السل : القضاء على قاتل خلف القضبان
22-03-2010 مقابلة
السل مرض قابل للشفاء إلا أنه لا يزال ينتشر حتى الآن في جميع أنحاء العالم. وبالرغم من أن الغالبية العظمى من الوفيات بسبب هذا المرض تقع في العالم النامي, فقد عاد للظهور في أوروبا وأمريكا الشمالية لانتقاله عبر الهواء. وحاليا, تسجل دول الاتحاد السوفياتي السابق أكبر عدد من حالات السل المقاوم للأدوية المختلفة على الإطلاق. وقد تابع مندوب اللجنة الدولية "نيكولوز سادردز" الوضع في جورجيا لسنوات عديدة ويعمل حاليا مع السلطات في أذربيجان من أجل وقف انتشار هذا المرض في السجون محذرا من انتشاره ما لم يجر تعزيز الجهود المبذولة لوقفه.
انظر ايضا:
- البيان الصحفي
- أذربيجان: منع السل من التحول إلى عقوبة إعدام للجناة
- السل : القضاء على قاتل خلف القضبان - فيديو باللغة الإنجليزية
بشكل عام, ما هو سبب انتشار مرض السل بمعدلٍ ينذر بالخطر؟
ينتقل مرض السل عن طريق الهواء. وهو ينتشر بسهولة أكبر نسبيا من غيره من الأمراض المعدية. ويكفي أن يستنشق الشخص كمية صغيرة من العصيات ليصاب بالعدوى. وربما يشعر الكثير من الناس بالصدمة عند معرفة أن أكثر من ملياري شخص أو من بين كل ثلاثة أشخاص يوجد واحد على هذا الكوكب يحمل الميكروبات التي تسبب مرض السل.
ولحسن الحظ, يصاب فعليا شخص واحد من بين عشرة أشخاص حاملين للعصيات بالمرض. ويمكن للميكروبات أن تظل كامنة لمدة أسابيع أو سنوات أو حتى عقود انتظارًا لليوم الذي يكون فيه الجهاز المناعي للشخص في أضعف حالاته, على سبيل المثال في حالة العلاج الكيماوي أو ال إصابة بفيروس نقص المناعة البشرية أو مرض السكري. فعندئذ, يظهرالسل فجأة ويهدد حياة الشخص ويصبح معديا.
فإذا لم يعالج المريض المصاب بالسل النشط, فبإمكانه أن ينقل عدوى المرض إلى عدد يتراوح بين عشرة أشخاص وخمسة عشر شخصا في المتوسط.
نحن نسمع عن أنواع مختلفة من مرض السل, مثل السل المقاوم للأدوية المتعددة أو الأنواع شديدة المقاومة للأدوية. ما الفرق؟
السل مرض قابل للشفاء بصفة عامة إذا حصل الشخص على الدواء المناسب في الوقت المناسب واستمر في تناوله. ولكنه من الممكن كذلك أن يكون غير قابل للشفاء. هذه هي الحال بالنسبة للسل شديد المقاومة للأدوية أو ما يطلق عليه XDR-TB. وهناك بعض بكتيريا السل الفطرية التي تعجز المضادات الحيوية عن القضاء عليها لأنها تصبح أكثر مقاومة.
ويعتقد الكثير من الناس أن الإصابة بالسل المقاوم للأدوية المتعددة لا تقع بشكل فوري. وهناك فكرة خاطئة مفادها أن مجرد توقف المريض عن العلاج يعرضه للإصابة بالسل شديد المقاومة للأدوية والمعروف باسم MD-RTB أو XDR-TB . في الحقيقة, يمكن أن يلتقط الشخص مباشرة أي سلالة ومن ثم يصاب بنوع من السل يصعب جدا علاجه والشفاء منه. ولا يتعلق الأمر بأن يكون المريض سيئا أو أن يكون قد تلقى استشارة طيبة خاطئة ... انها مسألة حظ سيء فحسب.
ولسوء الحظ, فإن عدد حالات السل المقاوم للأدوية آخذة في الارتفاع في أماكن متزايدة في جميع أنحاء العالم, من باكو الى بكين ومن ليما الى لندن. ووفقا لمنظمة الصحة العالمية, أبلغ 57 بلدا عن اكتشاف حالة واحدة على الأقل من حالات السل شديد المقاومة للأدوية وذلك حتى شهر أيلول/ سبتمبر الماضي.
الشعار الذي اختارته "الشراكة لمنع داء السل" بمناسبة اليوم العالمي للسل هذا العام هو "نحو مكافحة مرض السل – ابتكر من أجل بلوغ الهدف". في رأيك, ما هي درجة تفاعل المجتمع الدولي في الوقت الراهن عندما يتعلق الأمر بالتصدي إلى هذا المرض؟
اعتقد اننا نسير بخطي سريعة إلا أننا حاليا بحاجة إلى الوصول لمرحلة العدو. فنحن بحاجة إلى بذل المزيد من الجهد والتحرك بسرعة أكبر حتى يصبح هذا المرض في صدارة اهتمامات الجميع من أجل وقف انتشاره بشكل أوسع. فينبغي أن يكون من الأولويات في مجال الصحة العامة في جميع البلدان, وليس فقط في الدول الفقيرة.
أمراض مثل الأنفلونزا الوبائية H1N1 ومرض الزهايمر أو أمراض القلب غالبًا ما تحتل العناوين الرئيسية في الصحف ولكن الحال ليست كذلك بالنسبة لمرض السل. فهو مرض يمس ملايين الناس في جميع أنحاء العالم دون إثارة أي شعور فعلي بالقلق. فما هو السبب وراء ذلك وما هي التحديات التي تواجه العاملين في مجال الصحة أثناء مكافحتهم له؟
ثمة مجموعة من العناصر التي ينبغي أن تؤخذ في الحسبان. أولا, نقص المعرفة بهذا المرض على المستوى العام وفي كثير من الأحيان على مستوى صانعي القرار. كما إنه مرض يتعذر علاجه أيما تعذر. فعلى الشخص المصاب بمرض السل العادي أن يخضع للعلاج لمدة تتراوح بين ستة إلى ثمانية اشهر. وعليه أيضا الامتناع عن احتساء الكحول وتحسين النظام الغذائي المتبع وتناول الجرعة اليومية من الأدوية. ولكن هذا النوع من السل سهل علاجه وغير مكلف نسبيا.
إلا أن الوضع يختلف في حالة الإصابة بالسل المقاوم للأدوية إذ يتطلب تعاطي مزيج من الحبوب والمساحيق والأمصال لمدة تتراوح بين 24 إلى 36 شهرا وأحيانا لفترة أطول وهذا يتوقف على مدى فعالية العلاج. إنها عملية ممتدة وشاقة ومكلفة وأحيانا تصل التكلفة إلى عشرات الآلاف من الدولارات. وفي جورجيا وأذربيجان تتحمل السلطات نفقات العلاج على أمل السيطرة على المرض لكنها ما زالت تواجه تحديات كثيرة.
يقال أن السجون توفر على وجه الخصوص أرضا خصبة لنمو المرض وتفشيه بسبب الاكتظاظ وسوء التغذية ونقص الخدمات الصحية. كيف يتم التصدي لانتشار مرض السل في السجون الجورجية والأذربيجانية ؟
مما لا شك فيه أن السجون تشكل بيئة مواتية لانتشار مرض السل بسبب الاختلاط. فدائما ما تكاد تكون نسبة انتشار المرض في السجون أعلى من مثيلتها بين السكان المدنيين -- أحيانا تزيد عشرة أضعاف - نظرا للظروف المعيشية والتغذية والانتقال المتبادل للعدوى.
وبينما يمكن الزج بالأشخاص في زنزانة, لا يمكن الإبقاء على السل خلف القضب ان. فهو ينتشر مهما كانت الأسباب- ليصيب حارس السجن الذي ينقله بالتالي إلى منزله وعائلته التي لا تراودها أية شكوك بشأن إمكانية أن ينتقل المرض لها أو معتقل يتم إطلاق سراحه ويرى أنه من الصعب جدا الاستمرار في تعاطي الدواء بعد خروجه من السجن.
