• ارسال
  • طبع

الإسلام والقانون الدولي الإنساني : حول بعض مبادئ سير العمليات الحربية

15-06-2004 مقال، بقلم د. عامر الزمالي

إلى جانب مبدأي الإنسانية والضرورة العسكرية سنتعرض إلى قاعدتي التفرقة بين الأهداف العسكرية والأشخاص المدنيين والممتلكات أو الأعيان المدنية والتناسب في القيام بالأعمال الحربية. ومن خلال استعراض هذه المبادئ الأربعة, يمكن أن نلاحظ مدى العلاقة بين مضمونها ومدلولها في القانون الدولي الإنساني وأحكام الإسلام.

مقدمة

من المعلوم أن القانون الدولي الإنساني في شكله الحالي يقوم على جملة من المبادئ الهامة التي تتفرع بدورها إلى أحكام تفصيلية تهدف في مجموعها إلى تحديد الضمانات اللازمة للحد من آثار النزاعات المسلحة، والعمليات الحربية بالخصوص، على الأشخاص الذين لا يشاركون في القتال أو أصبحوا غير قادرين على المشاركة فيه. وتمتد تلك الضمانات أيضاً إلى الممتلكات التي لا تشكل أهدافاً عسكرية. وتفرض أحكام القانون الدولي الإنساني على الأطراف المتحاربة احترام الضمانات الواردة في مواثيقه. وتقيد أو تحظر استخدام وسائل وأساليب معينة في القتال. والقانون الدولي الإنساني وإن كان لا يمنع الحرب، فإنه يسعى إلى الحد من آثارها حرصاً على مقتضيات الإنسانية التي لا يمكن أن تتجاهل الضرورات الحربية. وإلى جانب مبدأي " الإنسانية " و " الضرورة العسكرية " سنتعرض إلى قاعدتي " التفرقة " بين الأهداف العسكرية والأشخاص المدنيين والممتلكات أو الأعيان المدنية و " التناسب " في القيام بالأعمال الحربية. ومن خلال استعراض هذه المبادئ الأربعة، يمكن أن نلاحظ مدى العلاقة بين مضمونها ومدلولها في القانون الدولي الإنساني وأحكام الإسلام. والحديث في إطار هذه المقارنة الموجزة ليس ذا طابع نظري فحسب بل يعتمد على عناصر تطبيقية إذ لا قيمة للأحكام المجردة ما لم تؤد وظيفتها في الواقع.

1- مبدأ الإنسانية

لا يمكن الحديث عن قانون " إنساني " دون الرجوع إلى الأصل، أي " الإنسانية " . والحرب، وهي ح الة واقعية من صنع البشر، لا يمكن أن تلغي الإنسانية، وهو ما تؤكده بوضوح الأحكام الدولية، عرفية أو مكتوبة، إذ تقضي بوجوب " معاملة الضحايا بإنسانية " أي احترام شرفهم ودمهم ومالهم. والأساس في الإسلام هو تكريم الإنسان كما جاء في التنزيل العزيز : " ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا " (الإسراء : 70). والفعل " كرم " يقودنا إلى لفظ " الكرامة " وهذه العبارة مدار القواعد الأساسية الرامية إلى صيانة الذات البشرية حتى في أشد الظروف قسوة وهي الحروب. وحفاظاً على مقتضيات الإنسانية يجب ألا تستهدف العمليات الحربية من لا يشاركون في القتال ولا أولئك الذين أصبحوا خارج حلبة القتال. والقاعدة الإسلامية التي تؤيد هذا المبدأ تستند إلى الآية الكريمة " وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين " (البقرة : 190). أي أن القتال ينحصر في فئة المقاتلين وأن النهي عن الاعتداء يقتضي التوقف عند حدود معينة.

