النيجر/مالي: أزمة غذاء وصعوبات اقتصادية يصاحبها ضعف أمني
26-04-2010 مقابلة
يعيش النيجر ومالي, وهما من بين البلدان الأكثر فقرا في العالم, أزمة غذائية خطيرة تعود بشكل أساسي إلى شح استثنائي في الأمطار. وتساعد اللجنة الدولية عشرات آلاف الأشخاص في شمال هذين البلدين, حيث يعاني السكان, إضافة إلى ذلك, من أعمال العنف المسلح. ويشرح لنا في ما يلي السيد "نيكولاي بانكي", الذي تولى إدارة أنشطة اللجنة الدولية في النيجر ومالي خلال العشرين شهراً الماضية, الوضع في تلك المنطقة.
ماذا اختارت اللجنة الدولية مساعدة السكان في شمال النيجر ومالي‘ في حين أن الأزمة تصيب ملايين الأشخاص في هذين البلدين؟
تعاني هذه المناطق منذ بضع سنوات, من أعمال عنف مسلح متواترة بالإضافة إلى المعاناة من شح استثنائي في الأمطار منذ عام 2009. كما يعيش في هذه المناطق, إضافة إلى المزارعين, أعداد كبيرة من مربي الماشية الذين تصعب مساعدتهم لكونهم في أغلبيتهم من البدو. وأخيراً, إن الهيئات الناشطة في المجاليين الإنساني والإنمائي, بما في ذلك المنظمات غير الحكومية والهيئات المحلية, قليلة في تلك المناطق بسبب الانعدام الدائم للأمن ولا تتوفر لها سوى موارد محدودة.
أما اللجنة الدولية فتعمل في هذه المناطق منذ عام 2007 بهدف مساندة السكان المتضررين من أعمال العنف. وفي النيجر, تشمل هذه المناطق مناطق " آير " الجبلية في شمال " أغاديز " ومحافظتي " ولآم " و " فيلينغي " في منطقة " تيلابيري " في الشمال الغربي. وفي مالي, تشمل هذه المناطق تجمعات " انسونغو " و " ميناكا " في منطقة " غاو " ومنطقتي " كيدال " و " تومبوكتو " .
ويتمثل هدف اللجنة الدولية الأول في تمكين المزارعين من توفير قوتهم بين موسمي جني المحاصيل, أي خلال الفترة الفاصلة بين الموسمين وكذلك مساعدة مربي الماشية على الاكتفاء بما توفره لهم قطعانهم للعيش. وترمي اللجنة الدولية إلى المساهمة في استقرار الوضع الأمني وعودة النازحين من خلال تعزيز عودة النشاط الاقتصادي إلى ما كان عليه قبل أعمال العنف.
كيف يمكن تفسير أعمال العنف بين المجتمعات المحلية في هذه المناطق؟
تسكن في هذه المناطق عدة مجتمعات ومجموعات عرقية مختلفة, تتباين أنشطتها الاقتصادية وأنماط عيشها. فأغلبية أفراد قبائل " الجرما " مثلاً يعملون في الزراعة. أما قبائل " البيول " , ومعظمهم من مربي الماشية, فنمط عيشهم نصف بدوي, إذ أنهم ينتقلون بحثاً عن المناطق الرعوية.
بيد أن هذه المناطق توجد تحديداً على الخط الفاصل بين مناطق تربية الماشية في الشمال والمناطق الزراعية في الجنوب. وغالباً ما تكرر المنازعات على طول هذا الخط الفاصل. وهي في بعض الأحيان تدوم منذ سنوات عدة. ويكون المعنيون, في بعض الحالات, قد نسوا سبب الخلاف الأساسي, ويقعون عندها فريسة حلقة الثأر المفرغة.
