• ارسال
  • طبع

أذربيجان: منع السل من التحول إلى عقوبة إعدام للجناة

22-03-2010 تحقيقات

في أذربيجان, يمكن أن تتحول عقوبة سجن لارتكاب جنحة عادية إلى حكم بالإعدام متى نقل السجين عدوى السل إلى رفقائه في السجن. وقد زارت السيدة "آنا نلسن", مندوبة اللجنة الدولية, برفقة "زلماي" المصور الأفغاني السويسري الشهير, السجون في "باكو" للاطلاع على ما يجري وراء القضبان لمساعدة السجناء المصابين بعدوى السل.

     

    ©ICRC/ Zakmai /V-P-AZ-E-00306      
   
     
        في ضواحي " باكو " عاصمة أذربيجان, وعلى مقربة من حقول المدينة الغنية بالنفط, تتسابق السلطات مع الزمن لوقف السل, هذا القاتل الصامت.

وطوال الخمسة عشر عاما الماضية, ظل موظفو السجون في البلد يعملون على وقف انتشار السل- هذا المرض القاتل الذي تصيب عدواه كل سنة قرابة 9.5 من ملايين الأشخاص في جميع أنحاء العالم. وإجمالا, يموت يوميا نحو 4500 شخص نتيجة الإصابة به- أي تقريبا شخص كل 20 ثانية.

ويقول السيد " نعمة رحمانوف " كبير الأطباء بمؤسسة " باكو " للعلاج الخاص, التي تأوي قرابة 1000 سجين مصاب بالعدوى من مختلف مؤسسات السجون: " الإنسان يمكن أن يقتل إنسانا آخر بيديه... لكن بإمكانه أن يقتل المئات من الأشخاص بالسل " .

ولا يبالغ السيد " رحمانوف " فأشكال هذا الداء المنقول با لهواء التي تستعصي على الدواء آخذة في الانتشار بسرعة مفزعة في جميع أرجاء المعمورة. وللإصابة بأي شكل من أشكال هذا المرض- سواء كان مقاوما للأدوية أم لا- يكفي التنفس بحضور شخص مصاب به إصابة فعلية. وخلافا لما قد يظن البعض فإن اللقاح في سن الطفولة لا يحمي من السل في الكبر.

  تفشي المرض  

من الوهلة الأولى, تشبه مؤسسة العلاج الخاص إلى حد بعيد أي سجن آخر- بها جدران عالية فوقها أسلاك شائكة وبها حرّاس مسلحون في أبراج مراقبة, وفيها بوابات ضخمة من الحديد تفصل اللصوص, والمحتالين, والمتاجرين بالمخدرات, والقتلة وغير ذلك من أصناف المجرمين, عن العالم الخارجي. لكن في الداخل, يبدو السجن بشكل واضح وكأنه مستشفى.

لقد شهدت الأعوام التي تلت انهيار الاتحاد السوفياتي ارتفاعا حادا في انتشار الأمراض المعدية. وعندما بدأت اللجنة الدولية زيارة السجون في عام 1995, اكتشف المندوبون أنّ السل هو سبب الوفاة الرئيسي في صفوف السجناء.

ومنذ ذلك الحين, استطاعت السلطات واللجنة الدولية, ببطء ولكن بثبات, أن تخفض إلى حد كبير عدد حالات الإصابة بالسل في مراكز الاحتجاز, عن طريق تحسين الفحص والوقاية والعلاج والمتابعة.

     
    ©ICRC/ Zakmai /V-P-AZ-E-00358      
   
     
        ويقول السيد " نظامي غولييف " , مدير المؤسسة, وهو رجل يبدو فخورا كل الفخر بمؤسسته الكبيرة: " في عام 1995 توفي في مؤسستنا 285 سجينا نتيجة الإصابة بالسل. لكن بحلول عام 2009 استطعنا أن نخفّض عدد الوفيات إلى 20 حالة " .

ويتباهى بنظام التهوئة المتطور الذي تم وضعه لتوفير أقصى ما يمكن من الهواء النقي بالزنزانات وأماكن النوم المشتركة- وهي عموما مرتع خصب للسل. وتشرح الملصقات ذات الصور على الجدران ترعرع هذا المرض في الأماكن المظلمة المحصورة. وفي جناح جديد, سيتم قريبا تركيب معدات جراحية عصرية, في الوقت الذي يتباهى فيه السجن بامتلاك مختبر تشخيص وصيدلية.

