غزة- الأردن: جمع شمل أم وابنتها بعد 10 سنوات من ألم الفراق
19-05-2010 تحقيقات
تمكنت اللجنة الدولية مؤخراً, في إطار جهودها المستمرة الرامية إلى إعادة الروابط العائلية بين الأقارب الذين تشتتهم النزاعات, من نقل أم طاعنة في السن من غزة لتعيش مع ابنتها في عمان, في الأردن, بعد عشر سنوات من البعد.
نظرت من الشباك وتنهدت وعلت على وجهها بسمة هادئة وكأنها تبتسم لنفسها. كانت الشمس قد أشرقت على غزة حين أنهت الحاجة معزز الدبة حزم أمتعتها في حقيبة سفرها الصغيرة. فقد اختفت في لحظة واحدة كل مشاعر الريب والقلق التي لم تفارقها طوال السنين, عندما جاءت ابنة أخيها نعمة وقالت لها:"عمتي... جماعة الصليب الأحمر وصلوا وهم ينتظرونك في السيارة. إنهم مستعدون لنقلك إلى عمان اليوم لتلتقي بصباح".
لقد عاشت الحاجة معزز أياماً عصيبة خلال هذه السنوات الأخيرة. ابنتها الوحيدة صباح كانت لا تزال في سن المراهقة حين غادرت منزل أمها في غزة وانتقلت مع والدها إلى عمان حيث تزوجت وهي في الثامنة عشر من عمرها.
في البداية, كانت الحاجة معزز ترى ابنتها كل سنة, فإما أن تسافر هي إلى عمان أو تأتي ابنتها إلى غزة. ولكن السلطات الإسرائيلية أوقفت عام 2000 هذه الزيارات إثر اندلاع الانتفاضة الثانية.
تدهور الصحة
أصبحت صحة الحاجة معزز واهنة هي التي تجاوز عمرها الثمانين ولم تعد قادرة على العيش وحدها. فانتقلت من منزلها لتعيش مع أخيها علي لكن هذا الأخير توفى بعد سنة. وخلال السنوات العشر الماضية, كان اتصالها الوحيد بابنتها عبر الهاتف. وتقول الحاجة معزز : "كانت صحتي تتدهور من سيئ إلى أسوأ, وأردت أن أقضي آخر أيام عمري وسط أصوات أحفادي, لن أموت هنيئة إذا لم أكن بجانبهم وبجانب ابنتي الحبيبة."
وبعد فشل عدة محاولات قامت بها صباح للحصول على تصريح لأمها بمغادرة غزة, لجأت في النهاية إلى اللجنة الدولية في عمان واتصلت بمندوبيها في شباط/ فبراير 2010 وطلبت منهم مساعدتها في جمع شملها بوالدتها في أقرب وقت ممكن.
ووافقت اللجنة الدولية على تقديم كل الطلبات اللازمة للحصول على التصريح وتنسيق عملية نقل الحاجة معزز مع السلطات الفلسطينية والإسرائيلية والأردنية. وتوضح السيدة "فيرونيكا هينز غوليوزا": منسقة اللجنة الدولية لخدمات البحث عن المفقودين في القدس: "يحظى الأشخاص المسنون والأطفال بالأولوية لدى اللجنة الدولية التي تبذل كل ما في وسعها لجمع شمل الذين تشتتهم النزاعات".
رحلة مضنية
بعد صعودها إلى السيارة, كان على الحاجة معزز أن تواجه بعزم ودون تذمر رحلة مضنية تدوم طوال اليوم ويزيد من تعقيداتها الواقع السياسي والأوضاع الأمنية في المنطقة. فكان عليها أن تمر أولاً عبر معبر إيريز من غزة إلى داخل إسرائيل, وكان يعني ذلك أن يجرها موظف ميداني من اللجنة الدولية في كرسيها المتنقل على طول ممر أمني يصل إلى كيلومتر ونصف الكيلومتر. وكان على الحاجة معزز أن تخضع لتفتيش باليد عند الحاجز الإسرائيلي.
ثم تعود إلى سيارة تابعة للجنة الدولية للسفر إلى أريحا من أجل إنهاء آخر الإجراءات الإدارية, الفلسطينية والإسرائيلية, قبل الوصول إلى جسر الملك حسين (جسر ألنبي سابقاً) الذي يصل الضفة الغربية بالأردن. وتقول السيدة "آن سوفي بوني" مندوبة اللجنة الدولية التي رافقت الحاجة معزز في هذه الرحلة المثيرة, أن الحاجة العجوز لم تستطع إخفاء دهشتها أمام كل ما كانت تراه على طول الطريق.
وبينما كانت تعبر جسر الملك حسين, وقبل دقائق من لقائها ابنتها, رفعت الحاجة معزز يدها وبحركات متأنية, رتبت شالها على رأسها وقالت بصوت منخفض وعينين تغمرهما السعادة: "لقد حلمت بهذا اليوم في كل دقيقة وكل ثانية من السنوات العشر الماضية."
لقاء مؤثر
بعد أن اجتازوا الجسر أخيراً, وهنت عزيمتها وشعرت بالتعب وبدأت يداها ترتجفان. فها هي تحاول أن تلمح ابنتها وسط الجمع المحتشد وفجأة رأتها تركض متلهفة نحو سيارة اللجنة الدولية. شدت صباح على يد أمها وقبلتها وقالت والدمع يملأ عينيها : "كنت أشعر بقلق كبير وكأن شيئاً يقبض قلبي وما أن رأيت السيارة تعبر الجسر, لم أعد أستطع الانتظار لأضمها إلى صدري".
وحين وصلوا إلى منزل صباح, كان كل أولادها وأحفادها ينتظرون في الخارج. فقد ارتدوا أجمل ملابسهم للاحتفال بهذه اللحظة الرائعة.
وتقول صباح: "لدي عشرة أولاد وأربعة أحفاد. ولم تر أمي إلا خمسة من أولادي ولا حفيداً واحداً من أحفادي. أن أكون بجانبها يعني لي ملك الدنيا كلها. فمن الآن وصاعداً لن أقضي ولا حتى ثانية واحدة بعيداً عنها."
-
شارك
|

