• ارسال
  • طبع

رسالة من الرئيس

31-12-2010 التقرير السنوي رقم 2010

رسالة السيد "جاكوب كيلينبرغر" رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر بمناسبة صدور التقرير السنوي لعام 2010.

شهد هذا العام استمرار نزاعات مسلحة طال أمدها ووقوع كوارث طبيعية عدة اتسمت بضخامة حجمها وأسفرت عن آثار كانت أشد تدميراً نتيجة لتدخل عوامل أخرى من قبيل النزاعات المسلحة أو أنواع العنف الأخرى، أو الفقر المدقع أو المشاكل البيئية. وكانت هايتي وباكستان أبرز الأمثلة على ذلك. فقد تضرر ملايين الأشخاص من الزلزال الذي ضرب هايتي في  كانون الثاني/يناير. ولم تؤد هذه الكارثة فقط إلى مقتل مئات الآلاف من الرجال والنساء والأطفال، وإلى تشريد أعداد أكبر منهم، بل أدت أيضاً إلى القضاء على أسباب عيش عدد لا يحصى من الناس في بلد حطمه الفقر وأنهكته الاضطرابات السياسية وأعمال العنف الداخلي والكوارث الطبيعية التي تعرض لها. وقد تعسر تعافي هذا البلد بعد تعرضه في وقت لاحق من هذا العام للمزيد من النكبات التي تسببت فيها الفيضانات ووباء الكوليرا. وبالنسبة إلى باكستان التي شهدت تشرد مئات الآلاف من السكان بسبب القتال الدائر فيها، فإن الفيضانات التي بدأت في تموز/يوليو في منطقة الشمال الغربي قد انتشرت لتعم ثلث مساحة البلاد تقريباً، ولتتسبب في وقوع خراب ومعاناة لا يمكن تقدير حجمهما.

وفي كلا هذين البلدين المتسمين بالاختلاف الشديد، واللذين تتطلب فيهما الاحتياجات الإنسانية وضع استجابة شاملة تتميز بالفعالية والاتساق وتخضع للاختبار الصارم، استندت اللجنة الدولية في عملها إلى التحليل الدقيق للوضع وإلى معرفة السبل الكفيلة بتلبية هذه الاحتياجات عن طريق استخدام قدراتها وخبراتها المحددة. وكان قد مضى على نشاط اللجنة الدولية في هايتي 16 عاماً قبل حدوث هذا الزلزال. وشاركت اللجنة الدولية فور وقوعه في عمليات الإغاثة الطارئة التي تقودها الحركة الدولية، وتوزيع المواد الغذائية والمواد اللازمة لإنشاء مراكز الإيواء، وغيرها من المواد الضرورية الأخرى، وقدمت الدعم للمرافق الطبية. وأولت في وقت لاحق أهمية خاصة لإعادة الروابط العائلية وزيارة المحتجزين بالنظر إلى ما تملكه من خبرة في هذين المجالين.

وقد سبق للجنة الدولية أن تكفلت في باكستان قبل حلول الكارثة بتلبية احتياجات حوالي 000 200 شخص نزحوا بسبب العنف المسلح. وتعاونت اللجنة الدولية مع الهلال الأحمر الباكستاني في مجال تقديم المواد الغذائية والمياه النقية والمساعدة الطبية إلى 1,4 مليون شخص يقيم معظمهم في المناطق التي اجتاحتها الفيضانات المدمرة وأعمال العنف على حد سواء.

وتعد العمليات التي نفذت في باكستان أضخم العمليات التي اضطلعت بها اللجنة الدولية في عام 2010، مع حدوث زيادة كبيرة في الميزانية المخصصة لمواجهة الفيضانات. وتليها العمليات التي نفذت في أفغانستان والعراق والصومال والسودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية وإسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة وكولومبيا ومالي/النيجر وقيرغيزستان. وقد دعت الحاجة إلى اعتماد ست زيادات في الميزانية خلال هذا العام، فأضيف إلى الميزانية الميدانية الأولية المقدرة بمبلغ 983.2  مليون فرنك سويسري مبلغ آخر بقيمة 160,3 مليون فرنك سويسري.