ونعلم أن مواثيق القانون الدولي الإنساني وضعت لكل فئة من الفئات المشمولة بالحماية نظاماً قانونياً محدداً، لكن منطلقات كل تلك المواثيق وأهدافها واحدة، وهي تقوم على مبدأ المعاملة الإنسانية. وعلى امتداد التاريخ الإسلامي نجد الجيوش الإسلامية تضم في صفوفها المسعفين والأئمة والقضاة وتحرص على تمكينهم من أداء وظائفهم. ومنذ معارك الإسلام الأولى كانت النساء يقمن بإسعاف المرضى والجرحى، وأرسى الرسول صلى الله عليه وسلم قواعد حظر التمثيل بالجثث والإجهاز على الجرحى والانتقام من الأسرى وطالبي الأمان. وعلى سبيل المثال نذكر أن إطعام الأسير مذكور بوضوح في القرآن الكريم : " ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيرا " (الإنسان : 8). وفي الحديث الشريف : " استوصوا بالأسارى خيراً " . والعبارة على قصرها بليغة شاملة، فالخير يشمل الجوانب المادية والمعنوية للحياة في الأسر.

2-مبدأ التفرقة بين المقاتلين وغير المقاتلين

من أحدث معاهدات القانون الإنساني نذكر البروتوكول الأول الإضافي إلى اتفاقيات جنيف لسنة 1949 والصادر عام 1977، وقد نصت مادته 48 على هذه القاعدة : " تعمل أطراف النزاع على التمييز بين السكان المدنيين والمقاتلي ن وبين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية ومن ثم توجه عملياتها ضد الأهداف العسكرية دون غيرها " . وهذه القاعدة العرفية هي أساس قوانين الحرب وأعرافها، وفي صياغتها بوضوح وإدراجها في معاهدة دولية تأكيد لأهميتها أياً كانت ظروف النزاعات المسلحة ونلاحظ أن فئة " غير المقاتلين " هي أشمل من المدنيين. والقوات المسلحة نفسها تتكون من مقاتلين وغير مقاتلين كأفراد الخدمات الطبية والشؤون الدينية.

وتقتضي قاعدة التمييز بين المقاتلين وغير المقاتلين، من جهة، والأهداف العسكرية والأعيان المدنية من جهة أخرى عدم استهداف المدنيين بالعمليات الحربية ومن أصبح غير قادر على القتال أي الجرحى والمرضى والغرقى وأسرى الحرب وأي شخص هابط بمظلة بعد أن أصيبت طائرته. كما لا يستهدف بالعمليات الحربية أفراد الخدمات الطبية والدينية سواء كانوا مدنيين أم عسكريين وأفراد الدفاع المدني وأفراد منظمات الإغاثة الدوليون والمحليون المرخص لهم. وفي ما يخص الأعيان، يوجب القانون الدولي الإنساني على الأطراف المتحاربة الامتناع عن استهداف كل ما لا يشكل هدفاً عسكرياً، وخص بالذكر السدود والمحطات النووية لتوليد الطاقة الكهربائية، والممتلكات الضرورية لبقاء السكان على قيد الحياة والمناطق الآمنة والمحيدة ومنزوعة السلاح والمحلات غير المحمية عسكرياً والأعيان الثقافية. والحماية التي يكفلها القانون الإنساني للأشخاص والممتلكات تظل قائمة ما لم يشارك الشخص المحمي في العمليات الحربية وما لم تستخدم الممتلكات المحمية لأغراض حربية.

وتضمن القانون الإنساني حظر الأعمال الانتقامية ضد الأشخاص المحميين وحظر الأعمال نفسها في مواضع معينة ضد فئات من الممتلكات أو الأعيان، ويعطي القانون الإنساني الأولوية لقرينة الصفة المدنية للأشخاص والممتلكات إذا ثار الشك حولها. ويمنع القانون الإنساني القيام بالهجمات العشوائية ويلزم أطراف النزاع باتخاذ الاحتياطات اللازمة للتثبت من طبيعة الهدف المقصودة مهاجمته.

إن هذه التفرقة الجوهرية التي أشرنا إليها تعد من القواعد الراسخة في الشريعة الإسلامية التي لا تقر الحرب الشاملة، وتحصر القتال في دائرة محددة زماناً ومكاناً وأهدافاً. واستناداً إلى الآيات القرآنية ذات الأحكام العامة والآيات الخاصة بحالات معينة والأحاديث النبوية ووصايا الخلفاء وقادة الجيوش الإسلامية صاغ الفقهاء قواع د حددوا بموجبها المقاتلين وغير المقاتلين. ونلاحظ من خلال الأحاديث الشريفة أن النبي –صلى الله عليه وسلم- نهى عن قتل فئات معينة كالنساء والصبيان والأجراء والشيخ الفاني وأصحاب الصوامع. وفي خطبته إلى الجيش في السنة العاشرة للهجرة (632 م) وضع الخليفة الأول أبو بكر الصديق أسس أحكام القتال على هذا النحو :

