الحروق جعلت التدرب على استعمال الساقين الإصطناعيتين "مؤلماً جدا", على حد تعبير بسام سنغجر. وكان محمد "يعاني من آلام حادة جداً بمجرد مسِّ ساقه."
©ICRC/VII/Franco Pagetti/v-p-lb-e-01214
مدينة صور. "محمد" في مركز بسام سنجر لتركيب الأطراف وإعادة التأهيل في صيدا.
وقبل أن يأتي محمد إلى ورشة بسام سنجر لتقويم العظام في صيدا, خضع إلى عمليات جراحية متكررة ودورات مطولة من العلاج الطبيعي. ولكن بسام سنجر كان إلى جنبه, يزوره في مخيم الراشدية الفلسطيني, بالقرب من مدينة صور في أقصى الجنوب. وعائلة آل موسى تعد واحدة من عدة عائلات من اللاجئين الفلسطينيين في لبنان.
أخيراً, أثمر الجهد
بعد الانتهاء من إجراء العمليات الجراحية, بدأ العمل في مركز تقويم الأعضاء مباشرة. كان على الطفل أن يُجهد في التدرب أربع ساعات خلال كامل أيام الأسبوع. وهو ما فعله مما أثار ارتياحاً كبيراً لدى مرشده. "محمد شخص سهل التعاون بطبعه. وهو قوي الإرادة وسريع التحسن. لقد كان قادراً في المرحلة الأخيرة على صعود الدرجات بمفرده", مضيفاً سنجر.
مع ذلك, فإن هذا الصبي يحتاج إلى متابعة دقيقة: مجموعة جديدة من الأعضاء الاصطناعية سنوياً ما دام جسمه في طور النمو, ومتابعة شهرية في المركز لرصد مستوى تكيفه مع الأطراف الاصطناعية.
وفي الحقيقة, لم تكن حالة محمد جديدة على هذا الأخصائي اللبناني. "في عيادتنا هنا, يعاني حوالي 80٪ من المرضى من إصابات نتيجة القصف الإسرائيلي, أو من جراء انفجار لغم أو قنبلة عنقودية."
ولم يكن سنجر البالغ من العمر 34 سنة يتوقع قط يوم فتح عيادته, وبعد أن تلقى تدريبه مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر في أوائل التسعينيات في أعقاب الحرب الأهلية اللبنانية حدوث هذا الأمر. لقد كان يتصور أنه سيقوم برعاية الأشخاص الذين بُترت أعضاؤهم من جراء حوادث الطرقات أو مرض السكري الحاد.
©ICRC/VII/Franco Pagetti/v-p-lb-e-01210
"محمد" في طريقه إلى مركز بسام سنجر لتركيب الأطراف وإعادة التأهيل في صيدا.
انفجارات جديدة تزيد من قدوم الضحايا
بدلا من ذلك, ما فتئت انفجارات العنف المتكررة في لبنان تجلب ضحايا جدد من ضحايا النزاع. وذكر سنجر أن "الكثير من المرضى يأتوننا من جنوب لبنان, وهم مثل محمد, وأحياناً ما تكون حالتهم أشد سوءاً" ويعد العاملون في الحقول الملوثة بالألغام - المزارعون والرعاة - أكثر ضحايا هذه الانفجارت.
ويشير سنجر إلى أن من المفارقات العجيبة أن انسحاب الجيش الاسرائيلي من جنوب لبنان في أيار/مايو 2000 كان حلقة أخرى من مسلسل هذه المأساة. حيث "كان الناس سعداء جداً, يهرولون ويقفزون, ولكن لسوء طالعهم أصابتهم قنابل عنقودية وألغام أرضية". وجاءه في ذلك اليوم حوالي 25 شخصاً لبتر أطرافهم.
وإذا كان من غير المقبول أن يكون الأطفال, خصوصاً, ضحايا للقنابل العنقودية - كما هو الشأن في أغلب الأحيان – فإن إعادة تأهيلهم يعد أمراً أكثر سهولةً. ومحمد, في رأي سنجر القائم على رعايته "بوسعه أن يستأنف حياته من جديد, ويمكنه حتى الذهاب في وقت لاحق إلى العمل كغيره من الأشخاص العاديين وذلك خلافاً لشخص أصيب في سن متقدمة, حيث أنه يجد صعوبة في التكيف مع حالته البدنية الجديدة".
أما في ما يتعلق بمحمد في الوقت الراهن فهو لا يزال ماكثاً في المنزل. ذلك أن المدرسة التي تديرها وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) - في مخيم اللاجئين الذي يقطن فيه لا تملك أي مرفق للأطفال المعوقين, ثم إن والديه فقيران جداً – والده لا يقدر على العمل وليس لأسرة محمد من مصدر رزق سوى ما تكتسبه والدته من مزاولة مهن التنظيف - وليس بوسعهما إتاحة مرفق خاص. مع ذلك لا يزال "محمد" معتصماً بحبل الأمل. "أهم شيء عندي هو أن أقدر على مزاولة تعليمي وأحصل على عمل" هذا ما أكده إلينا "محمد" في حماس يكاد يفيض من وجهه.