بدأ مسلسل مأساة "تجير حسين" الذي يبلغ من العمر 30 سنة بعد وقوع انفجار في تجمع سياسي في شباط/فبراير 2008، أدى إلى إصابته بعدة جروح بعد مرور 10 أيام فقط على زواجه. وينحدر "تجير حسين" من "بارا شيمار" في "كورام أيجنسي"، وهي منطقة متاخمة للحدود الأفغانية شديدة التأثر بالعنف الطائفي.
"تجير" هو واحد من بين عدد لا يحصى من ضحايا العنف المسلح الذي ترزح باكستان تحت وطأته. وقد أدت سلسلة من الاشتباكات، منذ السنة الماضية، إلى إزهاق أرواح مئات الأشخاص. ونظرا إلى إغلاق الطرق الرئيسية منذ أشهر، تشكل حركة النقل تحديا جسيما بالنسبة لسكان المنطقة. لذلك استغرق الأمر عدة أيام قبل أن يصل "تجير" إلى مستشفى اللجنة الدولية في عاصمة المقاطعة، "بيشاور". وعندما تم استقباله في المستشفى في آذار/مارس، كان "تجير" مصابا بجروح خطيرة وفي حالة من الضعف ويعاني من صدمة نفسية.
ونظرا لانقضاء وقت طويل قبل تلقيه العلاج، أصيب "تجير" بسكتة قلبية تسببت له في تلف خلايا الدماغ ومن ثم في حالة غيبوبة. وفقد القدرة على الكلام وخفّ وزنه كثيرا، وكان يتغذى لمدة قرابة شهر عن طريق الأوردة لكي يبقى على قيد الحياة. كانت تلك الفترة أحلك لحظات حياته وكان يبدو أن كل حبال الرجاء قد انقطعت.
"تجير" شاب في مقتبل العمر، كان مفعما بالصحة على الرغم من ظروف معيشية صعبة في منطقة حدودية ليس من الهين فيها الحصول على المستلزمات الأساسية، ويُشهد لسكانها بقدرتهم على تحمل الصعاب وقوتهم البدنية. لكن لا حول لهم ولا قوة أمام هجوم بأسلحة مهلكة.
وبقي أخواه "طهير" و"جبير" بصحبته منذ يوم الحادث، يتعهدانه بالرعاية دون كلل بينما تستمر حالته الصحية في التدهور. وكانا يسهران على رعايته عندما أصيب بنوبة قلبية وهو في حالة غيبوبة.
ويقول الدكتور "ديغو كورنالديسي" من اللجنة الدولية الذي يشرف على علاج "تجير": "من الأهمية بمكان أن نكون صرحاء مع الأشخاص المرافقين للمريض بشأن صحته. كنت قد أخبرت أخوي "تجير" أنني سأبذل قصارى جهدي لإنقاذه على الرغم من أن احتمالات بقائه على قيد الحياة كانت ضئيلة جدا".
وبينما كان أخواه مستعدين لإعادته إلى البيت، ليس لتحسين فرص بقائه على قيد الحياة وإنما ليتسنى له الموت وهو محاط بأحبائه، حدثت المعجزة.
خرج "تجير" من غيبوبته، وبدأ يتعرف تدريجيا على أخويه وأطبائه الذين كانوا في منتهى السعادة. وقد كانت مفاجأة سارة للغاية أن نراه يستعيد عافيته. والحقيقة أن قيمة الحياة تسمو في نفوس الذين يتخلصون من رحى الموت.
وفي حين كان استرداده لعافيته حافزا كبيرا للطاقم الطبي الذي يعتني به، كان ذلك نعمة بالنسبة لأخويه. فالرعاية والاهتمام اللذان تلقاهما مكنا "تجير" من أن يستأنف بشكل تدريجي حياة عادية. وهو اليوم يستطيع تحريك ساقه غير المصابة وكلتا ذراعيه، ويجيب عندما يسمع مناداة اسمه وبدأ أيضا النطق ببعض الكلمات.
ويرى الدكتور أن استعادة "تجير" لعافيته حدث استثنائي. فهو رمز الأمل الذي ينبغي التسلّح به في حالات تبدو ميؤوسة.
يموت بعض المصابين بجروح بفعل السلاح لأنهم لا يصلون إلى المستشفى في الوقت المناسب. ومن الصعب تحديد عدد ضحايا الإصابات بالسلاح الذين لا يصلون إلى المرافق الصحية. واستطاع عدد قليل من الأشخاص المصابين بجروح بالسلاح الذين كانوا على شفى الموت مثل "تجير"، البقاء على قيد الحياة. ويتوقف بقاء الضحايا على قيد الحياة على وصولهم إلى المرافق الصحية. ونحن لدينا جميعا دور نضطلع به لضمان مثل هذا الوصول. فالحياة البشرية ثمينة وتستحق بذل جميع الجهود الممكنة للحفاظ عليها.