تمتد من بعيد صفوف من الخيام في وميض الحر الشديد. لا سحابة تحجب عين الشمس الساطعة. الأرض تحت الأقدام قاحلة ومغبرة, في ضواحي "سوابي", ولكن بالنسبة إلى السكان الذين اضطروا إلى ترك ديارهم في المقاطعة الحدودية الشمالية الغربية التي تمتاز بهدوئها وخضرتها, فإن المخيم يدل على الأمل.
وقال لنا حامد وزكية وإلياس "إننا لمّا رأينا شارتي الهلال والصليب, أدركنا بأن المساعدة في متناول اليد", "لقد رأينا في السابق هاتين العلامتين, ولكن لم تعن شيئاً كثيراً بالنسبة إلينا."
ويعني التشريد بالنسبة إلى بعض الفارين فقدان أطفالهم, الذين تشردوا أثناء هروبهم. وحلق إلياس عينيه في السحاب وهو يتذكر حالة الذعر التي أصابته.
وحدثنا إلياس مدافعاً عن نفسه قائلا: "في منتصف الطريق بين قريتي و"سوابي", وفي منتصف الليل, استيقظت زوجتي وهي تصرخ في الشاحنة. لا نستطيع العثور على إبنتنا. اختلط علينا الأمر وكان الليل حالكاً. سمعنا طلقات النار وكان الظلام دامساً. وضعت الجميع بسرعة في الشاحنة",. "عزام سائق الشاحنة توقف عن السير في أحد المواقف عندما استمع إلى كل هذا الصراخ. ورجع مهرولاً إلى الخلف, صائحاً وعيناه قد اتسعتا خوفاً "هل هي قنبلة؟". أجبناه "لا, بل هي طفلتنا البالغة من العمر خمس سنوات", تساءل السائق:''هل هي طفلة؟" "'هناك طفلة ينام على الأرضية أمام مقعد الراكب, هل هي ابنتكم؟ قفزت من الشاحنة وانطلقت مسرعاً إلى الأمام. بالتأكيد, إنها عزيزتي حُميرة".
ويضيف إلياس قائلاً: "إنَّ عزام الآن هو مثل أخي", "لقد أنقذ حياتنا, ولكن الحظ لم يحالفه, إذ لم يجد أي أثر يدله على طفله الذي لا يزال في سن المراهقة", ثم يتابع قائلاً والحزن بادٍ على عينيه "إنها إرادة الله. لو لم نعثر على حميرة في الشاحنة, لتم العثور عليها بطريقة أخرى. لقد رأيت أشخاصاً في منظمتكم يسألون الناس ويحاولون العثور على المفقودين. هذا عمل جيد. سأسأل عزام أن يأتي إلى هنا ليطلب مساعدتكم".
وهذا ما فعله عزام بالتحديد, وأجرى اتصالات مع فرق اللجنة الدولية في مخيمات المشردين في الداخل الذين يعملون من أجل جمع شمل الآلاف من الأسر التي تشرد أفرادها أثناء القتال وبعده. وهو ما يتوافق مع أحد أحكام القانون الدولي الإنساني الذي ينص على ضرورة جمع شمل الأسر المشتتة بسبب النزاع في أسرع وقت ممكن.
ولحسن الحظ, لا يعد المخيم مجرد مشهد للخسائر; لقد وُلد فيه أطفال أيضاً. وتقع "شرباغ" في "سوات" على بعد 300 كلم تقريباً من "سوابي". وقطعت زكية, وهي حامل في شهرها التاسع, كل هذا الطريق لتضع مولودها في مخيم الشاه منصور. وفي شيء من الفخر, أخذ الجد "سيد وحيد" حفيده ساحل, في حذر واحتراس. وشرحت لنا زكية أن "اسمه يعني شاطئ البحر". مناسبة سعيدة, ولكن غير مكتملة. وبقي زوج زكية إلى الخلف: "عليه أن يعتني بالمحاصيل", "وإلا فلن يكون لنا أي دخل. لم نسمع منه شيئا منذ ذلك الوقت. نأمل من الصليب الأحمر أن يساعدنا في أمرنا هذا".