" أيها الناس قفوا أوصكم بعشر فاحفظوها عني : لا تخونوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا طفلاً صغيراً ولا شيخاً كبيراً ولا امرأة ولا تعقروا نخلاً ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيراً إلا لمأكله، وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له، وسوف تقدمون على قوم يأتونكم بآنية فيها ألوان الطعام فإذا أكلتم منها فاذكروا اسم الله عليه " .

ورغم اختلاف الفقهاء حول شروط حصانة غير المقاتلين وحدود دائرة هؤلاء، توسيعاً أو تضييقاً، فإن مبدأ التفرقة الذي يشمل الأشخاص والممتلكات كان دائماً موضع إجماع. وإذا كانت الحروب داخل بلاد الإسلام أو بينها وبين الدول الأخرى قد سجلت وقائع غابت فيها التفرقة بين المقاتلين وغير المقاتلين وساد فيها السلب والنهب والتدمير والخراب فإن ذلك ليس قاعدة سلوك للجيوش الإسلامية. والأهم من ذلك كله أن المصدرين الأساسيين للتشريع في الإسلام، القرآن والسنة، لا يؤيدان حروب الإبادة وتدمير الممتلكات لمجرد التدمير والإتلاف. والمرجع في ذلك هو حظر الإفساد والفساد في الأرض بشكل عام، فإذا تحقق الهدف العسكري وتم التمكن من الخصم فلا داعي لشن عمليات لا طائل من ورائها.

3-مبدأ التناسب

أقر إعلان سان بيترسبورغ (1868) بشأن حظر استعمال بعض القذائف في وقت الحرب قاعدة مفادها أن " الهدف المشروع الوحيد الذي يجب أن تسعى إليه الدول أثناء الحرب هو إضعاف قوات العدو العسكرية " . وتبعاً لذلك، فإن " إقصاء أكبر عدد ممكن من القوات يكفي لتحقيق هذا الغرض " . وقد يتم تجاوزه إذا استخدمت " أسلحة تزيد بدون مبرر من آلام الأشخاص الذين أصبحوا عاجزين عن القتال أو تجعل موتهم محتوماً " . وفي هذا الاستخدام مخالفة " للقوانين الإنسانية " كما ورد في الإعلان المذكور، ولذلك عدت لائحة " لاهاي " (الملحقة باتفاقية لاهاي الرابعة لسنة 1907 المتعلقة بقوان ين الحرب البرية وأعرافها) من المحظورات " استخدام الأسلحة والقذائف والمواد التي من شأنها إحداث آلام مفرطة " . وذهب بروتوكول جنيف الأول لسنة 1977 أبعد من ذلك إذ ألزم الأطراف المتعاقدة، وليس المتحاربة فقط، بالتأكد مما إذا كان السلاح الجديد الذي تعنى بدراسته أو تطويره أو اقتنائه محظوراً في جميع الأحوال أو في بعضها بمقتضى البروتوكول أو أي قاعدة أخرى من قواعد القانون الدولي التي التزمت بها الأطراف المتعاقدة. والتزام التأكد أو التثبت يشمل أي أداة حرب جديدة أو أي أسلوب جديد من أساليب الحرب.

