تنحدر هويدة من قبيلة "تاما" وعاشت سنوات طويلة في مدينة "الجنينة" غرب دارفور. وتوفي والدها وهي صغيرة السن، فعاشت مع عمتها التي أعالتها واعتنت بها. لكن حياتها لم تخلُ من العناء والمشقة. ومع أنها كثيراً ما كانت تشتاق إلى اللعب مع الأطفال في الشارع، فالأعمال اليومية التي كانت تكلفها بها عمتها دون انقطاع حالت دون ذلك. إذْ كانت واجباً ملزماً والسبيل للعيش.
وفي أحد أيام سبتمبر/أيلول 2003، قررت هويدة زيارة والدتها في "زالنجي" التي تبعد عن مدينة "الجنينة" بمسافة طويلة. وما أن وصلت إلى "زالنجي" حتى اندلع قتال داخلي شرّد العائلات ودفع بها خارج المدينة بحثاً عن مواقع أكثر أمان. فاستحوذ الرعب على الطفلة وأربكها واحتارت في ما يمكن أن تفعل إذْ لم يأت أحد لاستقبالها. ومن حسن حظها أن شاهدت إحدى العائلات ملامح اليأس في عينيها فشدت يدها وأخذتها معها بحثاً عن ملجئ آمن بعيدا عن الأحداث الدامية التي أثارتها القوات المتناحرة.
بعد ذلك، تولى الشيخ الصادق، رجل مسن في مدينة "زالنجي" كفالتها والعناية بها كواحدة من بناته. في حين كانت عائلة هويدة تنتظر بلهفة مجيئها أو ورود أية أخبار عن أحوالها. وبعد مرور زمن، أيقنت العائلة بأن هويدة لقت حتفها في النزاع. فأقامت مراسيم جنازة ترحماً على روحها. وانتاب الحضور حزن عميق بفقدان البنت.
في غمرة الفرح
في نوفمبر/تشرين الثاني عام 2004، ذهب الشيخ الصادق إلى مكتب اللجنة الدولية في "زالنجي" آملاً في أن يجد عائلة هويدة. ووكالة اللجنة الدولية للبحث عن المفقودين مسؤولة عن تحديد أماكن وجود المفقودين المشردين نتيجة النزاعات الداخلية ولمّ شمل العائلات المشردة. وبفضل عمليات البحث التي شنّتها الوكالة في مارس/آذار عام 2006، تمكنت من تحديد مكان وجود عائلة هويدة في "الجنينة".
وبكت والدة هويدة فرحاً وغبطة لرؤيتها واندفعت قائلة: "إنّني لا أصدق أنكم عثرتم على هويدة. ظننت أنها فارقت الحياة. أريدها أن تعود، أريد أن أضمها بين أحضاني."
وفي 26 أبريل/نيسان 2007، بعد مرور سنة من التواصل عبر خدمة رسائل الصليب الأحمر والتمكن من تيسير لقائهما، رافق أحد موظفي اللجنة الدولية هويدة من مدينة "زالنجي" إلى مدينة "الجنينة" على متن طائرة تابعة للجنة الدولية لتجتمع أخيراً مع عائلتها.
وكانت لحظة اللقاء غير معقولة، مليئة بالانفعالات والدموع والسرور. وأما والدة هويدة فقد غمرها السرور بلقائها. وكان كل أفراد عائلتها وأقربائها والكثير من جيرانها يرتقبون وصولها بفارغ الصبر وغلبت عليهم نشوة الفرح حامدين الله على أن هويدة لم تمت.
وحضر رئيس البعثة الفرعية للجنة الدولية في "الجنينة"، السيد هشام مندودي، هذا اللقاء العائلي وقال: "إن هذا خير دليل على أن عملاً جيدا قد أُنجز وتكلل بنهاية سعيدة. ومن أسعد اللحظات أن تلتقي والدة إبنتها بعد فراق."
ووجدت هويدة مجلساً بين والدتها وعمتها وكانت عاجزة عن الكلام. أما عمتها فكانت تلف قطعة قماش على كتفيها بيد وتغطي فمها باليد الأخرى وهي تبكي. وقالت: "أبلغتنا اللجنة الدولية بأنها وجدت هويدة. ولم نصدق ذلك، وهي الآن معنا وسنبقى مجتمعين دائما."