وقد تحفزت آلية اللجنة الدولية في مجال نشر فرق الاستجابة السريعة بفعل الاحتياجات الواسعة النطاق في هايتي وقيرغيزستان. ففي أعقاب الاشتباكات العرقية العنيفة التي اندلعت في جنوب قيرغيزستان في شهر حزيران/يونيو، وسعت اللجنة الدولية بشكل كبير نطاق عملياتها القائمة من أجل تلبية احتياجات الجرحى والمرضى، وعلى وجه التحديد احتياجات المستضعفين من أمثال النازحين والأشخاص الذين دمرت منازلهم. وعملت أيضاً على الوصول إلى جميع المحتجزين، ولا سيما الأشخاص الذين اعتقلوا بسبب أعمال العنف، ومساعدة أفراد الأسر في الكشف عن مصير أقاربهم المفقودين. وأثبت عام 2010 مرة أخرى أن القدرة على الوصول إلى المحتاجين والانتشار السريع هما من القدرات الهامة التي تمتلكها اللجنة الدولية.

وما فتئت الأنشطة الطبية والأنشطة في مجال الصحة تشكل سمة أساسية لعمليات اللجنة الدولية في عام 2010، حيث استفاد من خدماتها حوالي 5.2 مليون شخص في جميع أنحاء العالم. ومن الأمثلة الدالة على ذلك الأرقام القياسية التي بلغها عدد ضحايا الحرب الذين تلقوا العلاج في مستشفى مرويس الإقليمي الموجود في ولاية قندهار بأفغانستان والمدعوم من اللجنة الدولية، والأعداد الأكبر من المرضى المطلوب علاجهم من أنواع أخرى من الإصابات أو الأمراض التي تعرضوا لها كنتيجة مباشرة للنزاع الدائر في أفغانستان. وافتتحت اللجنة الدولية أيضاً في هذا البلد مركزاً سابعاً للأطراف الصناعية بمديرية هلمند. وفي الصومال، ازداد بشكل حاد عدد المرضى من جرحى الحرب الذين يتلقون العلاج في المستشفيات التي تدعمها اللجنة الدولية في مقديشو.

وقد أكد الدور البارز الذي تضطلع به اللجنة الدولية، ولا سيما في السياقات الصعبة المتعلقة بالنزاعات المسلحة، قيمة العمل الإنساني المستقل والمحايد وغير المتحيز. ومع ذلك فلا تزال المخاطر التي تنطوي عليها عملية النهوض بهذا الدور قائمة إلى الآن. وعلى الرغم من إطلاق سراح موظف اللجنة الدولية في آذار/مارس 2010، بعد اختطافه من طرف رجال مسلحين في غرب دارفور في تشرين الأول/أكتوبر 2009، فإن العمليات الإنسانية لا تزال تخضع في هذه المنطقة لقيود شديدة. وفي شهر نيسان/أبريل، اعتقلت إحدى الجماعات المسلحة في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية ثمانية موظفين تابعين للجنة الدولية. ولحسن الحظ فقد أخلي سبيلهم دون أن يصابوا بأذى بعد مضي أسبوع على احتجازهم.

وفي عام 2010، جرى تخصيص أكثر من نصف الميزانية الشاملة للجنة الدولية لصالح برامج المساعدة التي نُفّذت في معظمها في أفريقيا. ويرجع سبب اتخاذ هذا الإجراء، إلى حد ما، إلى اتساع نطاق عمليات الإغاثة الطارئة في شمالي مالي والنيجر، وهي العمليات التي استفاد منها حوالي 000 300 شخص من السكان الذين يعانون من الجفاف الذي ضرب مناطق لا تزال تعاني إلى حد بعيد من انعدام الأمن ومن مختلف أشكال العنف.

ووزعت اللجنة الدولية بشكل عام مواد غذائية على ما يزيد عن 4.9 ملايين شخص عبر العالم في عام 2010 بحيث شكل السكان النازحون والمقيمون معظم المستفيدين، ووزعت مستلزمات منزلية أساسية ومستلزمات النظافة على أكثر من 4.7 ملايين شخص، في حين استفاد 3.2 مليون شخص من برامج مستدامة لإنتاج الغذاء أو من مبادرات اقتصادية جزئية. وقدمت أنشطة اللجنة الدولية في مجال المياه والصرف الصحي والبناء مساعدات لحوالي 10 ملايين شخص.

وزارت اللجنة الدولية أيضاً 928 500 محتجزاً في عام 2010، وجرى رصد أوضاع 674 30 شخصاً منهم بصورة فردية في 1783 مركزاً من مراكز الاحتجاز. وكان الهدف من هذه الزيارات ضمان احترام حياة المحتجزين وكرامتهم، ومنع تعذيبهم أو إساءة معاملتهم أو إيذاءهم. وسعت اللجنة الدولية أيضاً إلى تأمين ظروف احتجاز لائقة، وتمكين المحتجزين من تبادل الأخبار مع عائلاتهم على النحو الذي يقتضيه القانون الدولي الإنساني.

