قصص ثلاث عراقيات أتعبهن السفر إلى مرافىء الحزن
10-03-2009 تحقيقات
من خلال هذا الملف يقدم قسم الإعلام ببعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر في العراق ثلاثة نماذج لنساء عراقيات حقيقيات ما زلن يعشن على أرض الواقع, بعضهن وهنت أقدامهن فما عادت تحمل أجسامهن المثقلة بآلام السنوات الحافلة بالحزن بينما تحاول اللجنة من جانبها جذب الانتباه لأوضاع المرأة هناك باعتبارها ضحية من ضحايا الحرب.
المحتوى
مقدمة
لا يمر يوم من دون أن نرى ونقرأ ونسمع قصصاً أو تقارير تتناقلها وكالات للأنباء و الفضائيات ومنظمات حقوق الإنسان ولا تكون المرأة العراقية حصة فيها, فهي الحاضرة دائماً حاملة على أكتافها هموماً, وأعباءً ثقيلة لم تكن لتختارها يوماً, ولكن من دون شك فرضت عليها قسراً.
و في الوقت الذي يتعرض فيه الرجال للقتل, والاعتقال, والتغييب, فإن النساء العراقيات لم يكنّ بمنأى عن كل ذلك وأكثر منه.. فهاهي أعداد كبيرة منهن تحولن إلى أرامل ومطلقات, ومختطفات, ومغتصبات, وضحايا دفعن دماءهن ثمناً لأي سبب يختاره القاتل, وزوجات لمفقودين غائبين لا يعرفن لهم مصيراً واضح المعالم, وأمهات ثكالى فقدت أولادهن في الحروب والصراعات, ومهجرات تركن بيوتهن لتلقطهن مدن الغربة وأزقتها من دون معيل, أو يستظللن بخيام تعصف بها قسوة الصحراء في مخيمات على تخوم الوطن أو مدنه, التي لم يستوعب بعضها أو ربما كلها عراقيين من جلدتهم فروا من خوف أو فقر حال هنا وهناك, " سياحة " أرغمت عليها العراقيات لا رغبة منهن, ولكن ربما حفاظاً على ما تبقى لهن من أحبة, أو حتى بقايا أمل.
الأمثلة تكثر, وذكرها الذي يستند إلى إحصاءات وأرقام تدعمه مقلق بل مخيف في غالب الأحيان, لكن التذكير بما حدث ويحدث للمرأة في العراق والأعباء التي تتحملها اليوم ترى اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن من واجبها الذي ينبغي أن تقوم به لشد الانتباه لأوضاع المرأة لكون اللجنة راعية للقانون الدولي الإنساني الذي يضمن الحماية لضحايا الحرب, و المرأة من دون شك من بين هؤلاء الضحايا.
كولزار.. سنوات من الانتظار
لم تكن " كولزار حسين هامشين " إلا واحدة من بين نساء كثيرات لم يستطعن أن يقلن لأزواجهن كلمات الوداع الأخيرة في لحظات الفراق غير المتوقع الذي طال أمده.
" أذكر ذلك التاريخ جيداً, كان يوم الحادي والثلاثين من مارس/ آذار عام 1991, اليوم الذي فقدت فيه زوجي إلى الأبد.. فقدته بينما كان يحاول تقديم العون إلى الآخرين الذين كانوا بحاجة للمساعدة " . بهذه الكلمات التي تخفي وراءها حزنها بدأت " كولزار " تروي القصة التي تعيش معها منذ ذلك الوقت. سنوات طويلة تفصلها الآن عن آخر مرة رأت فيها زوجها, الذي أسرع مع رجال آخرين للمساعدة في إخراج الضحايا من تحت أنقاض بيت في الجوار أصابته قذيفة ليسقط على ساكنيه, لكنها لم تره بعد ذلك أبداً.
قبل أن يتوجه مع الآخرين إلى بيت الجيران الذي دمرته القذيفة, أخبر الزوج عائلته بضرورة ترك البيت والرحيل عن المدينة لأن القوات العسكرية آخذة بالتقدم نحوها.. تركت " كولزار " البيت مع بقية العائلة, وبدأت الرحلة إلى خارج المدينة, وكانت تتوقع أن يلحق بهم زوجها في أية لحظة لكن ذلك لم يحدث مطلقاً.
وقد ظلت " كولزار " تتوقع عودة زوجها منذ ذلك التاريخ المحفور عميقاً في ذاكرتها وحتى عام 2003. " طوال 12 عاماً كان قلبي يخفق في كل دقيقة يتحرك فيها مقبض الباب, كان يتملكني ذلك الإحساس بأن زوجي يقف خلف الباب وما هي إلا لحظات ويدخل منه " .. كان حزنها واضحاً وهي تنسج خيوط الكلمات وتعود بذاكرتها إلى سنين مضت.
" لكني فقدت الأمل تماماً بعد العام 2003 " , تواصل " كولزار كلماتها الحزينة لأنها قبل ذلك العام تظن أن زوجها ربما ما يزال سجيناً من قبل السلطات الحكومية آنذاك مثل عديدين غيره.. ولكن بعد عام 2003 وما تلاه من أعوام فقدت " كولزار الأمل بعودته تماماً.
" كولزار " أم لابنة وشاب. وقد عانت الكثير من الصعاب من أجل أن تربيهما كما ينبغي, بينما كان الوضع الاقتصادي السيئ يطبق بفكيه عليها في عام 1991 وما تبعه من سنوات بسبب الحصار الاقتصادي الذي كان مفروضاً على البلاد. فقدانها لزوجها أمات شيئاً في داخلها لكنها بالرغم من ذلك نذرت حياتها لطفليها اللذين تفخر " كولزار " بهما الآن كثيراً, " بعون من الله تمكنت من تربيتهما بشكل أفتخر به " , تضيف قائلة.
لم يوقف فقدانها لزوجها رغبتها في العمل وهكذا راحت تعمل في حرف عديدة من بينها حياكة الأغطية التقليدية الشائعة كثيراً بين سكان مدينتها وخياطة الملابس لتتمكن من توفير لقمة لها ولأبنيها. " لكوني أرملة فإن المجتمع لا يرحم ولا يمنحني الفرصة بالعمل خارج منزلي " , تقول " كولزار " . و لأنها فقدت زوجها وهي بعمر 39 عاماً, فقد فضلت أن تعمل داخل بيتها خوفاً على سمعتها.
وبالرغم من كل الظروف السياسية والاقتصادية التي أحاطت بها وبغيرها من الناس وأدت إلى تدهور الحالة المعيشية, استطاعت " كولزار " أن تقف على قدميها بثبات. ودفعت تلك الظروف بعض الموسرين إلى إحصاء الأرامل والفقراء من أجل مساعدتهم ببعض المال والغذاء. تقول " كولزار " : " لسنوات عديدة تصلني الحنطة من أناس يقدمون مساعدات وكانوا عوناً كبيراً لنا " .
تشكر " كولزار " الله كثيراً لأنها تمكنت من تزويج ابنتها, وقريباً ستزوج ابنها أيضاً, وفي عينين مليئتين بالدموع تقول: " ذلك سيسعد روح والدهما كثيراً " .
بالنسبة لها, انتظرت " كولزار " 12 عاماً هو زمن انتظار لغائب لن يعود, لتتأكد أنها أرملة وأن ولديها يتيمان, استسلمت لذلك أخيرا.ً
شهيه.. محاولة للعيش والأمل
هي واحدة من بين نساء عراقيات كثيرات فقدن أحبة, إما زوج, أو ابن, أو شقيق. هكذا هي الحروب تنجب المآسي كلما مرت على أرض أو بلاد, والأحبة فيها, إما راحل وإما مفقود أو أسير. و لسيدة عراقية مثل " شهيه " وكثيرات مثلها في العراق, لاشيء يبقى إلاَ اجترار الذكريات وحزن مدفون في أي بقعة من القلب, وحياة بائسة يطغى عليها شظف العيش والحاجة إلى يد حانية قد تمسح بعض ألم تراكم عبر السنين.
