• ارسال
  • طبع

الأزمة الغذائية: التكلفة الإنسانية المتزايدة

27-05-2008 مقابلة

إذ تستعد الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر للعمل لمواجهة أزمة غذائية لم يسبق لها مثيل، تتحدث رئيسة وحدة الأمن الاقتصادي في اللجنة الدولية، السيدة "بربارا بويل سعيدي"، عن الأسباب الكامنة وراء هذه المشكلة والاستراتجيات اللازمة لتذليلها.

     

    © ICRC / T. Gassmann / V-P-PER-E-01300      
   
السيدة "بربرا بويل سعيدي"، رئيسة وحدة الأمن الاقتصادي في اللجنة الدولية      
        تصيب الأزمة الغذائية الكبرى التي استفحلت في الأشهر الأخيرة ملايين الأشخاص في مختلف أرجاء المعمورة وتشكل خطرا يهدد أعدادا أكبر من الأشخاص. وتتسبب الأسعار المتزايدة للمنتجات الزراعية الرئيسية, بالإضافة إلى زيادة غير مسبوقة في أسعار النفط, في مصاعب خطيرة, لاسيما بالنسبة لأشد الناس ضعفا. ولا أحد يعلم إلى أي مدى سترتفع أسعار الحبوب. وقد أثارت الأزمة الغذائية حوادث شغب في أكثر من 30 بلدا حتى الآن, في أفريقيا والشرق الأوسط وآسيا ومنطقة الكاريبي.

وجاء إعصار " نرجس " , الذي خلف دمارا كبيرا في ميانمار, ليفاقم من حالة البؤس السائدة هناك. وإذ تشعر الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر بالقلق حيال هذه التطورات الخطيرة, فهي تعمل على التعجيل باتخاذ الإجراءات اللازمة. تتحدث السيدة " بربرا بويل سعيدي " , رئيسة وحدة الأمن الاقتصادي في اللجنة الدولية, عن الأسباب الدفينة للأزمة والاستراتيجيات اللازمة لمعالجتها.

  ما هي أهم عواقب الأزمة على الأجلين القصير والمتوسط؟   

تقتضي الأزمة الغذائية, باعتبارها أحد جوانب الأزمة الاقتصادية الحالية, إجراء إصلاحات هيكلية أساسية من أجل استقرار الوضع على الأجل الطويل. أما على الأجل القصير, فإننا في حلقة مفرغة يتأثر فيها المستهلكون بطرق مختلفة. ويشهد كل يوم مظاهرات ضد ارتفاع الأسعار, وهو ما يثير جميع أشكال التوتر. ويجب ألا يغيب عن البال أن المستهلك العادي في البلدان المتقدمة ينفق حوالي 15 في المائة من دخله على الغذاء. وتصل هذه النسبة إلى 30 في المائة في البلدان الناشئة بينما يخصص أكثر من نصف دخل الأسرة, وحتى ثلاثة أرباعه, للغذاء في البلدان المتضررة من النـزاعات المسلحة والجفاف أو كوارث أخرى. ويؤدي حتما ارتفاع من هذا القبيل إلى تقويض الإنفاق على احتياجات أساسية أخرى, مثل الصحة أو التعليم. وشهد العديد من البلدان التي تنفذ فيها اللجنة الدولية عملياتها, تراجعا تدريجيا في مستويات المعيشة, تتمثل علاماته الرئيسية في بيع المجوهرات, واستنفاد المدخرات, وبيع الأرض أو وسائل إنتاج أخرى, وتراجع استهلاك المواد الغذائية الذي يمكن أن يؤدي إلى المجاعة.

وإذا لم تنظم عمليات تكييف هيكلي مهمة, لن يكون بمقدور صغار المزارعين الإفادة من الارتفاع الكبير الذي تسجله الأسعار حاليا بسبب العجز عن وصول مضمون إلى الأسواق الرئيسية.

ويواجه السكان الذين يكافحون للتغلب على آثار النـزاعات المسلحة وغيرها من حالات العنف عبئا إضافيا, كما هو الحال في تشاد والصومال واليمن وأفغانست ان وهايتي على سبيل الذكر لا الحصر. ويحتمل أن يتضرر المحتجزون إذا لم تعوض ميزانيات السجون عن الارتفاع في أسعار المواد الغذائية, وإذا فقدت عائلاتهم القدرة على مساعدتهم. وقد يتزايد أيضا اعتماد السكان النازحين والجرحى والمرضى على المساعدات.

  كيف ستساعد اللجنة الدولية السكان الأشد ضعفا المتضررين من النـزاعات المسلحة وأزمة أسعار المواد الغذائية؟  

في البلدان المتضررة من النـزاعات المسلحة وحالات العنف الأخرى, تقف اللجنة الدولية على أهبة الاستعداد لتعزيز استجابتها الإنسانية للاحتياجات الناشئة التي نجم عن ارتفاع أسعار المواد الغذائية أو تفاقمت بسببها. فاللجنة الدولية مثلا أطلقت منذ وقت قريب نداءً لجمع أموال إضافية لتوسيع نطاق عملياتها في اليمن والصومال.

