الأرض: أحد المخاطر على العاملين في الحقل الإنساني إبّان النزاعات المسلحة
03-07-2008 تحقيقات بقلم ماريون هاروف- تافل
تقع قضايا الحصول على الأرض، واستعمالها، وتدبيرها، وملكيتها، وتوريثها، في صلب المخاطر السياسية الكامنة في العديد من النزاعات المسلحة، وخاصة عندما يكون ترحيل السكان قسرا استراتيجيةً حربيةً. وتَقَعُ الأرض أيضا في صلب العمل الإنساني لأن استغلالها يُمَكِّنُ الجماعات المتضررة من الاقتتال من أن تنعم من جديد بأمن اقتصادي مستدام
ما هي الأسباب التي دفعت إلى طرح بعض من الأفكار بشأن المخاطر التي يواجهها العاملون في الحقل الإنساني إبّان النزاعات المرتبطة بالأرض؟ [1]
يُواجِه عَددٌ من العاملين في الحقل الإنساني عند القيام بنشاطه مشاكلَ ترتبط بالأرض: فبناء قناة للري لمساعدة جماعة تَمُرُّ بظروف صعبة مثلا، قد يتقاطع، وللأسف، وطريق للهجرة يسلُكها سكان رُحَّل يطالبون بحق مرور ورثوه عن أجدادهم. وقد يُطالِب أشخاص آخرون بملكية نقاط المياه الصالحة للشرب، أو بحقول يسقيها العاملون في الحقل الإنساني، على أساس حقوق ملكيتهم لأرض يسعون إلى تسويق منتوجاتها. ثم إن توزيع أراض خصبة نوعا ما، بحسب بعض الأحكام العُرفية، على جماعات فقيرة إلى حد ما، لمن شأنه أن يُعقِّدُ عملية تقديم مساعدة محايدة إلى أشد الأشخاص عُسراً. ولهذا السبب، أُوكِلتْ إلى المسؤولين عن الأمن الاقتصادي في اللجنة الدولية للصليب الأحمر مُهمَّة استخلاص العِبر والدورس من تجارب اللجنة، بُغية الخروج بنماذج مساعدة مناسبة.
- تُعَدُّ هذه المشكلة بادئ ذي بدء مشكلة أساسية في العديد من النزاعات القائمة حاليا. فعلى سبيل المثال، تؤدي النزاعات إلى نزوح السكان، واستقرار بعضهم في أراض خرج منها آخرون. وهذه المشاكل تطفو على السطح عندما ينتهي الاقتتال، ويستتب السلام نوعا ما، ويُعبِّر اللاجئون أو النازحون داخليا عن رغبتهم في الرجوع إلى مناطقهم الأصلية. فمن له الحق في هذه الحالة في استغلال الأرض، والاستفادة من عائداتها؟ ومن الممكن أيضا أن يتم التباحث، على مستوى القرية أو المقاطعة، بشأن شروط عودة الذين رحلوا طواعية أو قسراً، وهي شروط تثير في بعض الأحيان جدلاً، ويندلع العنف جراءها في أحيان أخرى، إذا ما رَفَضَ السكان الأصليون عودة النازحين، ويُصبح الوضع في غاية الخطورة عندما تزخر الأرض بثروات طبيعية.
