تشاد: إجراء عمليات جراحية لجرحى الحرب في شرق البلاد
20-05-2009 مقابلة
بعد مرور عامين على موجة العنف التي هزت شرق تشاد, مازال قرابة 160 ألف شخص نازح في المنطقة. فانتشار الأسلحة وخطر المواجهات الدائم بين الجيش التشادي وجماعات المعارضة المسلحة يغذيان جواً من انعدام الأمن والعنف يومياً. وفي "أبيشيه" يجري الفريق الجراحي التابع للجنة الدولية عمليات جراحية للمصابين بجراح خطيرة, وغالبيتهم من المدنيين. وفي ما يلي شهادة الدكتور علي التواتي العائد من مهمة دامت ثلاثة أشهر. جرت هذه المقابلة معه قبل المعارك التي دارت في بداية شهر أيار/مايو.
منذ عام 2006 وبسبب تصعيد القتال الداخلي في تشاد, بدأت اللجنة الدولية تقدم المساعدة للسكان في شرق البلاد, وذلك انطلاقاً من مدينة " أبيشيه " . وكانت فرقنا, ولاسيما الجراحية منها, التي تتخذ من العاصمة نجامينا مقراً لها, تأتي لأبيشيه خصيصاً, لفترة محددة بغية علاج الجرحى.
وبعد المواجهات التي وقعت في 2007 و2008, قررت اللجنة الدولية تعزيز وجودها في الشرق حتى تكون قريبة من الأشخاص الذين هم حالياً بحاجة إلى المساعدة ولكن أيضاً من المنطقة التي يخيم عليها خطر تحول النزاع إلى ما هو أسوأ. وللجنة الدولية حالياً بعثتان فرعيتان في " أبيشيه " و " قوز بيضه " , ومكتب في " أدريه " , بالإضافة إلى خمس قواعد للأنشطة الميدانية في " أديه " و " دوغدوريه " و " كاوا " و " قريضة " و " إيريبا " .
ذلك أن لا شيء تغير اليوم في شرق تشاد: فالاتفاقات المبرمة بين الحكومة والجماعات المسلحة ظلت حبراً على ورق بصفة عامة, ومازال التوتر قائما بوضوح. كما استمرت أعمال العنف بين المجتمعات المحلية وأصبح انعدام الأمن الناجم عن اللصوصية متوطناً. ومازال حوالي 160 ألف شخص نازحين وغير قادرين على العودة إلى ديارهم والعيش فيها بصورة دائمة.
بالإضافة إلى هذا مازال النزاعان في دارفور المجاورة وفي جمهورية أفريقيا الوسطى, بصورة أقل, يدفعان السكان إلى اللجوء إلى تشاد, مما زاد من الضغط على المرافق الصحية المحلية. وبالتالي كان من الطبيعي أن تعزز اللجنة الدولية أنشطتها هناك, خاصة لفائدة الجرحى الذين هم بحاجة للجراحة على عجل.
مَن هم المرضى الذين تجري اللجنة الدولية لهم عمليات جراحية؟
وبفضل حسن التنسيق مع الأطراف الإنسانية الأخرى العاملة بمجال الصحة في شرق تشاد, يمكن إحالة الطوارىء الجراحية من المنطقة برمتها إلى مستشفى " أبيشيه " كي يعالجها طاقمنا.
ما هي أسباب جراحهم؟
أنا شخصيا أجريت خلال ثلاثة أشهر عمليات جراحية في غرفة العمليات وتحت التخدير لقرابة 80 جريحاً في مستشفى " أبيشيه " . وكان زهاء 60 في المئة منهم مصابين بأسلحة نارية ولكن أيضاً بالسكاكين. ونحن نعالج الكثير من الناس ضحايا ضربات السكاكين في الصدر أو البطن.
أما الآخرون فهم غالباً من ضحايا حوادث المرور الذين يحتاجون إلى عمليات عاجلة وإلا فارقوا الحياة. فأكثر عمليات بتر الأطراف تجرى لهؤلاء المرضى. وبالتالي فإن مرضانا ليسوا جميعاً ضحايا مباشرين للعنف المسلح.
أين وكيف يعمل الطاقم الجراحي التابع للجنة الدولية؟
يتألف الطاقم من طبيب جراح وأخصائي تخدير وممرضان, واحد يعمل في غرفة العمليات الجراحية, والآخر يقدم العلاج في ما بعد الجراحة. يعمل الفريق بشكل رئيسي في مستشفى " أبيشيه " الذي من المفترض أن يكون مستشفى مرجعياً في منطقة شرق تشاد, التي يقدر عدد سكانها بزهاء مليون نصف المليون نسمة. ومن بين أهدافنا أن نجعله يؤدي دور المؤسسة الطبية المرجعية الإقليمية. وتجري اللجنة الدولية عمليات جراحية لجميع الجرحى بالأسلحة وحالات الطوارىء الأخرى التي يستقبلها المستشفى.
