جمهورية الكونغو الديمقراطية: "ماما أفريقيا", أم لمائة وثمانية وخمسين طفلا
29-05-2009 تحقيقات
أنفقت ماما "بونا" 15 عاماً من حياتها ولا تزال في سبيل رعاية الأطفال الذين عُزلوا عن أسرهم من جراء ويلات الصراعات التي نشبت في هذا البلد. وماما "بونا" لا تتوانى حين تعجز عن ايجاد أسرة لاستضافة الأطفال غير المصحوبين بذويهم واليتامى في إبقائهم في منزلها.
وتضيف ماما " بونا " مشيرة إلى طفلة صغيرة تبكي بكاءً خافتاً, وتضمها امرأة تجلس قبالتها إلى صدرها. " تأمل مثال بركة " , " لقد كنت في تشرين الثاني/نوفمبر أسير مع مجموعة من المتطوعين لدفن قتلى تُركت جثثهم على حافة الطريق أو في الحقول عندما التقيت بهذه المرأة. أخبرتني هذه المرأة أنها عثرت على هذه الرضيعة ملقاة على صدر أمها. لقد قُتلت أمها مباشرة بعد الولادة. سألتني ما عساني أن أفعل؟. قلت لها: " أنت ترضعين طفلك, أليس كذلك؟ سألتها عندئذ : " خُذيه وسوف أساعدك في أمره. "
اشتعلت نيران الحرب أول ما اشتعلت في رواندا في أوائل التسعينات ثم امتدت ألسنة نيرانها لتشمل شرق الكونغو. وكان من الفارين من العنف آلاف الأطفال الذين تُركوا لشأنهم. وسعياً إلى تخفيف وطأة هذه المعاناة " أقام الصليب الأحمر داراً للأيتام في " كيروتشي " . وكنا نعمل بقدر المستطاع بعد تسجيل الأطفال على جمع شملهم بأسرهم كلما كان ذلك ممكناً, غير أننا سرعان ما أدركنا أن إنشاء دار للأيتام لا يمثل بالضرورة الحل الأمثل. حيث بدا واضحاً أن الأطفال أصبحوا يشعرون بالهجر, ثم إننا كنا في حاجة إلى مكان أوسع, لذلك قررنا أن نلتجئ إلى مساعدة الأسر المستضيفة. "
وقد تبين لنا بعد ذلك أن إبقاء الأطفال غير المصحوبين بذويهم والأيتام داخل أسر مستضيفة يمثل الحل الطبيعي والحل الأنجع, لا سيما وأن مفهوم الأسرة في الكونغو كما هو الحال في العديد من البلدان الأفريقية يمثل مفهوماً مرناً, إذ غالباً ما تشارك القرية بأكملها في تنشئة الأطفال.
وتتولى ماما " بونا " في العادة الاتصال بشيخ القرية, ويعملان معاً على تعيين الأسرة التي يمكن أن تسهر على رعاية الطفل. ويمكث هذا الطفل في أفضل الأحوال في تلك الأسرة إلى حين أن يتم تحديد موقع أحد أقربائه. غير أن العديد من هؤلاء ينتهي بهم مطاف الإقامة عند هذه الأسر المستضيفة التي تصبح أسراً جديدة لهم.
موهبة مساعدة الأطفال
تقول ماما " بونا " مبتسمة " لقد رزقني الله موهبة مساعدة الأطفال " , وتضيف قائلة: " لقد بلغ عدد الأطفال الذين قمت برعايتهم 158 طفلا حتى الآن. الكل يعرفني هنا. والناس يحضرون لي كل طفل غير مصحوب بذويه يصادفونه. " وجدير بالذكر أن ماما " بونا " تشرف على عدد من المتطوعين يعملون في صفوف الصليب الأحمر, ويتحمل كل واحد منهم مسؤولية التواصل مع 10 أسر و15 أسرة. وعندما تسير الأمور على غير ما يرام, يهرع الجميع إلى ماما " بونا " طلباً لمساعدتها.
وتضيف ماما " بونا " قائلة في شيء من الافتخار: " عندما يصاب طفل بالمرض ويحتاج إلى دواء أو عندما يقل العثور على ما يكفي من الغذاء أو عندما يُفتقد المال لدفع تكاليف المدرسة, تأتي الأسر المستضيفة لزيارتي. يصعب علي في بعض الأحيان حالهن. أنا أرملة بدوري, وليس لدي من الموارد إلا القليل. ومع ذلك يسعفني الحظ دوما بطريقة أو بأخرىعلى تقديم المساعدة " , " الناس يثقون بي, وهم على استعداد دائماً لتقديم الملابس المستعملة أو الغذاء أو ما يقدرون على تقديمه "
ذلك اليوم, كانت " نوالا سيناويما " التي تسهر على رعاية " بركة " تعاني من مشكلة خطيرة. طفلتها مريضة, وليس لديها من الغذاء ما تعطيه إياها. ولذلك, بدت الطفلة وكأنها تعاني من سوء التغذية. وتوضح ماما " بونا " قائلة إن " نوالا " ليس لديها من الحليب ما ترضع به طفلين. " إنها أرملة من أرامل الحرب ولديها ستة أطفال, ولا تستطيع أن تشتري غذاء للرضيع بديلا عن الحليب. "
أمام هذه المأساة, منح أحد المتطوعين من الصليب الاحمر " نوالا " بعض النقود لشراء هذا الغذاء, وسألها أن تذهب في أسرع وقت ممكن إلى أحد مراكز التغذية المحلية. وأكدت لنا ماما " بونا " بكل ثقة أن " حالة " بركة " الصحية ستتحسن عما قريب "
"ماما أفريقيا"
في كل مرة تعجز فيها ماما " بونا " عن العثور على أسرة مستضيفة, فإنها ت فتح أبواب منزلها الذي يوجد في حي مزدحم في " غوما " , المدينة الرئيسية في شمال كيفو لاستضافة هؤلاء الأطفال. ويعيش معها حالياً وذلك منذ عدة سنوات أربعة أطفال من رواندا, تتراوح أعمارهم بين ثماني سنوات و 16 سنة, وتذكرنا بشيء من الفخر " أن جميعهم يذهبون إلى المدارس " .
وهناك أيضاً الطفلة الصغيرة " ستيفاني " . " لم تكن " ستيفاني " تبلغ من العمر سوى ثلاثة أيام فقط عندما توفيت والدتها من جراء طلقة نارية أصابتها " وكانت " ابنتي الكبرى قد وضعت لتوها, فتطوعت لرعاية " ستيفاني " , وهي الآن تبلغ من العمر 18 شهراً, إنها فتاة جميلة حقاً " .
وتبدو ماما " بونا " بما لديها من الأطفال البالغ عددهم 12 طفلا, وأحفادها الذين نسيت عددهم مؤقتاً, وجميع من أرسلتهم يمينا وشمالا إلى الأسر المستضيفة كأنها " ماما أفريقيا "
-
شارك
|