وعد البروتوكول من قبيل الهجمات العشوائية الهجوم الذي يمكن أن يتوقع منه أن يسبب خسارة في أرواح المدنيين أو إصابتهم أو أضراراً بالأعيان المدنية أو أن تجتمع الخسائر والأضرار وتكون مفرطة بالنسبة إلى المنفعة العسكرية الملموسة والمباشرة المتوقعة. وكما ذكرنا آنفاً، لا تكون المنشآت التي تحتوي على قوى خطرة عرضة للهجوم إلا إذا استخدمت لدعم العمليات الحربية بشكل مباشر ومنتظم وهام وكانت مهاجمتها هي السبيل الوحيد لإنهاء ذلك الدعم. ومن الاحتياطات التي يجب على المتحاربين اتخاذها تفادياً للإضرار بالسكان والأشخاص المدنيين والأعيان المدنية الامتناع عن القيام بهجوم يمكن أن يتوقع منه أن يسبب عرضياً خسائر بشرية في صفوف المدنيين أو أضراراً بالأعيان المدنية أو أن تجتمع الخسائر والأضرار وتكون مفرطة بما لا يتناسب والمنفعة العسكرية الملموسة والمباشرة المتوقعة. ويجب إلغاء أو إيقاف أي هجوم يتضح أن هدفه غير عسكري أو أن الهدف يتمتع بحماية خاصة أو يتوقع من الهجوم أن يسبب عرضياً خسائر بشرية في صفوف المدنيين أو يلحق أضراراً بالأعيان المدنية أو أن تجتمع الخسائر والأضرار وتكون مفرطة بما لا يتناسب والمنفعة العسكرية الملموسة والمباشرة المتوقعة. والهجوم العشوائي المفرط المشار إليه أعلاه يعد جريمة حرب، وكذلك الشأن بالنسبة إلى الهجوم ضد المنشآت التي تحتوي على قوى خطرة، على المعنى الوارد في البروتوكول الأول.

واهتم القانون الدولي الإنساني بوسائل القتال. وبموجب إحدى مواد البروتوكول الأول " يحظر استخدام الأسلحة والقذائف والمواد وأساليب الحرب التي من شأنها إحداث آلام مفرطة " ، ومثل هذه الوسائل تتجاوز ما تقتضيه المصلحة العسكرية لمن يستعملها. وإذا نظرنا إلى مسألة استخدام الأسلحة فسنلاحظ أن القانون الدولي حرم أسلحة محددة منذ إعلان سان بيترسبورغ حتى اليوم وقيد استعمال أسلحة أخرى، ولم يتوصل بعد إلى تقنين يتعلق باستخدام بعض الأسلحة مثل الأسلحة النووية، والحظر أو التقييد إنما يهدفان إلى الحد من آثار وسائل القتال وإلى الحيلولة دون تجاوز الضرورات العسكرية.

وبقدر ما حرص الإسلام على وجوب إعداد القوة العسكرية لمواجهة أعدائه، بقدر ما أنكر البغي والعدوان، وإذا كانت الآية " وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة " (الأنفال : 60) عامة وتشمل القوة البشرية والمادية والمعنوية، فإن توفر القوة مع ما يتضمنه من عناصر الردع، لا يعني استخدامها دون ضوابط.

واستناداً إلى سلوك الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين أثناء المعارك لم ينكر الفقه الإسلامي الأضرار العرضية في الحروب التي تصيب غير المقاتلين والأموال ذات الطابع المدني، وناقش الفقهاء طويلاً المواضيع المتعلقة بالأسلحة واستخدامها لكنهم لم يبيحوا الإفساد في الأرض تحت ستار الحرب. والمتأمل في وصية أبي بكر مثلاً يرى أنها بدأت بالنهي عن الغدر والخيانة والتهافت على الغنيمة. وإلى جانب حرمة أشخاص معينين اهتم أول خليفة للمسلمين بالنبات والحيوان. وفي هذا أساس لحماية البيئة أثناء الحرب، وهو ما دونه القانون الإنساني في مرحلة متأخرة عند إبرام البروتوكول الأول عام 1977. ورغم تمسكهم الشديد بمصالح المسلمين العليا لم يبح الفقهاء للجيوش الإسلامية خوض المعارك دون قيود أو تجاوز حدود ما يفرضه القتال.

ولا يمكننا طبعاً أن نقارن بين الأسلحة التي كانت معروفة في عهد قدماء الفقهاء وأسلحة اليوم، لكننا نعرف أن استخدام وسائل القتال وأساليبه يخضع لشروط كانت وما تزال مدار نقاش بين مختلف المدارس الفقهية الإسلامية.