  كرامة الإنسان  

عند الحديث مع السجناء من مرتكبي جنح بسيطة وحتّى أولئك المحكوم عليهم بالسجن المؤبّد- تزداد أمور أخرى وضوحا: فيما يتعدّى أقراص الدواء والأشعة السينية والأزياء البيضاء, الأمر الأهم لتعافي السجناء يتمثل في كونهم يعاملون بكرامة واحترام.

وعلى مرّ الأعوام, تعلّم الحراس أن البيئة الصحية يمكن أن يكون لها تأثير كبير على تقبّل المريض للعلاج وعلى نتائج هذا العلاج.

ويشرح أحد حراس السجن قائلا: " هدف وزارة العدل الرئيسي هو شفاء هؤلاء المرضى, ونحن نبذل كل ما في وسعنا لنوفر لهم العلاج وظروف العيش الطيبة, حتّى يتمكنوا من العودة إلى المجتمع في صحة جيدة وحتى لا ينقلوا العدوى إلى غيرهم. إننّا نريد لهم أن يكونوا مواطنين قادرين على المساهمة في مجتمعهم " .

وفي مؤسسة العلاج الخاص, تبدو الزنزانات والأماكن المشتركة مضاءة ونظيفة. ويُسمح للأقارب بجلب الأغذية والأطعمة لذويهم الأعزاء عليهم. وبالإضافة إلى ذلك, توجد مكتبة بالمؤسسة وُزعت فيها الكتب على أقسام القراء المصنفين بدرجة عدوى عالية وآخرين أقل عدوى. كما توجد حجيرات تلفون كُتب عليها " إيجابي " و " سلبي " تؤشر إلى التلفونات التي يمكن أن يستخدمها السجناء الناقلون للعدوى وغير الناقلين لها, للاتصال بذويهم.

وتدور الحياة في الداخل حول السل, وهذا أمر ي روق تماما لسجناء مثل " سلمان " و " إلهام " . وهما يتقاسمان غرفة في جناح السجناء الأكثر نقلا للعدوى, الذي تم عزله عن بقية أقسام السجن.

ويقول " سلمان " : " أشعر بتحسن كبير. هنا نحصل على كل ما نريد. عندنا الغذاء والتدفئة وحمامات لائقة. بإمكاني أن أغتسل بالدش متى شئت. المكان هادئ ومريح " .

إنهما يقضّيان أيامهما وهما يلعبان النّرد, ويعتنيان بمجموعة صغيرة مزهرة من النباتات المنزلية, ويشاهدان التلفزيون, ويغسلان ملابسهما, وينتظران دورهما لتناول الدواء تحت حراسة طبيب تابع للسجن.

     
    ©ICRC/ Zakmai /V-P-AZ-E-00361      
   
     
         

سلمان يعاني من السل منذ أكثر من ستة أعوام. لقد سبق أن أخضع للعلاج مرّتين وهو يخضع الآن لعلاج الداء المستعصي على العديد من الأدوية والمعروف " بعلاج السل المقاوم للعديد من الأدوية " . وهذا العلاج يمكن أن تكون له مضاعفات خطيرة, من بينها قصور الكبد وفرط الغثيان. وعلى المريض الخضوع له لمدة عامين تقريبا ويمكن ان يستغرق وجود توليفه الدواء الصحيحة الملائمة لكل فرد أكثر من شهرين " .

يقول سلمان, متحدثا عن رفيقه في الغرفة: " كل واحد منّا يعرف المحنة التي يمر بها الآخر, وهذا الأمر يساعد كثيرا. وكلانا مرتاح " .

  "الداتشا" المتداعية  

في مكان ليس بالبعيد عن مستشفى السجن, بالقرب من بحر قزوين, توجد داتشا " الإخوة نوبل " وإقامتهم الصيفية, وهؤلاء الإخوة قد كوّنوا ثروة من أبراج النفط في السبعينات من عام 1800.

أما اليوم فإن الداتشا محلّ لنوع مختلف تماما من " الأخوة " - " إيرامال " و " إلغار " اللذان التقيا كسجينين بمركز علاج السل وربطت بينهما- شأنهما شأن سلمان وإلهام- علاقة وثيقة. ونُقلا إلى مستوصف متداع بعد أن أُفرج عنهما في عام 2009. وهذا المستوصف هو مرفق الرعاية الوحيد في البلد المستعد لإيواء المدانين السابقين.