- ثم إنه من شأن النزاعات القائمة حاليا للحصول على الأرض، واستعمالها، وملكيتها، وتدبيرها، وتوريثها أن تتفاقم خلال السنوات القادمة، ويكون لها عواقب إنسانية وخيمة. فآثار الاحتباس الحراري (موجات الجفاف، والتصحر، وتزايد عدد الكوارث الطبيعية) تدفع السكان إلى الهجرة، أو ارتياد طرق لم يعتد أحد ارتيادها. وغالبا ما تتوتر العلاقات بين السكان المستقرين من جهة، والرُّحَّل أو أشباه الرُّحَّل الجدد الذين دفعتهم ظروفهم إلى تغيير طريقة عيشهم، وأصبحوا في حاجة إلى أراض تضمن عيشهم، وعيش ماشيتهم من جهة أخرى، فتقضي هذه التوترات على التوازنات التقليدية التي كانت سائدة بين الطرفين في ما مضى. وعلاوة على ذلك، ثمة خطر من أن تُذْكي الأزمة الغذائية العالمية، والنمو السكاني في بعض البلدان الأفريقية جنوب الصحراء، التنافس على الأراضي الخصبة، وهجرة السكان الفقراء، وكل من لا يملك وسيلة للعيش.
- وأخيرا، قد تزيد عناصر مختلفة أضعافا مضاعفة في حجم العواقب الإنسانية المترتبة عن النزاعات بشأن الأرض: فتوافر السلاح يُؤجِّج حدة الاقتتال، وتزيد معه صعوبة التوصل إلى حل؛ وتتضعضع آليات فض النزاعات أو تقنينها (انهيار مصداقية الحكماء، وشيوخ العشائر، والتقاليد التي يعتبرون راعين لها)؛ وتسعى المجموعات المسلحة أو السلطات العامة إلى توظيف التوترات المرتبطة بالأرض لخدمة مصالحها.
ولا ينحصر دور الأرض في توفير العيش فحسب، بل غالبا ما ينطوي على مخاطر رمزية. فالأرض تشمل التربة، والمساحة وجميع الموارد الطبيعية الكامنة فيها من قبيل المياه، والأشجار والمعادن. والأرض أيضا مصدر للعيش (الغذاء الطبيعي، والمحاصيل الزراعية)، وللموارد الضرورية للعيش الكريم (تجارة محاصيل الأرض، واستغلال خيراتها المعدنية وغيرها)، وهي مكان عيش، وإطار للعلاقات العائلية والاجتماعية (يتعين على من يسعى إلى الزواج مَثَلا ضمان توفير مصدر عيش لعائلته أولاً، وهذا ما يفسر حاجته إلى استغلال الأرض). وأخيرا، يُمكن أن تنطوي الأرض على بُعدٍ رمزي لأسباب دينية، أو تاريخية، أو ثقافية أو غيرها (مُلازَمَة الهوية للأرض).
ترتبط المنظمات الإنسانية ارتباطا وثيقا بالأرض، ولو أنه ارتباط يعتريه التفَسُّخ أحياناً. فلنأخذ على سبيل المثال المساعدة التي قد تُقدَّم إلى جماعة من الرُّحَّل أو أشباه الرُّحَّل الذين ضاقت بهم السبل: لربما استدعت حاجيات هذه الجماعات مساعدة في غاية التعقيد، تفوق، في حال اندلاع أزمة حادة، توزيع الغذاء، أو المياه، أو الأدوات المنزلية. فالأمر يتعلق بتسهيل وصول الجماعة إلى مناطق يتوافر فيها الغذاء في الطبيعة (القطاف)، وتمكينها من الوصول بأمان إلى الأسواق، أو المراكز الحضرية، وفتح طرق الهجرة التي تتقاطع وحدود التوتر بين مختلف الجماعات العرقية، وإصلاح نقاط المياه، وتحسين مستوى إنتاج الماشية، بما في ذلك بناء حظائر لتخزين المحاصيل أو تربية الماشية بغية ترسيخ شروط التجارة. وتهدف جميع هذه المساعدات إلى ضمان الأمن الاقتصادي للأشخاص الذين يمرون بظروف صعبة، وتمكينهم من الاستمرار في الوفاء بحاجياتهم ومصاريفهم الأساسية (الغذاء، والسكن، والحصول على العناية الطبية وخصوصا التعليم). كما تنطوي هذه المساعدات على أساليب تستدعي إلماماً بما يلي: مَن له الحق في عبور الأرض، واستغلالها، وغرس أشجار فيها، وبناء حاجز لتجميع المياه فيها؟ وهل الأرض مِلكٌ لأفراد؟ أم لجماعة؟ أم هي للدولة؟ وهل الأرض مفتوحة في وجه الجميع؟ وكل هذا، يجعل الجواب عن هذه الأسئلة أمراً صعباً، وقد يختلف من قرية إلى أخرى.
وبعد أن طرحنا الفرضيات الأساسية لتأمُّلنا، نستعرض الآن التحديات التي تضعها المشاكل المرتبطة بالأرض في طريق المنظمات الدولية. فبناءً على التجارب التي اكتسبها مندوبو اللجنة الدولية للصليب الأحمر العاملون في الميدان، واستعرضتها ورشة نظمتها وحدة الأمن الاقتصادي التابعة للجنة في نيروبي في أكتوبر/تشرين الأول 2007، فإننا نرى أن الأسئلة الأساسية تتلخص في ما يلي:
ما هي المعلومات الضرورية التي ينبغي تحصيلها قبل البدء في مشروع مساعدة ينطوي على استعمال الأرض، وإلى أي جهة ينبغي طلبها، وكيف يُمكن ضمان التصرف في هذه المعلومات بفعالية في محيط متقلب؟
يتعلق الأمر هنا بفهم احتياجات مختلف الجماعات المعنية، ولمصالحها ضماناً لأمنها الاقتصادي، وبفهم القانون الواجب التطبيق، وآليات تسوية الخلافات. لكن هل تكفي هذه الأمور؟ ومن أي جهة يجب استقصاء هذه المعلومات؟ ففي بعض الأحيان، يَدَّعي بعض محاورينا أن منح تصريح الحصول على الأرض من اختصاصاتهم، لكن عندما نبدأ في حفر بئر، تأتي جماعة ثانية لها سلطة غير رسمية، وتطعن في التصاريح الممنوحة. وأخيرا، كيف نتحقق من أن كل مندوب من أصحاب التخصصات المتعددة من مندوبي وفد يشمل أخصائيين في القانون، ومهندسين، ومهندسين زراعيين، وخبراء اللوجستية وخبراء آخرين، سيكون قادراً على الإصغاء إلى آراء محاوريه المحليين بشأن القضايا المرتبطة بالأرض، ويستطيع تقديم مساعدة إنسانية محايدة تُراعي القانون والعادات ومختلف المشاعر؟
كيف يمكن استبعاد تفاقم الخلافات، والتوترات المرتبطة بالأرض عند تقديم المساعدة الإنسانية؟
بادئ ذي بدء، ما هي الاحتياطات التي ينبغي مراعاتها لاستبعاد دعم الاستيلاء على أراضٍ يملكها آخرون؟ أفلا تنطوي برامج المساعدة على خطر تثبيت الجماعات في أراضٍ استقبلتهم، بعد أن تخلى عنها أصحابها التقليديون بسبب اندلاع الاقتتال؟ وكيف سيكون رد فعل هؤلاء إذا ما أدركوا وهم في مخيماتهم المؤقتة أن أشخاصاً آخرين استقروا في أراضيهم، وفي منطقتهم الأصلية، بفضل مساعدة العاملين في الحقل الإنساني؟ فلهذا يجب توخي الحذر، والتخلي أحيانا عن بعض المساعدات من قبيل: توزيع أدوات الحرث، أو البذور، أو مضخات الري، والحرص على عدم المشاركة في عمليات زراعة الغابة (أي غرس الشجيرات، أو الأشجار التي تزيد في خصوبة التربة) إذا كان غرس الأشجار يُعَدُّ استيلاءً على الأرض.
ثم، كيف يمكن التأكد من أن المنشآت المُستحدثة لن تصبح مصادر نزاعات إضافية؟ فعلى سبيل المثال، يمكن للمهندسين بناء نقاط للمياه تسمح بتوفير المياه الصالحة للشرب للمزارعين، وتمكنهم من سقي محاصيلهم، وتسمح في الوقت ذاته لمربي الماشية برَوْيِ ماشيتهم.
وأخيرا، كيف يمكن التوصل إلى توازن يحفظ احترام مبدأ عدم التحيز، والتحلي بشيء من الواقعية لكي لا تصبح المساعدة المقدمة مصدراً للتوترات بين الجماعات المتخاصمة؟ فعدم التحيز هو إعطاء كل واحد على قدر حاجته، من دون تمييز بسبب جنسيته، أو انتمائه السياسي، أو دينيه، أو إيديولوجيته، أو كونه رجلاً أو امرأة؟ لكن العاملين في الحقل الإنساني يجدون أنفسهم أحيانا في حيرة من أمرهم عند مواجهة بعض القضايا العرقية كما يظهر في المثال التالي:
في إطار صراع مسلح، عبَّر بعض المزارعين ممن تلقوا مساعدة اللجنة الدولية للصليب الأحمر عن مخاوفهم من تعرضهم لاعتداء. فقد كان ينتابهم الخوف من أنهم سيتعرضون للنهب من لدن بعض الرُحَّل الذين استقر بهم الحال في أراض مجاورة لأراضيهم. ولذلك، عبَّر هؤلاء عن أملهم بأن يحصل القادمون الجدد على مساعدة مناسبة، ولو أنهم كانوا يرون في هؤلاء أعداءً محتملين لهم، شريطة ألا تساهم هذه المساعدة في استقرار هؤلاء نهائياً في الأراضي المتنازع عليها. كما قبلوا بتقاسم الأراضي، لكنهم استثنوا من ذلك أكثر الأراضي خصوبة في حين أن عدم التحيز ينطوي تحديداً على تركيز مساعدة اللجنة الدولية للصليب الأحمر على أشد المزارعين عُسراً. وإضافة إلى كل هذه الصعوبات، وَرَدَت أنباء تشير إلى أن بعض جيران من تلقوا المساعدة يواجه بعض الصعوبات أيضا. فما العمل إذن؟ هل ينبغي البدء في حملة التطعيم، أو دعم العناية الطبية الأساسية، بدلاً من توزيع البذور؟ كما أن الحالات ا لتي يجد فيها العاملون في الحقل الإنساني أنفسهم عرضة للخطر تفرض عليهم ابتكار ردود عليها، ولو أن للابتكار حدوداً. فهل يعني هذا أنه من الأفضل نقل الجهود، وبذلها في مناطق أخرى؟
متى وإلى أي حد يكون من المناسب بذل مساع (يسميها العاملون في الحقل الإنساني مساع " حمائية " ) لتمكين السكان العاجزين عن الوفاء باحتياجاتهم الاقتصادية الأساسية إبان النزاعات المسلحة من الحصول على الأرض، وزراعتها، والاحتفاظ بحقوقهم عليها أيضا كما هو الحال عندما تسقط هذه الحقوق بسبب عدم زراعة الأرض لبضع سنين؟
يُؤخَذُ على المنظمات الإنسانية تقييد نفسها بالاستجابة لاحتياجات الناس عوض الدفاع عن حقوقهم. لكن هذا الطرح يتناسى أن الاستجابة للاحتياجات لا يقتصر حصراً على الاحتياجات المادية (توزيع الطرود العائلية مثلا). فالأمر يتعلق أحيانا بطلب التصاريح الضرورية حتى يتمكَّن المتضررون إبّان النزاعات المسلحة من الحصول على وسائل الإنتاج، ويصبحوا قادرين على الاستمرار في الوفاء باحتياجاتهم الاقتصادية الأساسية. ومع ذلك، ثمة تحديات معينة: ما هي طبيعة اعتراض طريق الهجرة الذي يحول دون مرور الماشية إلى مراعيها الموسمية مثلا؟ هل هذا الاعتراض اعتراض مادي (غياب نقاط المياه)، أم أمني، أم سياسي؟ وما هي السلطات أو الجماعات، أو المنظمات غير الحكومية التي يجب مخاطبتها للتباحث بشأن هذا الاعتراض؟ وما هو منظور مختلف الأطراف المحلية المعنية بمستقبل هذه الطرق؟
جميع هذه الأمور تستوجب توخي الحذر. ويترتب عن عدد من المساعي الهادفة إلى الدفاع عن الحقوق ضرورة التعامل مع نظم غير رسمية لا يَعرِفُ عنها العاملون في الحقل الإنساني إلا النذر القليل، وتسودها علاقات نفوذ متقلبة تستند إلى قوانين غامضة للغاية. ثم، ما نوع الحقوق التي تدخل في نطاق اختصاصات مختلف المنظمات، وما هي تلك التي لا تدخل في نطاقها؟ وهل يجب المساعدة عندما تُحرَمُ النساء المتضررات بفعل النزاعات المسلحة من حقوقهن في الأرض، بتطبيق القانون العُرفي مثلا؟ وأخيرا، ما هي الأضرار التي يمُكن لبعض المساعي أن يُلحِقها بسُمعة اللجنة الدولية للصليب الأحمر، بصفتها منظمة إنسان ية محايدة ومستقلة؟
في إطار النزاعات المسلحة أو في أعقابها، إلى أي حد يمكن للعاملين في الحقل الإنساني بذل جهودهم لحماية الجماعات المتضررة من القضايا المرتبطة بالأرض، من دون تعريض حيادهم للخطر؟
هل يمكن للعاملين في الحقل الإنساني مثلا توفير مجال محايد لمناقشة النزاعات المرتبطة بنظام ملكية الأرض، وفض الخلافات بشأنها، وخاصة عندما تؤثر هذه الخلافات في الأمن الاقتصادي لأكثر الأشخاص فقراً؟ وهل من المناسب لفت انتباه الأطراف التي تتفاوض بشأن اتفاق سلام إلى المشاكل الإنسانية التي تترتب عن الخلافات المرتبطة بالأرض؟ وهل يجب اتخاذ هذه القرارات كلية، أم بحسب كل حالة على حدة؟ وإذا كان الجواب بالنفي عن بعض هذه الأسئلة، فهل يجب على المنظمات الإنسانية حشد مساعدة عاملين آخرين؟ وماذا لو أكدت الأجوبة ما جاء في الأسئلة، فما نوع مؤهلات المؤسسات التي يجب توافرها في المنظمات الإنسانية (سواء مؤهلاتها الخاصة بها، أو تلك التي يمُدُّها بها المستشارون الخارجيون) قبل البدء في أنشطة من هذا القبيل – مؤهلات في حقل الوساطة، أو سبر لآليات فترة ما بعد النزاع مثلا؟
عندما ينشأ تعارض في وجهات النظر بشأن نظام المعايير المحلية في خلاف يرتبط بالأرض، ويطال ذلك الأمن الاقتصادي للأشخاص المتضررين من الخلاف، فهل يجب على العاملين في الحقل الإنساني في بعض الحالات (يجب تحديد هذه الحالات) الامتناع عن توفير المساعدة، أم يجب مراعاة القانون المعمول به والذي يعترف السكان بأنه قانون شرعي في مكانه وفي زمانه؟
هذا السؤال سؤال في غاية التعقيد، والآراء القانونية التي صيغت بشأنه لا تُعدُّ ولا تُحصى. وباختصار شديد، يمكن لنظم القوانين أن تتداخل في بعضها البعض عند تحديد من يحق له تدبير الأرض، واستعمالها، والحصول عليها، وملكيتها (القانون الدولي العام، والقانون الوطني، والقانون العرفي/التقليدي، والقانون الديني). فلكل نظام قانوني مؤسسات يستند إليها، ونظم يحتكم إليها (الإدارة المحلية، والمحاكم، والشيوخ المحليون، والزعماء الدينيون، واللجان الريفية) برغم تباين درجات سلطته وشرعيته. وتترابط هذه النظم في ما بينها بعلاقات غير ثابتة ومعقدة، يمكن تطبيقها على كيانات صغيرة محلية، بحيث يُطبَّق نظام معين في منطقة، ونظام معين آخر في منطقة أخرى لا تبعد سوى عشر كيلومترات. لكن، كيف يمكن تحديد نوع الإطار القانوني قبل بدء المساعدة، وخاصة عندما يصبح هذا الإطار مثار جدال محلي أو وطني؟