وفي إطار العمل الرامي إلى ضمان أفضل حماية قانونية ممكنة لضحايا النزاعات المسلحة، فإن اللجنة الدولية قد مضت قدماً في إعداد دراستها المتعلقة بالحالة الراهنة للقانون الدولي الإنساني والتي مدتها سنتين. وقد قدمت في شهر أيلول/سبتمبر 2010 إلى البعثات الدائمة في جنيف بسويسرا النتائج الرئيسية التي خلصت إليها هذه الدراسة. ولئن كانت هذه الدراسة قد أكدت على أن القانون الدولي الإنساني لا يزال يشكل في مجمله إطاراً ملائماً لتنظيم سلوك الأطراف في النزاعات المسلحة، فإنها حددت أربعة مجالات ذات أولوية ينبغي تعزيز القانون الدولي الإنساني في إطارها من أجل توفير حماية أفضل للضحايا في سياقات النزاعات المسلحة غير الدولية على وجه التحديد وذلك بتوفير حماية للأشخاص المحرومين من حريتهم؛ وتنفيذ القانون الدولي الإنساني وتعويض ضحايا الانتهاكات؛ وحماية البيئة الطبيعية؛ وحماية النازحين داخل بلدانهم. وشرعت اللجنة الدولية لاحقاً في إجراء سلسلة من المشاورات مع دول مختارة بغية الحصول على تعليقات وردود قيّمة على المقترحات التي قدمتها. ومن المزمع أن تنتهي هذه المشاورات في آيار/مارس 2011. وسوف يقرر مجلس إدارة اللجنة الدولية بعدها الإجراءات المتعلقة بعقد المؤتمر الدولي الواحد والثلاثين للصليب الأحمر والهلال الأحمر في وقت لاحق من هذا العام.

وقد وردت أخبار إيجابية في مجال القانون الدولي الإنساني حيث تأكد دخول اتفاقية الذخائر العنقودية حيز النفاذ في شهر آب/أغسطس، ومن ثم فقد أصبحت هذه الاتفاقية ملزمة للدول الثلاثين المصدقة عليها. واضطلعت اللجنة الدولية بدور هام في هذه العملية التي أسفرت عن اعتماد هذه الاتفاقية. وفي ضوء التطورات السياسية الإيجابية التي شهدها المسرح العالمي من أجل الحد من الأسلحة النووية والقضاء عليها في نهاية المطاف، فقد بادرت كذلك إلى توجيه نداء عام إلى الدول في شهر نيسان/أبريل لضمان الامتناع المطلق عن استخدام هذه الأسلحة مرة أخرى.

وفي عام 2010، عينت مجالس إدارة اللجنة الدولية مديرين جدداً لمدة أربع سنوات. واعتمدت أيضاً للفترة 2011-2014 استراتيجية مؤسسية جديدة مدتها أربع سنوات. وفي واقع الأمر، فقد أدت العديد من أنشطة اللجنة الدولية إلى التنبؤ بشكل فعال وعلى النحو المبين أعلاه بالأهداف الرئيسية التي حددتها الاستراتيجية الجديدة، وهي على النحو التالي: تعزيز نطاق عمل اللجنة الدولية، بما يشمل حالات العنف الأخرى من غير النزاعات المسلحة، ولا سيما العنف المسلح المنظم، وفي حالات الانتعاش المبكر، وممارسة القيادة في ميادين رئيسية (ليس أقلها مجال توضيح القانون الدولي الإنساني وتطويره)، وإقامة شراكات استراتيجية على نحو أفضل.

وبالنسبة للنقطة الأخيرة، فإن الشراكات التي تقيمها اللجنة الدولية مع الجمعيات الوطنية تنطوي على أهمية بالغة. وقد أُقيمت بالفعل شراكات ميدانية قوية مع الجمعيات الوطنية في سياقات اتسمت في معظم الأحيان بصعوبتها، ومنها على سبيل المثال لا الحصر أفغانستان، وكولومبيا، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وإسرائيل، والأراضي الفلسطينية المحتلة، وباكستان، والفلبين، والصومال، واليمن. وتلتزم اللجنة الدولية بمواصلة تعزيز الشراكات وتنويعها داخل الحركة وخارجها، وستظل هذه الشراكات في جميع الأحوال إطار العمل المفضل. وبالطبع، فإن الهدف العام المنشود يكمن في السعي إلى زيادة سرعة الاستجابة الإنسانية وتحسين مستوى جودتها وأهميتها – مع جعل تلبية احتياجات السكان المتضررين محور الاهتمام.   

السيد "جاكوب كيلينبرغر"، رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر