صون وسائل الرعاية الصحية مسألة حياة أو موت
29-11-2011 مقابلة
يحرم العنف الممارس ضدّ موظفي الرعاية الصحية ومرافقها، وضد المرضى الذين يقصدونها، ملايين الناس من تلقي الرعاية الصحية اللازمة لإنقاذ حياتهم. وتقدّم اللجنة الدولية هذا الأسبوع قراراً في هذا الصدد إلى المؤتمر الدولي الحادي والثلاثين للصليب الأحمر والهلال الأحمر بغرض التصدي لهذا التحدي الإنساني. ويهدف هذا القرار إلى حماية تقديم الرعاية الصحية أثناء النزاعات المسلحة وحالات الطوارئ الأخرى. ويبيّن المدير المحنَّك، الذي يقود جهود اللجنة الدولية الرامية إلى إيجاد حلّ لهذه القضية، السيد "بول - هنري آرني" في هذا المقابلة المخاطر المحتملة وكيف تأمل اللجنة الدولية تحقيق غايتها المنشودة خلال السنوات القليلة المقبلة.
ما العواقب الملموسة لاستحالة تقديم الرعاية الصحية بسبب الأفعال غير القانونية وأعمال العنف أحياناً على الناس؟ وما حجم الضرر الناجم عن ذلك؟
لا بدّ من لفت الانتباه في المقام الأول إلى تضاؤل القدرة على تلبية الاحتياجات الطبية أثناء النزاعات المسلحة وتزايد هذه الاحتياجات فجأة في الوقت ذاته تزايداً هائلاً. ولا تنحصر أسباب ذلك في الاعتداءات على العاملين في مجال الرعاية الصحية، بل تشمل أيضاً الاعتداءات على سيارات الإسعاف والمستوصفات والعيادات وحتى على المرضى. وتحول المخاطر التي تهدّد السلامة فضلاً عن ذلك دون وصول الناس إلى المراكز الصحية، وتؤدي إلى انقطاع الإمدادات.
وتُضاف إلى ذلك العواقب غير المباشرة التي يمكن أن تنجم عن أي حدث جلل، إذ يُحرم ما لا يُعدّ ولا يُحصى من الناس من العلاج حالما يُصاب العاملون في مجال الرعاية الصحية بأي مكروه أو حالما تُصاب البُنى الأساسية للرعاية الصحية بأي ضرر. فلا تقتصر عواقب القنبلة التي أودت بحياة ما يزيد على اثني عشر طالباً من طلاب الطب بالصومال أثناء حفل تخرّجهم في عام 2009 على إزهاق أرواح أفراد إحدى الدفعات القليلة للغاية من خرّيجي الطب في البلاد منذ عشرين عاماً بطريقة مأساوية، بل تشمل أيضاً استحالة إجراء آلاف المعاينات الطبية سنوياً بسبب اعتداء واحد.
وتحتل هذه القضية مكان الصدارة في عملنا. فلا يسعنا أبداً السكوت عن إطلاق النار على المرضى وهم على سرير الشفاء أو عن توقيفهم في المراكز الصحية، ولا عن فقدان الأطباء، ولا عن استهداف سيارات الإسعاف وهي في طريقها إلى المستشفيات، ولا عن موت الأطفال بسبب استحالة مواصلة حملات التطعيم.
لقد أصدرتم مؤخراً تقريراً عنوانه "الرعاية الصحية في خطر: الدفاع عن القضية"، فهل يسعكم ذكر بعض الأمثلة الملموسة الواردة في هذا التقرير؟
توجد أمثلة كثيرة وقعت أحداث آخرها في منطقة الشرق الأوسط. وأعتقد أن النتيجة الرئيسية التي توصلنا إليها في تقريرنا تتمثل في إمكانية حقن دماء عشرات الآلاف من الناس إذا ما احتُرمت عملية تقديم الرعاية الصحية على نطاق أوسع، إذ لا يموت الكثير من الناس في واقع الأمر بسبب وقوعهم ضحايا مباشرة لقنبلة مزروعة على جانب الطريق أو لعملية إطلاق نار، بل بسبب عدم وصول سيارة الإسعاف إليهم في الوقت المناسب، أو بسبب منع موظفي الرعاية الصحية من تأدية عملهم، أو بسبب الاستهداف المباشر للمستشفيات والمرضى، أو بكلّ بساطة بسبب كون المنطقة التي يوجدون فيها خطيرة للغاية ممّا يحول دون تقديم الرعاية الصحية الفعالة لهم.
وقد سافرت مؤخراً إلى أفغانستان حيث يرى موظفونا العاملون في مجال الصحة دائماً أمهات يدخلن عليهم حاملات أطفالاً فارقوا الحياة أو باتوا قاب قوسين أو أدنى من الموت بسبب إصابتهم بأمراض تُعدّ الوقاية منها ممكنة. ولكن ينتظر الوالدان هناك اللحظات الأخيرة للذهاب إلى المستشفى بسبب المخاطر الكبيرة التي ينطوي عليها السفر فعلاً في أفغانستان، وبسبب وجود الكثير من نقاط التفتيش التي يجب عبورها للوصول إلى الوجهة المنشودة. فيصل الكثير منهم بعد فوات الأوان. ولا تعني هذه القضية في نهاية المطاف الأسرة الصحية وحدها، بل تعني أيضاً كافة الناس الذين يحتاجون إلى الرعاية الصحية ويُحرمون منها. وهذا هو شغلنا الشاغل، إذ يضرّ هذا الأمر بأعداد كبيرة من الناس.
