صفحة الاستقبال
هذه الصفحة طبعت من موقع اللجنة الدولية للصليب الأحمر
URL: http://www.icrc.org/Web/ara/siteara0.nsf/html/5YNJFR
اللجنة الدولية للصليب الأحمر
31-10-1989  المجلة الدولية للصليب الأحمر  272 العدد  بقلم 
شارتا الصليب الأحمر والهلال الأحمر: ما هي المخاطر التي قد تتعرضان لها؟

يعمل إيف ساندو في اللجنة الدولية للصليب الأحمر مديراً لشعبة المبادئ والقانون والعلاقات مع الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر.


إن شارتي الصليب الأحمر والهلال الأحمر هما مصدر قوة وضعف الحركة، فهما مصدر قوتها لأنهما الرمزان المرئيان الموثوق بهما في إغاثة ضحايا الحروب وطوال الأعوام المائة والخمسة وعشرين الماضية مكنت الشارتان
الحركة من تقديم الحماية والمساعدة والتعاطف الإنساني إلى ملايين الجرحى والأسرى والعائلات والأطفال خلال أشرس أنواع النزاعات التي شهدها الجنس البشري في تاريخه. وهما مصدر قوة الحركة أيضاً لأنهما تعكسان صورة الرحمة والإنسانية في جميع أنحاء العالم.

إلا أن هاتين الشارتين هما أيضا مصدر ضعف الحركة حيث إنهما تزرعان بذور الفرقة بين أعضائها وبالتالي تحرمها من أن تكون عالمية بحق.
وظروف كهذه قد تغري الإنسان بأن يحاول إعادة صناعة التاريخ. و نتساءل لماذا لم يتمكن الآباء المؤسسون للصليب الأحمر بذكائهم اللماح من أن يتوقعوا أن الشارة التي اختاروها رمزا للحياد في كل المجالات، بما فيها الدينية ، يمكن أن ينظر إليها على أنها رمز مسيحي. ولماذا إذن تقرر تصحيح الأوضاع عن طريق قبول الهلال الأحمر، ثم من بعده الأسد والشمس الأحمرين ، ليتأكد بذلك أن للشارة إيحاءات ودلالات دينية ويفتح بالتالي الطريق أمام مزيد من الخلافات؟

وكان هذا القرار قد اتخذ عام 1929. وبعد مرور نصف قرن من الزمان عادت الحركة مرة أخرى للتفكير في المشكلة، إلا أنها قررت في عام 1981 الإبقاء على الوضع الراهن. وبسبب الاعتقاد الراسخ بأن انتشار الشارات سوف يؤدي بشكل ملموس إلى التقليل من قيمتها الحمائية، امتنعت الحركة عن التطرق إلى ما كانت تخشى أن يتحول إلى مصدر إزعاج جديد. إن ميزان الحكم على الشارات التي أصبحت الآن جزءاً من الوعي الإنساني في كل أنحاء العالم رجحت كفته جوانب قوتها أكثر من جوانب ضعفها الأخرى. إن ما نشعر به من ارتباط عميق نحو الصليب الأحمر والهلال الأحمر يحتل مكانة تسبق غيرها من الاعتبارات.
لذا لم تجرؤ الحركة على التخلي عن تقاليد نبيلة راسخة استمرت أكثر من مائة سنة، على الرغم من اعترافنا بأن الوضع الراهن ليس منطقياً تماماً ولا عادلاً أو منصفاً بشكل كامل.
وعلى كل، فان التفكير العميق في مسألة الشارة استمر داخل الحركة طوال وجودهـا لأن هذا التأمل جزء لا يتجزأ من شخصيتها.

وأود الآن أن أثير قضيتين أعتقد أنهما على جانب كبير من الأهمية أولاهما: إساءة استخدام الشارة والتي أصبحت مصدر قلق دائم للجمعيات الوطنية. إن إساءة استخدام الشارة، غير المتعمد غالباً، تحدث في جميع أنحاء العالم كنتيجة طبيعية لما تحظى به الشارة من تقدير كبير، إذ لا يرغب أحد حقاً في أن يستخدم شارة لا توحي بالاحترام. إلا أن إساءة الاستخدام سواء كان ذلك بغرض الحماية في أوقات النزاع أو لأهداف تجارية في وقت السلم قد تنجم عنها حالة من الفوضى وانعدام الثقة.

ومن هنا يأتي الاهتمام الذي يجب أن توليه الحركة لمنع إساءة الاستخدام على هذا النحو، خاصة وأن أول من سيدفعون الثمن في حالة عدم احترام الشارة هم الضحايا الذين تعمل الشارة أساسا من أجلهم. إن الدول التي تمنح لكل جمعية وطنية الحق في أن ترفع الشارة التي استحدثتها لحماية الجنود الجرحى على أرض المعركة تلقي بعبء كبير على تلك الجمعيات التي يجب أن تحرص على الثقة الممنوحة لها ولا تخونها. وعلى الرغم من أن القمع القانوني لإساءة الاستعمال هو مسؤولية الحكومات فما زال للجمعيات دور تعليمي رئيسي تقوم به لتوعية الجمهور بمغزى الشارة وذلك كجزء من برامج للتوعية بالقانون الدولي الإنساني ومبادئ الحركة.
ومهما كان الأمر فإن موقف الحركة يجب أن يأتي اليوم على قمة أولوياتها. فعن طريق السماح باستخدام الشارة يمكن جمع مبالغ معقولة من المال لصالح الضحايا الذين تسعى الحركة إلى مساعدتهم. فهل يحق لنا أن نتخلى عن مصدر الدخل هذا؟ ولكن هل يمكن للحركة أن تحصل علي هذه المبالغ دون انتهاك القوانين السارية المفعول وبدون تشويه الصورة التي تحرك بها الشارة الوجدان ودون إضعاف قيمتها الحمائية، وبالتالي الانعزال على المدى البعيد عن هؤلاء الضحايا الذين هم في حاجة إليها؟
وهذه كلها قضايا حساسة لا يمكن للحركة أن تتجاهلها بل عليها معالجتها دون أي إبطاء.

إن المشكلة الثانية التي أود أن أثيرها هي ضرورة الالتزام بالحياد التام للشارة بالنسبة لقضية الديانة، وعلى كل من المسيحيين والمسلمين العاملين في نطاق الحركة مسؤولية خاصة في هذا الشأن، إذ يتعين عليهم أن يبذلوا قصارى جهدهم لتجنب إثارة الحماس الديني تجاه الشارة، والامتناع عن ممارسة أي ضغوط على الحكومات و الجمعيات الوطنية بالنسبة لاختيار الصليب الأحمر أو الهلال الأحمر . فالخطر هنا يتهدد الدور الرئيسي لحركتنا في النزاعات المسلحة ومصداقيتها بالنسبة لكل من يعطي للشارة مغزاها الحقيقي بعيداً عن كل إيحاءات أو دلالات دينية وبخاصة عندما لا يكون مسلماً أو مسيحياً.

لقد احتوي هذا العدد من المجلة الدولية على سلسلة من المقالات التاريخية والنظريات العامة والمتخصصة وحتى بعض الآراء الشخصية وكلها تهدف في نهاية الأمر إلى فتح باب المناقشة حول هذا الموضوع الذي يطول الحديث عنه. وهل يمكن أن نقوم بتصنيف هذا على أنه ضعف أم قوة، أو أنه في الحقيقة يتضمن الاثنين معاً، وهو ما يميز شارتي الصليب الأحمر والهلال الأحمر.
ويجب ألا نتناسى أن الشارات ليست هدفا في حد ذاتها، فدورها هو تقديم الحماية لضحايا الحرب و الإسهام في زيادة فعالية ووحدة الحركة.

و يمكن فقط دعم مبدأ الوحدة والكفاءة عن طريق الحوار البناء المفتوح المتواصل . ومعا نستطيع أن نجد حلا لهذه المشكلة العزيزة على قلوب كل من يعمل لصالح الهدف النبيل لحركتنا.
و نأمل أن يكون هذا العدد من المجلة الدولية خطوة في هذا الاتجاه.


الانتقال إلى رأس الصفحة
حقوق الطبع محفوظة © 2009 اللجنة الدولية للصليب الأحمر31-10-1989
القسم موارد المعلومات > المجلة الدولية > ألف وتسعمائة و أربعة وتسعون و ما قبلها
 العودة إلى الصفحة السابقة  العودة إلى الصفحة السابقة