ويعود جزء كبير من المشكلة إلى أن الطرق التي تسلكها الحيوانات المهاجرة ومناطق الرعي تبقى غير محددة مما يفتح المجال أمام تفسيرات متفاوتة من قبيلة لأخرى. وخلال موسم الأمطار (بين شهري حزيران/يونيو وأيلول/سبتمبر) يكون الناس منهمكين في العمل في الحقول وتكون المراعي أكثر انتشاراً. ويكون الضغط أقل وطأة على المجموعتين القبليتين والحياة أسهل على الجميع. أما في موسم الجفاف, فيدفع الضغط الاقتصادي البعض للدخول إلى أراضي الآخرين, أو التي يعتبرونها ملكاً لهم. وكان موسم الجفاف الممتد بين أيلول/سبتمبر 2008 وحزيران/يونيو 2009 عنيفاً جداً.
وعلى الرغم من ذلك, فقد خفّت حدة العنف بشكل ملموس منذ انتهاء موسم الأمطار الأخير. ومن هنا ينبع حرصنا على مساعدة السكان بغية تعزيز الهدوء النسبي الذي يسود حالياً, وخاصة بسبب الجفاف الذي قد يقود إلى المزيد من التفاقم في هذا التنافس التنازعي بين المجموعتين.
شهد كل من النيجر ومالي منذ عام 2007, سلسلة من المواجهات بين مجموعات مسلحة من الطوارق وقوى الأمن, فما كانت تداعيات هذه المواجهات على سكان المناطق المعنية؟
في النيجر, تسببت المواجهات التي شهدتها منطقة " آير " , شمال " أغاديز " بانتشار انعدام الأمن بالنسبة لجميع سكان المنطقة الذين يبلغ عددهم عشرات الآلاف من الأشخاص. وأغلبية هؤلاء السكان من الطوارق الحضر الذين يعيشون بشكل أساسي من تربية الماشية وزراعة الخضار. وغالباً ما توصف هذه المنطقة " بسلة خضار " النيجر, إذ أنها تغذي جميع أسواق البلاد. وتدهورت الحالة الاقتصادية بسبب صعوبة الإنتاج وصعوبة التنقل لبيع المنتجات في الأسواق, وخاصة بفعل استخدام الألغام المضادة للمركبات.
هذا وخلّفت الاشتباكات والعمليات العسكرية عدداً من القتلى والجرحى وتسببت بنزوح السكان. وترك ما يقارب 20000 شخص منازلهم ليحتموا في مناطق أقل عرضة للمواجهات. ووزعت اللجنة الدولية على هؤلاء النازحين لوازم منزلية أساسية ومعدات زراعية.
ومنذ صيف عام 2009, أي بعد توقف المواجهات ببضعة أشهر, عاد السكان إلى منازلهم. ولم يبق أحد من النازحين في المنطقة. وتساعد اللجنة الدولية السكان على استعادة حياة طبيعية, وإن كان لا يزال هناك حاجة لإعطاء هذا السلم الحالي طابعاً رسمياً لكي تصبح حالة الاستقرار فعلية ودائمة. وتأتي الآن الأزمة الاقتصادية لتزيد من الصعوبات التي يواجهها السكان.
أما في مالي, فتسبب انعدام الأمن في منطقتي " كيدال " و " غاو " , التي يقطنها بشكل أساسي مربو الماشية من البدو, في فقدان السكان لجزء من قطعانهم.
وإلى أي حد تؤثر الألغام في النيجر وخطف الأجانب في مالي على العمل الإنساني؟
في منطقة " آير " النيجيرية, زرعت المجموعات المسلحة المختلفة عدداً كبيراً من الألغام المضادة للمركبات. وتسبب ت هذه الألغام بقتل وجرح مئات الأشخاص, المدنيين والعسكريين, وهي لا تزال توقع حوادث مختلفة حتى الآن. وتحدّ هذه الألغام من القدرة على التنقل في المنطقة وتؤثر على الاقتصاد المحلي وعلى الهيئات الإنسانية في آنٍ معاً. ونحن في اللجنة الدولية مثلاً لا نسلك سوى بعض الطرق الرئيسية ونتوخى حذراً شديداً.
ومن الضروري جداً تحديد المناطق الملوثة والشروع في نزع الألغام منها بغية فتح المجال أمام السكان ومنظمات العون للتنقل بحرية. لكن المشكلة تكمن في أن نزع الألغام مكلِف, في حين أن النيجر يعاني من نقص كبير في الموارد المالية. ولهذا السبب, تسعى اللجنة الدولية لإقناع المؤسسات المانحة بإعارة الاهتمام لهذا البعد من المشكلة. كما أن من شأن نزع الألغام المساهمة في دعم عملية الاستقرار التي انطلقت.
وفي ما يتعلق بخطر الخطف, فهو يسود جميع أنحاء منطقة الساحل. وبالفعل, غالباً ما تُنقل الرهائن إلى شمال مالي حيث يحتجزها الخاطفون. وهذا هو السبب الرئيسي الذي دفع جميع المنظمات الإنسانية إلى مغادرة المنطقة, ما عدا اللجنة الدولية التي قررت على الرغم من ذلك, البقاء والعمل على مساعدة السكان المحليين من خلال مكتبها في " غاو " .
هل تمكنت اللجنة الدولية من رؤية الأشخاص الذين أوقفوا إثر الانقلاب الذي حدث في النيجر في شهر شباط/فبراير 2010؟
تمكّنا اعتباراً من 22 شباط/فبراير, أي بعد أربعة أيام على الانقلاب, من زيارة الأشخاص الذين سُلبوا حريتهم بسبب هذه الأحداث, ومن بينهم الرئيس السابق " تانجا " وعدد من وزرائه. وقد قابلناهم مرات عدة منذ ذلك التاريخ. وأود التذكير بأن اللجنة الدولية تقوم منذ عام 2004 وبشكل منتظم بزيارة آلاف السجناء في مختلف سجون البلاد. كما نساهم في إعادة تأهيل البنى التحتية الصحية في تلك السجون وفي تدريب مديري السجون. وتهدف جميع هذه الأنشطة إلى إضفاء المزيد من الإنسانية على الحياة في السجون النيجيرية, وإننا نحظى بتعاون تام من إدارة السجون.
يمر في هذه المناطق عدد من المهاجرين القادمين من البلدان المطلة على ساحل الأطلسي وبلدان أفريقيا جنوب الصحراء بشكل عام. فما هي الخطوات التي تقوم بها اللجنة الدولية لمساعدة هؤلاء المهاجرين, الذين غالباً ما يعيشون ظروفاً صعبة؟
إننا نقوم بالتعاون مع الصليب الأحمر المالي باستقبال المهاجرين الأفارقة الذين يُطردون عند نقطة " تين زواتن " الحدودية في شمال مالي, وهي منطقة صحراوية تشهد حالة مزمنة من انعدام الأمن. وتأتي أغلبية المهاجرين من الكامرون ونيجيريا وبنن وتوغو, بحثاً عن فرص عمل في بلدان شمال أفريقيا أو أوروبا.
ومن بين هؤلاء المهاجرين أشخاص يعيشون حالة من الضعف الشديد ويعانون من الإرهاق الجسدي والنفسي. ويكون بعض هؤلاء المهاجرين قد قضوا عدة أسابيع في الحجز قبل أن يتم طردهم. ونحن نوّفر لهم الطعام والرعاية الصحية الأساسية. كما أننا نتولى نقل الأشخاص الأكثر استضعافاً, مثل النساء والأطفال والمسنين, أو الجرحى والأشخاص الأكثر عوزاً, إلى مدينة " غاو " , التي تبعد 700 كلم عن الحدود جنوباً. وهناك, يمكن لهم الاستفادة من البنى التحتية المتوفرة في المدينة أو اللجوء إلى المنظمات الخيرية التي تتولى مساعدتهم. وما يهمنا هو مساعدتهم على مغادرة المنطقة المعزولة التي يطردون إليها والمحافظة على كرامتهم.
-
شارك
|