ما الذي ينبغي فعله وكيف تعتزم اللجنة الدولية معالجة هذه القضية؟
العمل على تمكين الناس من الحصول على الرعاية الصحية بطريقة آمنة أثناء النزاعات وحالات الطوارئ الأخرى من صميم هوية الصليب الأحمر/الهلال الأحمر. وسيكون اعتماد القرار الخاص باحترام وسائل الرعاية الصحية وحمايتها أثناء النزاعات المسلحة وحالات الطوارئ الأخرى دلالة قوية على رغبة الدول والحركة الدولية في التصدي لإحدى المشكلات الإنسانية الكبرى والمغفلة مع ذلك إلى حدّ كبير. وقد كانت ردود الفعل الأولية على مشروع القرار مشجعة. ونأمل أن يعتمد كافة المشاركين في المؤتمر الدولي الحادي والثلاثين للصليب الأحمر والهلال الأحمر هذا القرار باعتبار اعتماده خطوة أولى مهمة.
ولا تستطيع اللجنة الدولية ولا الجمعيات الوطنية ولا حتى الأسرة الصحية برمّتها التصدي بمفردها لهذا التحدي. ولا بدّ بالتالي من مشاركة الدول وقواتها المسلحة، وكذلك الجماعات المسلحة الأخرى غير الدول، في ذلك. ولا بدّ للمسؤولين عن التهديدات التي تتعرض لها وسائل الرعاية الصحية من الجلوس إلى مائدة الحوار.
كيف يستطيع المجتمع الدولي المساهمة في هذا المجال؟
لا بدّ من تعزيز الالتزام بالقوانين السارية ومن تدريب القوات المسلحة على التحلي بالسلوك اللائق في مواقع نقاط التفتيش، وينبغي للجماعات المتمردة احترام المرضى والامتناع عن تعطيل عمل المستشفيات للتحقيق مع شخص ما لا تسمح حالته الصحية فعلاً بالتحقيق معه ولأغراض أخرى مماثلة. وهذه القضية كبيرة وشائكة، وهذا هو بالتحديد ما يدفعنا إلى القول بأن معالجتها تتطلب تآزر الكثير من الأطراف المعنية.
وستضع اللجنة الدولية هذا الأمر نصب عينيها أثناء سعيها خلال السنوات الأربع المقبلة إلى الجمع بين العاملين في القطاع الصحي والعسكريين والدول وواضعي السياسات والأطراف الفاعلة في ميدان العمل الإنساني من أجل الوقوف على التدابير اللازمة لوقف العنف الممارس ضد وسائل الرعاية الصحية. وسنعمل معاً على النظر في دور الممارسات العسكرية في هذا القضية، وكذلك في حقوق العاملين في مجال الرعاية الصحية ومسؤولياتهم، وفي الحماية المادية للمراكز الصحية، وفي دور الجمعيات الوطنية في تخفيف وطأة العنف الممارس ضد وسائل الرعاية الصحية وإعداد الصكوك القانونية اللازمة للحيلولة دون ارتكاب جرائم بحق المرضى والعاملين في مجال الرعاية الصحية وللمعاقبة على هذه الجرائم.
وسنُجري مشاورات مع الخبراء خلال الفترة الفاصلة بين المؤتمرين الدوليين الحادي والثلاثين والثاني والثلاثين للصليب الأحمر الهلال الأحمر (اللذان سيُعقدان في عاميّ 2011 و 2015 على التوالي) من أجل الوقوف على الحلول العملية اللازمة لتحسين حماية وسائل الرعاية الصحية أثناء النزاعات المسلحة وحالات الطوارئ الأخرى. وستعزز نتائج هذه المشاورات، وكذلك الأنشطة الميدانية الملموسة المستندة إلى تحسين جمع البيانات المتعلقة بالحوادث والتجاوزات المرتكبة ضد مرافق الرعاية الصحية والجرحى والمرضى، قدرة اللجنة الدولية وقدرة الجمعيات الوطنية للصليب الأحمر والهلال الأحمر على التصدي لهذا التحدي على الصعيد الميداني.
وسيُنفّذ هذا المشروع عن طريق العمل على الصعيدين الدبلوماسي والميداني. ولا بدّ لنا من إشراك الدول والجماعات المسلحة في هذه العملية لحملها على تحمّل مسؤولياتها. ولا بدّ لنا أيضاً من تعزيز وتحسين جهودنا الميدانية، وتعزيز مساعينا الرامية إلى التصدي لهذا التحدي على الصعيد الميداني. وتتمثل الغاية النهائية من هذه الاستراتيجية المزدوجة في صون القدرة على تقديم الرعاية الصحية في الميدان للتمكن بالتالي من مساعدة الضحايا. فهي حقاً مسألة حياة أو موت.
-
شارك
|