فهل يُعرِّضُ العامل في الحقل الإنساني نفسه إلى تهمة الخروج عن الحياد عندما يختار تسجيل برنامجه الإنساني في إطار نظام قانوني معين عوض نظام آخر؟ وهل يجازف بإعطاء الانطباع أنه ينحاز إلى جماعة عرقية، أو أنه يُفَضِّل الأشخاص الرُحَّل الذي يعيشون على تربية الماشية، والرعي على حساب المزارعين، أو العكس؟ وهل يجازف حين يختار احترام قانون عُرفي أو تقليدي معين في بعض البلدان، ويُعرِّض نفسه لتهمة تعطيل جهود الحكومة الهادفة إلى تطبيق قاعدة قانونية موحدة على جميع أقاليمها الوطنية، وخاصة في المناطق الريفية؟ ومع ذلك، يمكن الرد بأنه في الغالب تقريبا، يتم الطعن في شرعية النظام القائم وفي قانونيته، في حين أن النظم القانونية المعمول بها على صعيد القرية أو الإقليم تحظى بثقة السكان. كما يُمكِن أن تقبل الدولة بتعدد القوانين رغم تعقيداتها. فكيف يمكن إذن استغلال تداخل قوانين قد تتعارض مع بعضها البعض استغلالاً جيداً لخدمة أغراض إنسانية، علما أن البعض سيسعى إلى استغلال هذا التعارض من دون شك لإنكار حقوق جماعة أخرى، والاستيلاء على الأرض؟
وثمة صعوبة أخرى: كيف يمكن انتهاج طريقة تحترم القانون، والثقافات المحلية، عندما تنهار المؤسسات السياسية، أو التشريعية، أو القضائية أو جميعها، أو عندما تكون مرفوضة، أو تكون عاجزة (غياب الأمن، أو غياب الإرادة، أو الافتقار للموارد المالية، أو النزعة إلى الاستيلاء على ما عند الغير، أو توزيع الأراضي على الجماعات المؤيدة)؟
من يحق له الرجوع إلى القاعدة الدولية العرفية التي تنص على احترام حقوق ملكية النازحين (القاعدة 133 الواردة في دراسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر بشأن القانون الدولي الإنساني العرفي) عندما ينطوي الرجوع إلى هذه القاعدة على آثار سياسية أوسع؟ وما هو دور المنظمات الإنسانية في هذا الصدد؟
في النظم التي يسودها القانون، يتعين على السلطات احترام هذه القاعدة، وفي حال نشوء خلاف بشأنها، يُرجع أمر فضها إلى المحاكم. فهل يجب على العاملين في الحقل الإنساني تشجيع اعتماد هذه القاعدة من لدن السلطات والنظام القضائي، و بذل مساع معينة بشأنها لدى السلطات الشرعية، أو التدخل عندما يتم انتهاكها في نزاع قائم؟ فمن جهة، يُفرِزُ عدم احترام هذه القاعدة عواقب إنسانية وخيمة تُضِرُّ بالنازحين، إذ أن عدم الرجوع إلى هذه القاعدة القانونية يؤدي إلى تقويضها، وهذا أمر مؤسف. ومن جهة أخرى، ثمة خطر على العاملين في الحقل الإنساني إن هُم تمسَّكوا بمبدأ ما على أساس قانوني صرف؛ فَلرُبَّما وجدوا أنفسهم في صلب المخاطر السياسية للنزاع. وبما أن بعض النزاعات الراهنة تتَّبِعُ استراتيجية حربية هدفها ترحيل السكان، فإن النازحين يُعرِّضون أنفسهم إلى مخاطر أمنية، ويجازفون بممتلكاتهم، ناهيك عن المخاطر التي قد يتعرض لها العاملون في الحقل الإنساني إن هم ساعدوا في قضايا خطيرة للغاية. فما هي أولويات المنظمات الإنسانية إذن؟
يتعين على كل منظمة إنسانية على حدة مراعاة مصالحها قياسا بمهمتها، ونوع السياق الذي تعمل ضمنه، ونشاط باقي العاملين، وذلك حتى تخرج بأفضل استراتيجية تُمكِّنها من توفير المساعدة إلى من يحتاجها.
