• ارسال
  • طبع

القانون الدولي الإنساني وحماية الإعلاميين الذين يغطون النزاعات المسلحة

01-12-2007 مقال، بقلم كنوت دورمان

يستعرض هذا المقال أحكام القانون الدولي الإنساني التي توفر الحماية للإعلاميين وتسهل قيامهم بواجباتهم المهنية, وذلك لتوضيح أن الأضرار التي تقع على الصحفيين وأطقمهم يمكن الحد منها كثيرا إذا احترمت هذه الأحكام وطبقت على نحو أكثر شدة.

يتعرض الصحفيون وأفراد أطقمهم الذين يجازفون بتغطية النزاعات المسلحة لمخاطر كبيرة نتيجة للعمليات الحربية; فربما وقعوا ضحايا للعمليات العدائية الجارية على أرض المعارك كالغارات الجوية أو إطلاق النيران المباشرة من الأعداء أو الرصاصات الطائشة أو انفجار الألغام.

وربما يقع الصحفيون والفرق المصاحبة لهم, من ناحية أخرى, ضحايا لأعمال العنف العشوائية كالقتل والتوقيف والتعذيب والاختفاء التي يقوم بها أفراد من قوات الأمن أو القوات المسلحة أو أطراف مسلحة غير تابعة للدولة في البلد الذي يعملون فيه.

وانطلاقا من هذه الخلفية, يستعرض هذا المقال أحكام القانون الدولي الإنساني التي توفر الحماية للإعلاميين وتسهل ممارستهم لمهنتهم, لتوضيح أن الأذى الواقع على الصحفيين وأطقمهم يمكن الحد منه كثيرا إذا احترمت هذه الأحكام ونفذت على نحو أكثر شدة.

  حماية الصحفيين بموجب القوانين القائمة  

ينصب نطاق عمل القانون الدولي الإنساني على تجنيب الأشخاص غير المشاركين - أو الذين كفوا عن المشاركة - في الأعمال العدائية المباشرة, الأذى الذي لا داعي له نتيجة للنزاع المسلح. ومن ثم, لا تتعرض مواثيقه إلى مجالات كحرية الصحفيين في العمل أو التعبير. وهذه المواثيق لا تمنح الحق في دخول أراض دون موافقة السلطة الحاكمة لها, وتضع قواعد أساسية للحماية القانونية المكفولة للصحفيين متى وجدوا أنفسهم في إطار نزاع مسلح.

ورد ذكر الصحفيين في معاهدات القانون الدولي الإنساني بطريقتين مختلفتين, الأولى: في اتفاقية جنيف الثالثة المتعلقة بمعاملة أسرى الحرب التي تغطي مراسلي الحرب. والثانية: في البروتوكول الإضافي الأول إلى اتفاقيات جنيف الصادر عام 1977, الذي يتناول بشكل محدد مسألة الصحفيين الذين يقومون بمهام مهنية خطيرة في مناطق النزاع المسلح. وكلتا المعاهدتين تسري على النزاعات المسلحة ا لدولية.

مراسلو الحرب هم ممثلو وسائل الإعلام المعتمدون الذين يصاحبون القوات المسلحة في حالات النزاع المسلح, دون أن يكونوا أفرادا فيها. وهذا هو وضع الجزء الأعظم من الصحفيين المرافقين الذين غالبا ما يتم " إدراجهم " داخل وحدات عسكرية بعد موافقتهم على عدد من القواعد الميدانية التي تلزمهم بالبقاء مع الوحدة التي التحقوا بها والتي تكفل حمايتهم. لذلك تجري مساواتهم بمراسلي الحرب بالمعنى المذكور في اتفاقية جنيف الثالثة. فيحق لهؤلاء الصحفيين, رغم كونهم مدنيين, التمتع بوضع ومعاملة أسرى الحرب في حالة القبض عليهم. وفي هذه الحالة, تكون بطاقة الهوية المنصوص عليها في اتفاقية جنيف الثالثة هي الدليل على هذا الحق, ويمكن للعدو طلبها قبل تقرير وضع المقبوض عليه, إذ تلعب بطاقة مراسلي الحرب دورا مماثلا للدور الذي يلعبه الزي الرسمي للجنود, بمعنى أنها تخلق افتراضا ما. أما عند الشك في حالة شخص يطالب بوضع أسير الحرب, فيبقى هذا الشخص تحت الحماية التي تكفلها اتفاقية عام 1949 لحين البت في وضعه بواسطة محكمة مختصة, وفقا للإجراء المنصوص عليه في الفقرة الثانية من المادة الخامسة من الاتفاقية الثالثة. وهكذا, تنطبق على هذا الفريق من الصحفيين كل الحماية المكفولة في اتفاقية جنيف الثالثة ويكملها كل من البروتوكول الإضافي الأول والقانون الدولي العرفي.