وعندما انهار الاتحاد السوفيتي انهارت معه أيضا البنى التحتية الطبية. ونتيجة لذلك , شهدت بلدان الاتحاد السوفياتي السابق زيادة حادة في عدد الحالات المصابة بالسل المقاوم للأدوية في التسعينيات. وكجزء من الأنشطة الإنسانية التي تضطلع بها اللجنة الدولية في البلدان المضارة من النزاعات المسلحة, تأتي الأنشطة المتعلقة بزيارة السجون للوقوف على ظروف الاحتجاز. وعندما بدأنا زيارة السجناء في أذربيجان وجورجيا في عام 1995, تبين لنا تفشي مرض السل بين النزلاء لذلك بدأنا العمل مع السلطات لتحسين سبل الكشف والعلاج والمتابعة.
كيف يمكن وقف قاتل لا يمكن الإبقاء عليه وراء القضبان؟
جواب: يتعين أولا التأكد من توفر الأدوات والموارد المناسبة لتحديد هذه المشكلة ومعالجتها. ففي جورجيا, قدمنا المساعدة من أجل وضع نظام للكشف المبكر وتشجيع تنفيذ استراتيجية المعالجة قصيرة الأمد الخاضعة للمراقبة المباشرة الخاصة بمنظمة الصحة العالمية وهو ما يعني أن يتناول المرضى الدواء تحت إشراف طبي. ونتيجة لذلك, جرى فحص أكثر من مائتي ألف من المعتقلين للتعرف على إصابتهم بمرض السل من عدمه وذلك في الفترة من 1998 إلى 2009. وجرى تشخيص المرض لدى حوالي 7.000 مريض وبدأ علاجهم.
بالإضافة إلى ذلك, فإننا قمنا بإدخال تحسينات كبيرة على 90 في المائة من الوحدات الطبية في جورجيا في السجون ومرافق الاحتجاز بما في ذلك مستشفى " ساني " للسل بالقرب من " تبيليسي " . وقامت اللجنة الدولية أيضا ببناء وتجهيز المختبر الكيميائي المرجعي الوطني للسل وساعدت في تدريب طاقمه.
وفي هذا الشهر, نقوم بتسليم الأنشطة المتعلقة بالاحتجاز ذات الصلة بمرض السل إلى السلطات الجورجية ولكننا سوف نستمر في تقديم الخبرة التقنية والدعم.
ماذا عن أذربيجان, والتي شهدت زيادة حادة في معدلات الإصابة بمرض السل المقاوم للأدوية المتعددة في السنوات الأخيرة؟
في أذربيجان, كنا نعمل على مساعدة سلطات السجون في تنفيذ برنامج لمكافحة السل على مدى السنوات الخمس عشرة الماضية. واليوم, تتاح لجميع السجناء في البلاد إمكانية التشخيص الحديث والحصول على الأدوية ذات الجودة العالية مجانا. ونتيجة لذلك, شهد عدد الوفيات جراء مرض السل في المؤسسة العلاجية الخاصة بالسجناء الواقعة بالقرب من " باكو " انخفاضا من نحو 300 حالة وفاة في عام 1999 إلى 20 حالة فقط في العام الماضي.
وقبل ثلاث سنوات تقريبا, قمنا بدعم جهود وزارة العدل في تنفيذ برنامج رائد لعلاج مرضى السل المقاوم للأدوية المتعددة. وشمل هذا البرنامج حتى الآن, أكثر من 220 سجينا. ونحن نعمل أيضا مع وزارة الصحة لتوفير العلاج لمكافحة السل المقاوم للأدوية المتعددة لدى الأشخاص المفرج عنهم. كما نقوم بتغطية مصاريف انتقال المرضى وتوفير الطعام ومواد النظافة لهم شهريا. ويتلقى حاليا 13 سجينا سابقا العلاج اللازم وأنا سعيد بإعلان أن سجينا سابقا آخر قد تماثل للشفاء تماما الآن.
ولكن في الوقت الذي حققنا فيه نجاحات على طريق مكافحة مرض السل في أماكن الاحتجاز, فإن أذربيجان مثل بلدان أخرى كثيرة, لا تزال تواجه تحديات كبيرة في ما يتعلق بعلاج السكان المدنيين بدءا من التشخيص السليم للحالات الجديدة وتوفير العلاج للتصدي لما يواجهه العديد من المصابين من وصمة وعزلة.
لا يزال هناك الكثير الذي يتعين القيام به في هذا المجال, ولكن ما زال يحدوني الأمل في أن يتقدم المجتمع الدولي ووكالات المعونة والسلطات المحلية كل عام خطوة جديدة نحو القضاء على مرض السل إلى الأبد.
-
شارك
|