وتحث اللجنة الدولية السلطات, وعلى وجه الخصوص المسؤولين عن تطبيق القانون, على حماية السكان من أي اندلاع ممكن للعنف يكون مرتبطا بارتفاع أسعار المواد الغذائية, واتخاذ جميع الإجراءات اللازمة للحيلولة دون الاستخدام المفرط للقوة في مواجهتهم للمظاهرات وأحداث الشغب. ويجب أن يتلقى المصابون في خضم حوادث الشغب العناية الطبية العاجلة, واللجنة الدولية مستعدة لدعم جمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر الوطنية في توفيرها الإسعافات الأولية للذين يحتاجون إليها.

  ماذا يعني ذلك بالنسبة للحركة؟  

يتأثر الموظفون المحليون العاملون مع اللجنة الدولية والاتحاد الدولي وموظفو الجمعيات الوطنية في البلدان التي تعاني من الأزمة, أو سوف يتأثرون, بصفتهم مستهلكين. والأشخاص الأكثر تعرضا لآثار الأزمة في كثير من الأحيان هم متطوعو الجمعيات الوطنية.

ومن حيث الاستجابة, يرجح أن تواجه طلبا أكبر من الوكالات الإنسانية لتلبية الاحتياجات العاجلة الناجمة عن الأزمة الغذائية.

ويجري في الوقت الحالي حوار بين اللجنة الدولية والاتحاد الدولي, من المنتظر أن يؤدي في وقت قريب إلى استراتيجية عامة للحركة.

  كيف يجري التنسيق داخل الحركة ومع الشركاء من الخارج مثل وكالات الأمم المتحدة المتخصصة؟  

نحن نحافظ على حوار مستمر مع برنامج الأغذية العالمي, وهو المقدم الرئيسي للمساعدات الغذائية على الصعيد الدولي. ويركز هذا الحوار على تحقيق التلبية الأنسب للاحتياجات بحيث لا تدخل اللجنة الدولية في نهاية المطاف في منافسة مع برنامج الأغذية العالمي. وفي الواقع, لا تشكل المساعدات الغذائية سوى جزء ثانوي من برامج المساعدة التي تنفذها اللجنة الدولية. كما أننا على اتصال منتظم مع منظمة الأغذية والزراعة, ونجري مشاورات خاصة مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومنظمة العمل الدولية, لا سيما في ما يتعلق بتطور سوق العمل (وتأثير التحضر عليه) في الأماكن التي تعمل فيها اللجنة الدولية. وتستطيع اللجنة الدولية بفضل هذه النقاشات صقل برامجها الاقتصادية الصغيرة من أجل تحسين دعمها لضحايا النـزاعات الذين فقدوا سبل كسب عيشهم لبدء مهنة جديدة أو مشروع تجاري خاص بهم. وهكذا, فإن توفير التدريب على الميكانيك الكهربائي إذا كان هناك نقص في المهارات في هذا المجال, يكون أنجع من التدريب على صنع الأحذية إذا كان هذا السوق يشهد تراجعا أو كان مشبعا. وتسعى اللجنة الدولية, داخل الحركة, إلى التنسيق بشكل منتظم مع الاتحاد الدولي, ومع عدد من الجمعيات الوطنية التي أعطت هذه المسألة أولوية في تنفيذ عملياتها.

  هل سيتعين على اللجنة الدولية أن تكيّف سياساتها في مجال الأمن الاقتصادي على ضوء الأزمة الغذائية, وكيف إذا كان الرد بالإيجاب؟  

كلا, لن يكون ذلك ضروريا في الوهلة الأولى. فالشغل الشاغل للجنة الدولية هو تحديد مكمن المشكلة داخل السلسلة الغذائية, ووقف دوامة التدهور من جهة, وإحياء اقتصاد الأسر من جهة أخرى. فعلى سبيل المثال, إذا كانت المواد الغذائية متاحة لكن بأسعار غالية جدا, على خلاف عدم توفرها تماما, قد يكون من المستحسن تقديم المساعدة النقدية أو قسائم لشراء المواد الغذائية بدلا من توفير المساعدات الغذائية المباشرة. وتمكننا هذه المعلومات أيضا من اتخاذ قرار بشأن ما إذا كان يتعين اتخاذ إجراءات على مستوى المنتج الصغير (الإمدادات) أو على مستوى المستهلك (الطلب). وفي هذا الصدد, لا يمكن أن تكون الاستجابة على الصعيد الإنساني إلا متواضعة, بالنظر إلى حجم الأزمة: فلا سبيل إلى توفير استجاب ة طويلة الأجل قابلة للاستمرار إلا من خلال عمليات التكييف الهيكلي. ولذلك, ينبغي أن يركز التغيير على حجم المساعدة المقدمة وليس على السياسات المعتمدة.

  هل ساءت الأوضاع بسبب إعصار "نرجس" الذي ضرب ميانمار؟  

إن هذا الإعصار كارثة بالنسبة للإمداد بالمواد الغذائية, فالمنطقة التي دمرها الإعصار في ميانمار تنتج أكثر من ثلاثة أرباع أرز البلد, ونصف دواجنه, وأدنى بقليل من نصف الخنازير. والإعصار لم يقض على حصاد الأرز الحالي تقريبا فحسب, وإنما أدى أيضا إلى تعطيل قطاع صيد السمك على نحو جسيم. ولا زال من المبكر جدا تقدير الأثر الكامل للعاصفة, لكن الضرر كبير, ويمكننا أن نتوقع حصول مشاكل طويلة الأجل, لا سيما في ما يتعلق بإنتاج الأرز.