يقول مدير المرفق السيد " إسماعيلوف هابيل " : نسهر على تأمين ثلاث وجبات في اليوم وعلى إجراء فحوص طبية منتظمة يقوم بها الأطباء. ويسهر الموظفون على ألا ينسى المرضى تناول أدويتهم. وفي الشهر الماضي, توفي ثلاثة من المرضى. ولم تكن لهم عائلة فاستخدمت أموالي الخاصة لدفنهم بمقبرة قريبة. وفلسفتي في الحياة هي أن الإنسان يستحق أن يُعامل برحمة وشفقة, وهذا ما أحاول فعله " .

توفر اللجنة الدولية الأغذية واللوازم الصحية للمحتجزين السابقين وتجمع عينات من دمهم ولعابهم لأغراض التحليل المنتظم. كما توفر المنظمة حافزا متواضعا للمرضات المسؤولات عن الإشراف المباشر على علاج المرضى.

ما من شك في أنّ الإخوة " نوبل " ما كانوا ليتعرفوا بسهولة إلى إقامتهم الصيفية لو كانوا على قيد الحياة. المرضى غائروا الوجنتين ينامون في الغرفة الواحدة بعدد يصل إلى خمسة أو ستة أشخاص, ولا يوجد الكثير مما يمكن فعله في انتظار تحسّن الحالة الصحية سوى الاسترخاء على أسّرة معدنية ومشاهدة صورة مشوشة على جهاز تلفزيون صغير بدون ألوان. قد لا يكون " إلغار " و " إيرامال " وراء القضبان حاليا لكنهما لا يزالان, من عدة نواح, حبيسي مرضهما.

" إلغار " , مهرّب مخدّرات, يعتقد أنه أصيب بالسل أثناء أول مرة دخل فيها السجن في عام 2001. وقد قضى مؤخّرا عقوبة سجن أخرى لمدّة 18 شهرا لتعاطي المخدرات, وهو الآن لا وُجهة له يقصدها.

يقول " إلغار " بصوت خافت محشرج: " لا أعرف ماذا كنت سأفعل لو لم يكن هذا المكان موجودا. لم يأتِ أحد لزيارتي لكن لحسن حظّي " إيرامال " بجانبي. لقد مررنا بفترات عصيبة في السجن. لن ننسى تلك الأيام أبدا وسنظل صديقين إلى الأبد " .

  مستقبل مجهول  

لسوء الحظ, يظل المستقبل بالنسبة إلى " إيرامال " مجهولا إلى حد بعيد. وهو الذي لم يتجاوز سنّ الثامنة والعشرين ويخضع للعلاج منذ عامين ونصف العام. لقد جرّب عددا كبيرا من الأدوية وهناك احتمال كبير ألا يبلغ الثلاثين من عمره.

لقد حُبس وراء القضبان لارتكاب أعمال عنف وهو الآن يقاوم حكم إعدام بسبب للسل.

يقول " إيرامال " : " لقد توقّفت عن الشرب وتناول المخدّرات وبدأت أصلّي " , عيناه الأخّاذتان الزرقاوان الضاربتان إلى الخضرة تتلاءمان مع زرقة ألوان قشرة الجدران. ويضيف قائلا: " لم أر أفراد عائلتي منذ أن غادرت السجن لأني لم أكن أرغب في المجازفة بنقل العدوى إليهم. كلّ ما أتمناه هو أن تتحسن حالتي الصعبة وأعود إلى الحياة من جديد " .

يُدخل إبرامال " و " إلغار " يديهما في كمّيهما وهما يخطوان إلى خارج الغرفة لشم الهواء. يضع " الأخوان " يديهما حول خصريهما ويطأطئان رأسيهما للاحتماء من الرياح العاتية اللاذعة.

لا أحد يمكن أن يتنبأ بالكيفية التي سينتهي بها يومهما ولا بما إذا كانا سيعيشان بما فيه الكفاية حتّى تدوم صداقتهما. أما الآن فإنهما على قيد الحياة ويذكران بقوة بأهمية وقف السل ومنعه من الفتك بالمزيد من الأرواح داخل السجون.