وأوقفت جلبة الضحك الدموع التي كانت تتجمع في عيني زكية عندما سحبت شقيقتها إبنها البالغ من العمر ثلاث سنوات, حسن, وألقت به في حمام بعد دورة مرتجلة من المصارعة في الطين مع ابن عمه. ولا يزال توفير المياه النظيفة ومرافق الصرف الصحي من الأهداف الأساسية في مخيم الصليب الأحمر/الهلال الأحمر. وتعد جودة المياه والصرف الصحي من الأمور الضرورية لتفادي المرض. وأولت الفرق عناية بالغة بمياه الحنفيات, وكانت ناجحة وشعبية على حد سواء, كما يمكن لحسن الصغير أن يوافق على ذلك دون شك. وفي إحدى المرات تحت ماء الحنفية, رفض حسن أن يتحرك, أو يدع شخصاً آخر يتقاسم معه دفق المياه العذبة التي كانت تجتاحه. كان باقي سكان المخيم يضحكون لما كانت شقيقة زكية ترده عن ذلك بإغرائه. "تعال إلى هنا, سأعطيك شيئاً من الحلوى عندما تتناول غداءك", واستمرت قائلة "إن الجو حار جداً, وإنه لا يأكل شيئاً. كل ما يريد أن يفعله هو أن يلعب تحت الحنفية". وتحاول أم أخرى سحب طفلها بعيداً عن المياه الجارية, قائلة له في شيء من التهديد "تعال معي, وإلا سأهاتف أبيك وسيكون غاضباً جداً عندما يراك", ولكن وجهها كان يفضح عدم يقينها في ما إذا كانوا سيرونه مرة أخرى.
ويدوي صدى الخسارة بعمق في أنحاء المخيم, ولكن هناك شعور مواز بالقدرة على استعادة الحيوية. وتقول زكية: "أُرسل أبنائي الكبار إلى المدرسة المحلية", وتضيف ضاحكة "لا أريد لهم أن يصبحوا كسالى وأن ينسوا كل شيء". "أنتم تعرفون شأن الأطفال." وتمثل المدرسة أحد المشاريع التي أنشأتها لجان المخيم, وهي تتكون بكاملها من المشردين في الداخل. وهناك الكثير من اللجان التي تتناول قضايا من قبيل الصرف الصحي, وإدارة الأزمات, والغذاء, والتأديب.
وقالت لنا زكية: "إن الصليب الأحمر أقامت مطابخ للمجتمعات المحلية, وهو ما يسمح لنا بأن نطبخ لأنفسنا حالياً, وهذا أمر جيد للغاية", "لم تعجبني مطلقاً طريقتهم في إعداد الطعام. هم يعطوننا الآن الأغذية مباشرة, وسنطبخها بالطريقة التي تحبها عائلاتنا".
وتشير زكية إلى عضو اللجنة. "زوجها هو الذي قبض على اللص أول أمس. إنه ينتمي إلى لجنة التأديب. ومن المهم لنا جميعاً أن نشعر بالأمان في هذا المكان. أعتقد أننا نستعيد الإحساس بالانتماء المجتمعي."
وهؤلاء هم غرباء تحوَّلوا إلى جيران في المخيمات. قاسمهم المشترك هو فقدان منازلهم, وأحبائهم في بعض الحالات.
وقال حامد: "أصابت رصاصة والدي", "في البداية لم أفهم ما حدث. وقع على الأرض فقط. لقد توفي ولم أدر بذلك. أصبحت الآن رجل البيت , وينبغي لي أن أقوم برعاية والدتي وأخي وأخواتي."
سألناه: "كم لديك من الأخوة والأخوات, يا حامد ... وكم تبلغ من العمر ؟"
"عشرة"
"عشر سنوات أم عشرة إخوة وأخوات؟
"عمري عشر سنوات ولدي عشرة من الإخوة والأخوات"