اثنان وعشرون عاماً مرت و " شهيه " تنتظر عودة الزوج الذي غيبته الحرب التي دارت رحاها عند حدود إيران والعراق في مطلع الثمانينات, ومنذ العام 1986 وهي مازالت تحتفظ بالأمل في أن تراه من جديد بالرغم من مرور كل هذه السنين: " لا أعلم إن كان حياً أو ميتاً, لم أستلم جثته ولا شيء آخر أبداً " , تقول " شهيه " , بينما تأخذها نظراتها المتعبة إلى ذلك الزمن الذي كانت تعيش فيه مع زوج محب في بيت صغير. كانت الحياة بالنسبة لها سلسة بسيطة بوجود زوجها الذي يخرج في الصباح ليعود بعد انتهاء يوم عمل ويجدها في انتظاره وقد أعدت له مائدة الطعام. كان دخله جيداً, ولم يكن يبخل عليها بأي شيء قد تحتاج إليه وكان حريصاً على رعايتها.
" عندما كنت أمرض كان يأخذني إلى الطبيب, أما الآن فأنا وحيدة تماماً " , انتهت من تلك الكلمات وهي تذرف دموعاً تنبيء بقسوة الحياة على امرأة في مثل سنها كانت فقدت زوجها ولم يمن الله عليها بأولاد يعينونها على زمن صعب مثل الذي تعيش فيه الآن.
كانت الوحدة رفيقاً لها, لكن " شهيه " لم تستسلم أبداً, لابد لها أن تعيش لأنها في الأقل مازالت تحمل في داخلها أمل ما, ولن تستريح مادام ثمة ضوء يلوح في أفق حياتها فقد يأتي الغائب ذات يوم ويطرق بابها.
كان عليها أن تعمل لتعيل نفسها وتدفع إيجار البيت الذي كانت تسك ن فيه, لكن متغيرات كثيرة شهدتها الحياة في السنوات التي أعقبت العام 2003, فلم تعد تسكن ذلك البيت الذي عاشت فيه أجمل سنواتها مع زوجها لأن مالكه طردها منه ورمى أشياءها وما تبقى لها من أثاث خارجاً ولم يكن بقدورها أن تحمل شكواها فلا قانون يحميها أو يسترد لها بيتاً كانت تستأجره بمبلغ متواضع يتناسب مع دخل كان معقولاً في زمان مضى.
" شهيه " تعيش اليوم, ومنذ خمس سنوات, في خيمة صنعتها بنفسها بعد أن طردت من بيتها.
لم يكن أمامها إلا أن تلملم ما تبقى لها من أثاث وحاجيات. حاجتها للمال دفعتها لبيعها جميعاً ثم توجهت إلى مزارع في محافظة النجف حيث أقارب لزوجها يعملون هناك, أصبحت الخيمة عالمها وعنوانها وبيتها الذي تفتخر بالعيش فيه وحيدة من دون خوف.. " و لم الخوف, أنا فخورة بنفسي لأني أعيش في خيمتي وحدي ما دمت أعمل فلا أعتقد أن الرجل يتميز عني بشيء " , تقول " شهيه " .
تخرج " شهيه " برفقة مجموعة من نساء ورجال الحي في الصباح إلى سوق العمال حيث يتجمعون هناك بحثا عمن قد يحتاج إليهم للعمل في المزارع القريبة وغيرها, وقد اعتادت " شهيه " على جمع التبن, وهو ما يتبقى من مخلفات الأراضي الزراعية بعد مواسم الحصاد, ثم تشتري الطين وتمزج الاثنين معاً, حيث اعتاد البعض هناك أن يسكنوا بيوتاً مشيدة من اللبن (مزيج الطين مع التبن).
هي الآن تنتظر من سيساعدها من الجيران على بناء غرفة لها من ( اللبن) بدل خيمتها, لأنها لا تملك مالاً كافياً لشراء (الطابوق), كما تكسب " شهيه " عيشها من صناعة تنور الخبز من الطين لمن يطلبه, وما تحصل عليه من مبالغ متواضعة تتمكن هذه المرأة من مواصلة الحياة وبقايا الأمل بعودة الغائب الذي غادرها منذ اثنين وعشرين عاماً.
انتهت القصة.. ولكن ليس بعد!
لم تكن تحلم بزيجة كهذه لكن الظروف أجبرتها على قبول الزواج من رجل لم تجمعها معه قصة حب أو معرفة سابقة, كان زواجاً تقليدياً اعتاد الناس هنا على تقبله بشيء من البساطة.
كانت " س " * قبل زواجها تعيش قصة حب مع رجل أحبته وأحبها, لكن ظروفاً حالت دون ارتباط الاثنين برباط الزوجية, ومع أول خاطب يطرق الباب تمت موافقة الأهل وتزوجت.
لم يكن مقدراً للعروس الجديدة أن تسكن في بيت منفصل مع زوجها فالحال لا يسمح بذلك. وكان على العروسين أن يسكنا مع عائلة الزوج في بيتهم الكبير في حي عند أحد أطراف بغداد من جانب الكرخ. حياة عادية لامرأة ضمن أسرة كبيرة تسكن كلها في بيت واحد, وهذا الأمر هو الآخر ليس غريباً, إنما من الطبيعي جداً أن يتزوج الابن ليسكن مع عائلته إذا لم يكن السكن المستقل متاحاً.
تكيفت " س " مع حياتها الجديدة, ومع عائلة زوجها إلى حد ما. ورزقت بالأطفال الذين رأت فيهم تعويضا عن أشياء كثيرة تنقصها. أصبحوا كل عالمها وحياتها, معهم وجدت سعادتها, وبهم راحت تتجاهل أشياء كثيرة تسمعها من أهل زوجها بين حين وآخر قبل وجود أطفالها في حياتها.
كانت تلك الأشياء تنغص عليها حياتها لكنها بوجودهم صارت لا تبالي خاصة وإن زوجها هو الآخر يكن لها الكثير من الحب, واستطاع أن يغزو قلبها ويمحو أي أثر لقصة حب قديمة فيه, كانت سعيدة جداً بكل بذلك.
لكن بعض السعادة المسروقة من بين لحظات الزمن لا تدوم طويلاً.. هذا ما قالته لنا " س " وهي تروي بقية قصتها بألم لا يمكن أن يتخيله إلا الذي يتحمل وزره على كتفيه:
تقول " س " : " كنت أحب زوجي وأولادي وأعيش لهم ومعهم, لم أفكر في شيء سوى عائلتي وأسرتي الصغيرة, وعلاقتي بالرجل الذي أحببته سابقاُ نسيتها وانتهت بالنسبة لي منذ الل حظة الأولى التي وطأت فيها أقدامي بيت زوجي. كل شيء في تلك اللحظة أدرت له ظهري لأكون في استقبال حياة أخرى جديدة يملؤها أمل وتفاؤل, في الأقل على مستوى شخصي بالرغم من كل الظروف التي أحاطت بنا بعد عام 2003 التي لم تكن ظروفاً عادية أبداً " ..
ماذا حدث إذن؟, تواصل " س " رواية ما حدث, السعادة التي تلاشت, والحزن الذي تسلق إلى عينيها وظل مستقراً فيهما حتى الآن, تقول:
" كان ذلك في العام 2005, كنت أقوم بسقي الحديقة الأمامية لبيتنا, عمل اعتدت القيام به كلما أتيحت لي الفرصة, وكان الجميع في البيت, أهل زوجي وأطفالي وكل كل شيء هادئاً تقريباً لم أشعر بما هو غريب أبدا .ً وفجأة اندفع عدد من الملثمين من الباب الرئيسي للحديقة وتوجهوا نحوي مباشرة ليسحبوني بقوة ويكممون فمي, ثم يضعونني في سيارة لينطلقوا بي سريعاً إلى مصير ومكان مجهولين تماماً بالنسبة لي. لم يكن أمامي إلا الصراخ مع علمي أن صراخي مكتوم لا يسمعه أو ينتبه إليه أحد لأن فمي مازال مكمماً, ولا أسمع غير سباب يرافقه ضرب متقطع على رأسي لإسكاتي, رأسي الذي دفع للأسفل بأيدي الخاطفين القوية كي لا يجذب الانتباه عند مرور السيارة المنطلقة بسرعة كبيرة بين شوارع الحي المترامي الأطراف.. شعرت للحظة أنني بدأت أفقد وعيي, وهكذا كان.. لم أعرف كم من الوقت مضى علي وأنا في المكان الذي وجدت نفسي فيه, لكني عرفت أنني مختطفة من قبل أناس لا يعرفون الرحمة ولا يضعون في حساباتهم حرمة لأي شيء, وأنا هنا في المجهول, أو في اللامكان.. تصاعد الرعب إلى قلبي ورحت أبكي بحرقة وألم " .
بالنسبة لها الأمر كان أكبر من الخوف والرعب, تداعت الصور أمام عينيها, " ترى هل سيقتلونني؟ ولماذا ما الذي فعلته " , " أولادي و زوجي من المؤكد أنهم يبحثون عني الآن, أهلي وعائلتي يا الله هل أنا في كابوس, أم ماذا, أين أنا يا رب ساعدني لا تتركني هنا يا رب " .. و راحت تبكي بصمت الحائر الذي لا يرى شيئاً يدله على ضوء عند نهاية نفق حيرته وخوفه من كل الذي يدور حوله..
لحظات وجاء أحد الذين قاموا بخطفها ليرفع الكمامة عن فمها ويبلغها أنهم خطفوها من أجل الحصول على المال كفدية, عند ذلك سيقومون بإعادتها إلى أسرتها, وإن ذلك لن يتم فوراً إذ لابد من الاتصال بالزوج ومفاوضته حتى تتم العملية وفق ما خطط لها!!..
زاد رعبها وراحت تطلق لتوسلاتها وصراخها العنان لكن ذلك لم يكن يجدي نفعاً.. في اليوم التالي قرر الخاطفون الاتصال بالزوج, الذي كان و كل الأقرباء قد أعياهم البحث في المستشفيات والأسواق ومراكز الشرطة وبيوت الأصدقاء بعد أن مضى يوم بأكمله من دون أن يظهر لها أثر.. كان اختفاؤها غريباً وغير مبرر بالنسبة له وللجميع الذين يعرفون جيداً حياتهما, كان كل شيء يسير بشكل جيد بينهما لا مشاكل على الإطلاق, فلم تختفي إذن؟, لكنهم أبداً لم يتوقعوا أنها خطفت من أمام البيت أو بالأحرى من داخل حديقة البيت حيث كانت تقف هناك في ذلك اليوم.
اتصل الخاطفون بالزوج في اليوم التالي, و شرحوا الأمر ووضحوا مطلبهم بشكل لا لبس فيه على أن تعاد الزوجة إليه بعد أن ينفذ ما يريدون, وأبلغوه أنهم سيعاودون الاتصال للاتفاق حول مكان وموعد التسليم والاستلام.. ذهل الزوج من وقع الخبر عليه وابلغ المحيطين به ما سمع.. لكن أهل الزوج لم يكونوا مقتنعين تماماً بالقصة, قالوا له: " نعتقد أن الموضوع غير ما أبلغوك به, ربما تكون قد (هربت) مع حبيبها السابق ونسجا هذه القصة معاً, لا, لا تصدق الموضوع كله ملفق " .
استسلم الزوج لتلك الأفكار والتفسيرات بعد أن أحاط به الجميع لتكرر القصة على مسامعه مرات ومرات, حتى أيقن أنها ربما تكون صحيحة.. وبعد الاتصال الثاني للخاطفين مع الزوج أبلغهم قراره النهائي: هو ليس به حاجة لها بعد الآن, وإذا ما أرادوا قتلها إن هو لم يدفع الفدية, فليكن لهم ذلك.
كانت المفاوضات تجري بين الطرفين وهي لا تعلم برد الزوج على طلب الخاطفين, الذين لم يترددوا بالقيام باغتصابها كلهم الواحد تلو الآخر, ثم يحملونها ليضعوها في السيارة, و في ما بعد يتركونها وحيدة في أقرب مكان مهجور في الحي الذي كانت تسكن فيه.. استجمعت نفسها وما تبقى لها من بعض قوة لتذهب إلى بيتها وأبنائها, طرقت الباب بيد واهنة متعبة, يفتح لها الزوج الباب وقد استقبلها بنظرات اختفت منها الشفقة تماماً. " لماذا عدت؟ اذهبي إلى حيث كنت أنت طالق, ولا تفكري ولو للحظة واحدة بأن لك أولاد بعد الآن, اذهبي لتلتحقي بالذي كنت معه " ..
انطلقت " س " إلى بيت أهلها تحمل على أكتافها مأساة لم يكن لها يد في صناعتها أبداً, و لم يكن أمام الأهل سوى الابتعاد بها إلى بلد آخر, إلى حيث لا أحد يعرف كيف بدأت القصة.. وكيف انتهت, أو ربما لم تنهي بعد.
* حجب الاسم الحقيقي وتفاصيل المكان لاعتبارات اجتماعية خاصة بصاحبة القصة وعائلتها.
-
شارك
|