أما الصحفيون الآخرون الذين يغطون النزاعات المسلحة فيتمتعون بما يتمتع به المدنيون من حقوق ويلتزمون بما يلتزم به المدنيون من قواعد للسلوك. فإذا أحللنا تعبير " الصحفيون وأفراد أطقمهم " محل كلمة " المدنيون " في أحكام القانون الدولي الإنساني الأخرى, لاتضحت لنا أكثر فكرة الحماية التي يمنحها القانون. ولا يختلف الوضع القانوني لمراسلي الحرب عن غيرهم من الصحفيين إلا إذا وقعوا في أيدي طرف من أطراف النزاع.

وعلى خلاف القواعد السابقة المنطبقة في النزاعات المسلحة الدولية, لم يرد ذكر الصحفيين على وجه الخصوص في أي من المعاهدات المنطبقة على النزاعات المسلحة غير الدولية. غير أن الصحفيين في مثل هذه الأحوال يعدون مدنيين أو أشخاصا لا يشاركون مباشرة – أو كفوا عن المشاركة - في العمليات العدائية. وتسري عليهم وعلى أطقمهم كل الحماية المنطبقة على هؤلاء المدنيين.

  الصحفيون الذين يواجهون خطر العمليات الحربية  

في النزاعات المسلحة الدولية

الصحفي المكلف بمهمة خطيرة في منطقة من مناطق النزاع هو شخص مدني يتمتع بجميع الحقوق المكفولة للمدنيين بوصفهم هكذا. ويرسخ البروتوكول الأول في مادته رقم 79 هذه القاعدة في النزاعات المسلحة الدولية. وبذلك, لا يفقد الصحفيون وضعهم كمدنيين بدخولهم منطقة نزاع مسلح في مهمة صحفية, حتى لو كانوا مصاحبين للقوات المسلحة أو يتمتعون بدعم لوجستي عسكري.

فالصحفيون محميون مثلهم في ذلك مثل غيرهم من المدنيين, بغض النظر عن جنسياتهم, بشرط ألا يقوموا بأي عمل من شأنه المخاطرة بوضعهم كمدنيين.

ولا يجب بأي حال من الأحوال أن يصبح الصحفيون وأطقمهم, بوصفهم مدنيين, هدفا لهجوم مباشر. وعلى الأطراف في النزاع المسلح واجب اتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة لضمان أن توجه الهجمات إلى الأهداف العسكرية فحسب. وعلاوة على ذلك, إذا أدى هجوم متعمد إلى قتل أو إصابة صحفي, ربما شكل ذلك جريمة حرب. (البروتوكول الإضافي الأول والمادة 8 (2) (ب) (9) من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية).

ويتمتع مراسلو الحرب المعتمدون من السلطات العسكرية بالحماية نفسها التي يتمتع بها الصحفيون غير المعتمدين, كما هو مذكور في اتفاقية جنيف الثالثة, أي أنهم يحتفظون بوضعهم المدني رغم التفويض الخاص الذي يتلقونه من المصادر العسكرية. كما يجب أيضا احترام الصحفيين سواء أكانت لديهم بطاقات هوية للصحفيين المنخرطين في مهام خطيرة أم لا. فالبطاقة شهادة بوضعهم كصحفيين, ولكنها لا تخلق وضعا مدنيا.

ورغم أن الصحفيين وأطقمهم لا يفقدون حقهم في الحماية بوصفهم مدنيين, إلا أنهم (مثل أي شخص آخر غير مقاتل) يتحملون على عاتقهم الشخصي مغبة المخاطرة إذا اقتربوا أكثر مما ينبغي من وحدة عسكرية أو هدف عسكري. فربما تكون الوحدة أو الهدف العسكري عرضة لهجوم مشروع من العدو, وفي هذه الحالة, يُعَد قتل أو إصابة الصحفي أو أحد أفراد طاقمه من بين الآثار الجانبية للهجوم, وهو ما يطلق عليه اسم " الأضرار العرضية " . ولا يعد مثل هذا الهجوم غير مشروع إلا إذا كان القتل أو الأذى المتوقع بين المدنيين كبيرا, مقارنة بالفائدة العسكرية المتوقعة من الهج وم (قاعدة التناسب), (المادة 51 (5) (ب) من البروتوكول الأول).

غير أنه حتى في ظل هذا السيناريو, تظل الهجمات المباشرة ضد الصحفيين وفرقهم محظورة.

