لا يؤدي السيد "أولاف سينسوات" وظيفة عادية من التاسعة إلى الخامسة مساء. وفي حين قد يزعم هذا الفلبيني البالغ من العمر 37 سنة بروح من الدعابة ملؤها الانتقاص الذاتي من قدره أنه مجرد حارس أمني مبجل, فهو لا يقلل من أهمية هذا العمل الفريد الذي يقوم به.
©ICRC / C. McGoldrick / LK-E-00313
السيد "أولاف سينسوات", وهو موظف في اللجنة الدولية يتولى أنشطة الحماية, يقف في الأرض الحرام عند نقطة عبور "أومانتاي".
يعمل السيد "أولاف أساسا, بصفته موظفا في اللجنة الدولية يتولى أنشطة حماية الضحايا, على المساعدة على ضمان مرور الأشخاص والبضائع بسهولة في نقطة العبور الوحيدة في سري لانكا التي تفصل الأراضي الخاضعة لسيطرة الحكومة وتلك التي تسيطر عليها حركة نمور تحرير إيلام تاميل.
ويصف السيد "أولاف", الجالس في كوخ في الأرض الحرام التي يبلغ طولها 600 متر والفاصلة بين الطرفين المتحاربين, يوم عمل عادٍ في "خطوط المواجهة", قائلا: "يمكن أن يعبر 700 شخص الخطوط يوميا, على الرغم من أن أكثر من نصفهم من التجار من الجانبين يلتقون في الأرض الحرام ويتبادلون سلعهم ويعودون أدراجهم. ويلقب الناس هذا النوع من التبادل "حركة التقبيل".
نقطة عبور "أومانتاي" بوابة حيوية بين الشمال والجنوب, تسمح بتنقل المدنيين في كلا الاتجاهين, وتسمح بالأساس بتوفير الأدوية وبضائع أخرى إلى السكان من المناطق التي تسيطر عليها حركة نمور تحرير إيلام تاميل في الشمال والتي تعرف باسم "فاني".
وتحت حرارة شمس الظهيرة الحارقة والسماء التي تهدد بتساقط الأمطار, يراقب السيد "أولاف" طوابير طويلة من التجار يمرون بالقرب من كوخه, ويرزح العديد منهم تحت ثقل أكياس الأرز ومنتجات أخرى. فهم يعودون باتجاه الجنوب بعد أن باعوا بعض الملابس والسلع البلاستيكية ومواد أخرى في الجانب المعاكس. وعند دخولهم الأرض الحرام أو يخرجون منها, يخضعون لتفتيش أمني دقيق من كلا الطرفين. بينما تنتظر مجموعة من التجار الآخرين بصبر وأنات تبادل سلعها.
ومن بين هؤلاء التجار, هناك السيدة "كمالا" البالغة من العمر 32 سنة, التي تعيش, شأنها شأن العديد من الأشخاص الآخرين الذين يقومون بهذا النوع من العمل, في مخيم للنازحين بالقرب من مدينة "فافونيا". وتقول: "لا أحب القيام بهذا العمل, لكن ليس أمامي خيارا آخر. فزوجي عاطل عن العمل ولدينا خمسة أطفال". ويضيف السيد "ندرجاه", وهو تاجر آخر, قائلا: "نملك الشجاعة اللازمة للقيام بهذا العمل بفضل وجود اللجنة الدولية الذي يمنحنا الإحساس بالحماية".
©ICRC / C. McGoldrick / LK-E-00320
تساعد اللجنة الدولية على ضمان مرور الأشخاص والبضائع بسهولة عبر "الخطوط الفاصلة". فمئات الأشخاص بما في ذلك العديد من التجار يعبرون هذا المكان يوميا.
وتمر في تلك اللحظة بالقرب منا سيارة إسعاف متجهة جنوبا, تحمل ستة مرضى إلى المستشفى في "فافونيا". ويقف ستة متطوعين من الصليب الأحمر السري لانكي تعمل معهم اللجنة الدولية بشكل وثيق, لتقديم الإسعافات الأولية عند الاقتضاء. ويراقب السيد "أولاف" ضباط الجيش السري لانكي يفتشون السيارة عند وصولها الخط العسكري. وعندما تتلقى السيارة الضوء الأخضر, تلتقي بسيارة أخرى آتية من الجنوب وهكذا ينقل المرضى من سيارة إلى أخرى.
ويشرح السيد "أولاف" مبتسماً:"يجب على السيارات وأحيانا الأشخاص الخضوع "لحركة التقبيل"". إلا أنه يسمح لسيارات الإسعاف في معظم الحالات, لاسيما الخطيرة منها, المرور بكل حرية عبر خطوط المواجهة, دون الاضطرار إلى نقل المرضى إلى سيارة أخرى.
ويضيف قائلا: "يمكن أن يؤدي العمل هنا لمدة ثماني ساعات في اليوم في هذه الأرض الحرام إلى الشعور بالوحدة أحيانا. إلا أنني أحاول أن أنظر إلى عملي من حيث ما يكتسيه العبور من أهمية بالنسبة للسكان هنا. فمعرفة أننا, من خلال نقطة العبور هذه, نساعد على تسهيل حصول المحتاجين على الرعاية الصحية المتخصصة, مثلا, يجعلنا نشعر بكثير من الرضا".
ويتمثل أحد الجوانب الرئيسية لعمل "أولاف" في نقل رفات المقاتلين الذين لقوا حتفهم في جبهة القتال. ويقول: "نقلنا الأسبوع الماضي أربع جثث, و20 جثة قبل ذلك بأسبوع. فهذا الأمر يمكن أن يحدث في أي وقت. قد يبدو هذا العمل مملا, لكنه مهم, فهو يساعد على الكشف عن مصير المقاتلين الذين قد يظلون لو لا ذلك في عداد المفقودين. كما أن تسلم الأسر رفات أحبائها مهم حيث يسمح لها بدفنهم ومرافقتهم إلى مثواهم الأخير".
وهناك أيضا الخطر الدائم المتمثل في الأحداث الأمنية. ويتذكر "أولاف" أن المعارك دارت بين الطرفين بالقرب من هنا في عدة مناسبات خلال عام 2007, حيث سقطت القذائف على بعد مسافة قريبة من نقطة العبور. ولجأ فريق اللجنة الدولية جراء ذلك إلى المخبأ, وأغلقت الخطوط لعدة أيام في بعض الأحيان.
ويقول: "داست مؤخرا بقرة كانت ترعى هنا على لغم أرضي أودى بحياتها. يفترض أن تكون هذه المنطقة مطهرة من الألغام لكننا لا يمكن أن نكون متأكدين".
ويقول "أولاف", الذي سيعود قريبا إلى بلده الفلبين, إنه سيعود وتختلج في صدره مشاعر مختلفة. ويضحك قائلا: "فوجئ أصدقائي في البلد بقبولي هذا العمل, فهو عمل غير عادٍ بكل تأكيد! ولكن إذا استطعت العودة وأنا أعتقد أنني تمكنت بطريقة متواضعة من الإسهام في تخفيف معاناة ولو عدد قليل من الأشخاص هنا, فإنني سأقول إن عملي يستحق كل العناء والجهود المبذولة. فهذا هو صلب عملنا".