4-الضرورة الحربية

تحتل الضرورة الحربية موقعاً بارزاً في مواثيق القانون الدولي الإنساني، وفي ديباجة إعلان " سان بيترسبورغ " المذكور تطالعنا الإشارة إلى " ضرورات الحرب التي يجب أن تتوقف أمام مقتضيات الإنسانية " ، بينما تؤكد الفقرة الثانية من ديباجة اتفاقية لاهاي الرابعة لسنة 1907 (قوانين الحرب البرية وأعرافها) " مصالح الإنسانية " وتشير الفقرة الخامسة من الديباجة نفسها إلى " الحد من آلام الحرب حسب ما تسمح به الضرورات ا لعسكرية " . أما اللائحة الملحقة بهذه الاتفاقية فإنها تنص على محظورات منها " تدمير ممتلكات العدو أو الاستيلاء عليها إلا إذا اقتضت ضرورات الحرب ذلك حتماً " . ونجد في اتفاقيات جنيف وبروتوكولها الإضافي الأول بالخصوص مواد محددة ورد فيها ذكر " الضرورات الحربية " أو ما يرادفها مثل عبارة " المقتضيات العسكرية الحتمية " أو " الضرورات العسكرية الحتمية " . وفي مادة واحدة فقط من مواد البروتوكول الإضافي الثاني (حماية ضحايا النزاعات المسلحة غير الدولية) وهي المادة 17، ذكرت " الأسباب العسكرية الملحة " التي يمكن أن تبرر استثنائياً نقل السكان المدنيين أثناء نزاع مسلح داخلي. وطبقاً لأحكام القانون الدولي الإنساني، يعد جريمة من جرائم الحرب تدمير الممتلكات والاستيلاء عليها على نطاق واسع وبصورة غير مشروعة واعتباطية ما لم تبرر الضرورات العسكرية ذلك.

وفي الفقه الإسلامي أن " الضرورات تبيح المحظورات " وهذه من القواعد العامة المتبعة في ظروف السلم والحرب. ومن الأمثلة التي دار حولها نقاش الفقهاء تترس العدو ببعض أفراده من غير المقاتلين كالنساء والأطفال أو اتخاذه بعض المسلمين درعاً بشرياً يحتمي به. وإعمالاً لقاعدة الضرورة أجاز الفقهاء قتال العدو المتترس، وإن كانت الدروع البشرية غير مقصودة بعمليات القتال أصلاً. ومن القواعد الفقهية التي يمكن الرجوع إليها عند الحديث عن حالات الضرورة قاعدة " درء المفاسد مقدم على جلب المصالح " . فإذا كانت أضرار المصلحة العسكرية العاجلة أكثر من نفعها، أصبح من غير الجائز الاعتداد بها. والضرورة تقدر بقدرها، فإذا لم تكن ضرورة تدعو إلى مهاجمة العدو، يتوقف المسلمون عن المهاجمة. وفي حالة التترس مثلاً، إذا تحقق غرض السيطرة على المقاتلين، فلا حاجة إلى مهاجمة من اتخذهم هؤلاء دروعاً بشرية.

ولم يقتصر اهتمام الفقهاء على " الأشخاص " عند مناقشتهم المسائل المتصلة بالضرورات الحربية، بل تناولوا وسائل القتال وأساليبه. ومع مراعاة المصلحة العسكرية العليا، اختلف الفقهاء كثيراً حول استخدام النار والماء ضد العدو أو البيات (الإغارة ليلاً) على سبيل المثال. ولا يفوتنا أن نشير إلى مبدأ المعاملة بالمثل، وقد اتفق الفقهاء على إتباع هذا المبدأ زمن الحرب في العلاقة مع الأعداء، استناداً إلى آيات وأحاديث صريحة. إلا أن المعاملة ب المثل تقف عند حدود لا يمكن تجاوزها، خصوصاً إذا كان الأمر يتعلق بما يحرمه الإسلام تحريماً مطلقاً. وحتى في الحالات التي تقتضي معاقبة العدو بمثل ما عاقب به المسلمين، نجد أن القرآن الكريم يدعو هؤلاء إلى الحكمة والتريث : " وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به، ولئن صبرتم لهو خير للصابرين " (النحل: 126).

* الآراء الواردة في هذا المقال لا تلزم إلا صاحبها

سيرة المؤلف

مستشار شؤون الشرق الأوسط والمغرب العربي / اللجنة الدولية للصليب الأحمر / القاهرة


أقسام ذات صلة

صفحات ذات صلة