ولا يكون الصحفيون محميين ضد الهجمات المتعمدة إذا شاركوا مباشرة في العمليات العدائية وطوال فترة مشاركتهم فيها. أما الأنشطة الاعتيادية للصحفي فتغطيها الحصانة ضد الهجمات المباشرة, فهي لا تعد مشاركة مباشرة في الأعمال العدائية. وبقبول الصحفيين بوصفهم مدنيين, وافقت الدول على تركهم يقومون بعملهم, أي التقاط صور وتصوير أفلام وتسجيل معلومات وتدوين ملاحظات ونقل المعلومات والمواد التي لديهم إلى الجمهور عن طريق وسائل الإعلام. أما إذا تجاوز الصحفيون دورهم والحدود التي تمليها مهنتهم, فهم إنما يخاطرون بالتعرض لتهمة التجسس أو ارتكاب أعمال عدائية أخرى.

في النزاعات المسلحة غير الدولية

رغم عدم ذكر الصحفيين على نحو محدد في أي من المعاهدات المنطبقة على النزاعات المسلحة غير الدولية, إلا أنهم يعدون مدنيين. (جون-ماري هنكرتس ولويز دوزوالد-بك, القانون الدولي الإنساني العرفي, الجزء الأول, القواعد, مكتبة جامعة كمبريدج, 2005, ص 115-118). ولا يجوز أن يكون السكان أو الأفراد المدنيون هدفا للهجوم, ما لم يقوموا بدور مباشر في الأعمال العدائية, وعلى مدى الوقت الذي يقومون خلاله بهذا الدور.

وعلى هذا يستفيد الصحفيون والفرق العاملة معهم من الحماية الكاملة التي يمنحها القانون للمدنيين, في كل من النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية.

الصحفيون الذين يقعون في قبضة أحد أطراف النزاع المسلح (سواء عن طريق الأسر أو التوقيف)

تعتمد الأحكام القانونية المطبقة, في إطار النزاعات المسلحة الدولية, على الصحفي أو الصحفية والطاقم الذي يعمل معه أو معها عند الوقوع في قبضة أحد أطراف النزاع المسلح على عدة عوامل بما في ذلك الأصل والجنسية.

يخضع الصحفيون الذين يجري توقيفهم من قبل السلطات التابعين لها للقانون الساري في بلدهم. وقد يحرمون من حرياتهم إذا أجازت تشريعاتهم الوطنية احتجازهم. والسلطات ملزمة بمراعاة الضمانات والقواعد الخاصة بالاحتجاز المنصوص عليها في تشريعاتها الوطنية أو المكفولة في مختلف أحكام حقوق الإنسان المتضمنة في اتفاقيات تكون دولتهم طرفا فيها.

وخلاف ذلك, يتمتع الصحفيون والأطقم العاملة معهم بالحماية التي تكفلها مجموعة من قواعد القانون الدولي الإنساني للمدنيين والمنصوص عليها في اتفاقية جنيف الرابعة والبروتوكول الإضافي الأول وكذلك في القانون الدولي العرفي. ويحق لهم على وجه الخصوص الحصول على عدد كبير من الضمانات الأساسية. فعلى سبيل المثال, تحظر الأعمال التالية في كل زمان ومكان: 

  • الاعتداء على حياة وصحة الأشخاص النفسية والبدنية لاسيما:

  • 1) القتل;

  • 2) التعذيب البدني والنفسي والمعاملة القاسية أو اللا إنسانية

  • 3) العقوبة البدنية;

  • 4) والتشويه;

  • الاعتداء على الكرامة الشخصية, وعلى الأخص المعاملة المهينة والحاطة بالقدر

  • العقوبات الجماعية;

  • أخذ الرهائن.

ويعد انتهاك معظم هذه الأحكام جرائم حرب. وينبغي التحقيق في ارتكاب هذه الممارسات ومقاضاة مرتكبيها وفقا لأحكام القانون الدولي والقانون الداخلي ذات الصلة. 

ويحق للقوات المسلحة وقوات الأمن الخاصة بالدولة, وفقا لشروط محددة, اعتقال أو احتجاز الأشخاص بمن فيهم المدنيون الموجودون في إحدى مناطق العمليات العسكرية. وفي حال تعرضهم للتوقيف أو الاحتجاز أو الاعتقال بسبب القيام بأعمال تتعلق بالنزاع المسلح, ينبغي إبلاغ الصحفيين المدنيين والأطقم التي تعمل معهم على الفور بالأسباب التي دعت لاتخاذ مثل هذه الإجراءات. ويستثنى من ذلك عمليات التوقيف والاحتجاز بسبب ارتكاب جرائم جنائية وينبغي إطلاق سراح أصحابها في أقصر وقت ممكن وعلى أية حال بمجرد زوال المبررات التي دعت إلى عملية التوقيف أو الاحتجاز أو الاعتقال. 