يتنقل الفريق استثنائياً عندما يتعذر على الجرحى ال مصابين بخطورة الوصول إلى " أبيشيه " ويستحيل على المنظمات الأخرى العاملة هناك علاجهم. فعلى سبيل المثال, وفي نهاية شهر شباط/فبراير تدخلنا في منطقة " إيريبا " قرب الحدود مع السودان. وبعد رحلة استغرقت ساعة واحدة فقط على متن طائرة اللجنة الدولية الصغيرة, بدلا من تسع ساعات بالسيارة, تمكنا من علاج 48 جريحاً بالأسلحة. أجرينا لهم عمليات جراحية لواحد تلو الآخر خلال أربعة أيام متتابعة.
وفي هذه الحالة يعمل الفريق باستقلالية تامة, حتى وإن كان يعمل بالتعاون مع الطاقم الطبي المحلي عندما يكون ذلك ممكناً. يسافر الفريق حاملاً معه المعدات اللازمة لإقامة غرفة للعمليات الجراحية في مركز للصحة الأولية على سبيل المثال.
وماذا عن تدريب الطاقم الصحي التشادي؟
نشارك في ذلك كلما أمكن, وخاصة بصورة غير رسمية. نحاول أن ننقل جزءاً من معرفتنا إلى الطاقم الطبي العامل في مستشفى " أبيشيه " أثناء زياراتنا إلى المرضى واجتماعاتنا اليومية.
اليوم يوجد عدد قليل من الجراحين في الجزء الشرقي من تشاد. وحتى وإن كان جميع الأطباء التشاديين يملكون القدرة على إجراء عمليات جراحية أساسية, كجراحة الفتق والقصيرية مثلا, فإنهم يفتقرون عامة إلى التدريب على العمليات الجراحية العاجلة أو إجراء عمليات جراحية لجرحى الحرب, وهي التي لها خصوصيات لم يتدرب عليها هؤلاء الأطباء.
ولكن سيرافق ثلاثة أطباء تشاديين عما قريب فريق اللجنة الدولية مدة ستة أشهر للتدريب على تقنيات جراحة الحرب. وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2008 نظمت اللجنة الدولية في نجامينا ندوة للتوعية بخصوصيات هذا النوع من الجراحة, شارك فيها قرابة 40 جراحاً وطبيباً مدنياً وعسكرياً يمارسون الطب في تشاد.
ما هي الصعوبات الرئيسية التي تواجهكم؟
صعوبة الوصول إلى الهياكل الصحية ولكن أيضاً عبء العادات التي تعرقل تقديم العلاج الجيد للمرضى. البعض يصل في حالة رديئة جداً, غالباً لأنهم لم يتلقوا العلاج المناسب بسبب بعد المسافات وقلة وسائل النقل, أو بسبب قلة المعلومات أو الإهمال. ولكن أيض اً لأنهم لا يصدقون أحياناً منافع الجراحة. جاء رجل يوماً ما للاستشارة الطبية وكان في حالة متقدمة من الغنغرينة. كان بإمكاننا أن ننقذ حياته ببتره. رفض. فتوفي في منزله بعد بضعة أيام.
غالباً ما يكون العاملون في مجال الصحة غارقين في مشاكل تتعلق بعدد المرضى وقلة الهياكل والأدوية والمعدات الطبية.
فقلة الطقم شبه الطبي, لاسيما أخصائيو التدليك, تعد مشكلة أخرى. ويضطر المرضى الذين هم بحاجة لإعادة التأهيل أو لجهاز اصطناعي للذهاب إلى نجامينا حيث يوجد مركز لتقويم العظام تدعمه اللجنة الدولية. ولهذا السبب تستعد اللجنة الدولية لتقييم الاحتياجات في مستشفى " أبيشيه " من حيث إعادة التأهيل في مرحلة ما بعد العمليات الجراحية. ومن شأن ذلك أن يؤدي إلى وضع برنامج خاص و/أو تدريب الموظفين المحليين في هذا المجال.
ما هي الصورة القوية التي ظلت عالقة بذهنكم خلال الأشهر الثلاثة التي قضيتموها في الميدان؟
في أحد الأيام وعند نهاية بعد الظهر, شاهدنا وصول شقيقين جُرحا بانفجار لغم مضاد للأفراد. وكانا برفقة والديهما. سافرا لمدة ثماني ساعات عبر طرق غير معبدة للوصول إلى " أبيشيه " . الأول كان في الحادية عشرة من عمره, وكان مصاباً بخطورة في ساقه ويده. أجرينا له عملية جراحية حتى وقت متأخر من الليل. ولم يكن أمامنا سوى بتر عدد من أصابعه. ولكن مع الحفاظ على قدرته على استخدام ليديه بصورة عامة. وسيحتاج قريباً لتطعيم حتى يكتمل علاج ساقه. أم شقيقه الأصغر البالغ ثماني سنوات فكان يعاني من جروح متعددة في جميع أجزاء جسده, لكنه تعافى بسرعة. وسأذكر دائماً ابتسامتهما التي استعاداها بعد أيام قليلة فقط من وقوع الحادث, وأيضاً سعادة والديهما.
-
شارك
|