كيف يجب تنسيق مساعدات العاملين في الحقل الإنساني عندما تشمل هذه المساعدات الحصول على الأرض، أو استعمالها، أو إجراء تغييرات عليها، أو تدبيرها؟
يُطرح هذا السؤال قياسا بتفاقم خطورة المواجهات المرتبطة بالأرض والتي نستشرفها من الاحتباس الحراري، والنمو الديموغرافي، والأزمة الغذائية.
هل أدمج العاملون في الحقل الإنساني، ضمن برامج دعمهم الزراعي للسكان المتضررين بسبب النزاعات المسلحة، ما يكفي من متطلبات التنمية المستدامة عند اختيار برامجهم؟
من الأَوْلى مثلا عدم دعم برامج الأمن الاقتصادي التي من شأنها تمكين الجماعات من استغلال عطور الأخشاب الثمينة، إذا كان لهذا الدعم عواقب وخيمة على البيئة. لربما يظهر هذا الأمر بديهيا، لكن هل يتم دائما دمج هذا البعد البيئي في مشاريع المساعدة التي يقدمها العاملون في الحقل الإنساني؟
وباختصار، تظل القضايا المرتبطة بالأرض قضايا معقدة، ومتشعبة، وغير ثابتة، وغالبا ما تبقى مجهولة. لكنه يُسعدنا كثيرا أن المنتديات التي أصبحت تجمع الأوساط الأكاديمية والعاملين في الحقل الإنساني قد تنبهت إلى هذه الأمور، مثلما فَعَلَ فريق السياسات الإنسانية التابع لمعهد التنمية الخارجية في لندن. وعلى أي حال، فإن ثمة مواضيع أخرى لاتزال تحتاج للدراسة من قبيل:
- قضية الأرض (الزراعة، وتربية الماشية، والسكن) في المدن التي تعرف نزاعات أو نموا ديموغرافيا نتيجة تدفق النازحين.
- مشكلة مخيمات النازحين أو اللاجئين من منظور ملكية الأرض (التكاليف البيئية لهياكل من هذا القبيل، والتحديات المرتبطة بالأرض، وبالبيئة نتيجة استقرار غير منظم للأشخاص العابرين في أراض ليست ملكا لهم مثلا).
- المشاكل الإنسانية التي يواجهها الأفراد أو الجماعات التي استقرت في أراض طوال فترة النزاع حيث تجد نفسها مضطرة إلى مغادرتها بعد انتهاء الاقتتال.
ويحدونا الأمل بأن يُساهم تبادل المعارف الأكاديمية، والخبرات العملية، في الرقي ببرامج المساعدة الإنسانية ضمن إطار يحترم الجماعات التي ترى في الأرض مصدراً للحياة والعنف في آن واحد.
ماريون هاروف- تافل
-
شارك
|