ويحق لهم الحصول على ضمانات من أجل محاكمة عادلة في حال احتجازهم لأسباب تتعلق بارتكاب جرائم جنائية.

ويمكن لممثلي اللجنة الدولية للصليب الأحمر زيارة الصحفيين الذين وقعوا في أيدي العدو وتفقد ظروف الاحتجاز الخاصة بهم. كما يحق للمحتجزين الاتصال بذويهم.

وبينما جرى توضيح القواعد المذكورة أعلاه في ما يتعلق بالنزاعات الدولية المسلحة, نجد ثانية أن القانون الدولي الخاص بالنزاعات المسلحة الداخلية أقل وضوحا. ومع ذلك, يوفر الحماية القانونية لجميع الأشخاص الذين لا يشتركون أو لم يعودوا يشاركون بصورة مباشرة في العمليات العدائية. وتنص على وجوب معاملة المحتجزين بطريقة إنسانية دون أي تمييز مجحف. وتنطبق عليهم نفس الضمانات الأساسية المطبقة في حال النزاعات المسلحة الدولية. ومع أن القانون الدولي الإنساني لا يتيح إمكانية اللجوء للقضاء بشكل أكبر بسبب الاحتجاز غير المبرر أو لفترات مفرطة الطول, فإن قانون حقوق الإنسان قد سد هذه الثغرة. ولكن القانون الدولي الإنساني ينص على ضمانات قضائية في حال المحاكمة.

وتعرض اللجنة الدولية عادة خدماتها على جميع الأطراف المنخرطة في النزاعات المسلحة غير الدولية.

  التقييم  

للوهلة الأولى, قد يبدو للبعض أن القانون الدولي الإنساني لا يوفر الكثير من الحماية للصحفيين أو لغيرهم من العاملين في المجال الإعلامي نظرا إلى أن المعاهدات الخاصة بالقانون الدولي الإنساني تشير في موضوعين فقط إلى هؤلاء العاملين (المراسلون الحربيون والصحفيون الذين يباشرون مهام مهنية خطرة في مناطق النزاع المسلح).

إلا أنه عند قراءة هذه الأحكام في سياق أحكام القانون الدولي الإنساني الأخرى, نجد أن الحماية المكفولة بمقتضى القانون الساري تعد حماية شاملة ويتمتع بها الصحفيون الذين يقعون في قبضة أحد أطراف النزاع وخاصة إذا كانوا محتجزين أو في حال إقامة دعوى جنائية ضدهم. 

وفي ما يتعلق بالمخاطر التي يتعرض لها العاملون في المجال الإعلامي في ميدان القتال, توفر القواعد الحالية أساسا قويا وواقعيا للحماية على الأقل على الورق. ومن الصعب تصور أن تكون الدول مستعدة لتوفير حماية قانونية أوسع أو أن تكون قادرة فعليا على توفير قدر أكبر من الحماية في ظل أوضاع ملموسة يشهدها ميدان القتال.

ويعد حاليا عدم التنفيذ الحازم للقواعد القائمة وإجراء التحقيقات بطريقة منهجية ومحاكمة مرتكبي الانتهاكات ومعاقبتهم من أخطر وجوه القصور وليس نقص القواعد.

  كيف يمكن تحسين الحماية؟  

     

يمكن تحسينها من خلال تنفيذ القواعد القائمة على نحو أفضل.

توجد, كما سبق أن رأينا, سبل لتوفير الحماية القانونية الأساسية. إلا أن قواعد القانون الدولي الإنساني لا تلقى غالبا الاحترام الكافي من الناحية العملية. لذا ينبغي أن يكون الهدف الرئيسي الذي ينبغي توخيه هو العمل على تحسين الامتثال لهذه القواعد. ويتطلب ذلك توفير التدريب والتعليمات المناسبة للأشخاص الذين يستوجب عليهم تنفيذها كأفراد القوات المسلحة وقوات الأمن والمجموعات المسلحة الأخرى. ويتطلب الأمر أيضا أن يُساءل كل شخص ينتهك هذه القواعد وأن يخضع للجزاءات إذا ما ثبت اقترافه الجرائم. كل شخص عرضة للمساءلة عن أحكام القانون الدولي الإنساني كما أن كل دولة ملزمة بضمان التعريف بهذه القوانين وكفالة احترامها وإنفاذها.