• ارسال
  • طبع

منع المعاناة والحد منها عند نشوب النزاع : دور مهنة الطب

30-09-2000 مقال، المجلة الدولية للصليب الأحمر، العدد 839، بقلم فيفيان ناثانسون

الأستاذة فيفيان ناثانسون هي رئيسة مجموعة الموارد والبحوث المهنية, بالجمعية الطبية البريطانية, المملكة المتحدة.

إن دور مهنة الطب هو منع المعاناة والحد منها ; ويحدد تخصص الممارسين, من خلال القيام بأدوار مختلفة من أجل الأفراد, شكل دورهم في هذه المهمة الكلية. وتحديد النزاع كسبب لهذه المعاناة يمكننا من دراسة دور الأطباء الأفراد ومجموعات الأطباء في القيام بالمهام التي تختص بها حالات لنزاع.

لقد عبر الأفراد على مر التاريخ عن الأمل, وفي بعض الأحيان التوقعات, بأن يتجاوز الإنسان – اجتماعياً وسياسياً – الحاجة إلى المنازعات أو الرغبة في المشاركة فيها. ومن المثير للحزن أن هذه الآمال والتوقعات تتجاوز الحقيقة كثيرا. ويشعر معظم المراقبين أن عدد المنازعات يتصاعد. إن هذا ربما يكون, على الأقل إلى حد ما, ظاهرة من صنع الإنسان ناتجة عن إمكانية وصول كافة أجزاء الكرة الأرضية إلى التلفاز وإلى أطقم الأخبار الأخرى, وهذا يوضح كذلك الحاجة ليس فقط إلى العمل من أجل خفض معاناة هؤلاء المتضررين بصورة مباشرة أو غير مباشرة, ولكن كذلك الحاجة إلى إمعان النظر في فعالية العمل الذي يقوم به الفاعلون المعنيون المختلفون.

إن طبيعة النزاعات تتغير كذلك. فالحرب لم تعد تدار رحاها في الميادين الأجنبية البعيدة ولكن على أرض الوطن, وفي كافة أنحاء المدن الصغيرة, والمدن, والريف المحلي, وغالباً ما تكون الجيوش مجموعات غير نظامية مكونة من أفراد مدربين بصورة سيئة, وهناك أوجه واضحة قليلة تميز المقاتلين عن غير المقاتلين.

قوانين الحرب – أو القانون الدولي الإنساني – التي ترسخت على مر الأجيال تلقى الازدراء كثيرا, بسبب الجهل بنفس الدرجة التي تزدرى بها بسبب سوء القصد.وفي كافة المنازعات الأكثر من اللازم يتعرض دور الأطباء والعاملين الآخرين في مجال الرعاية الصحية, وهو الدور الذي يهدف القانون الدولي الإنساني إلى حمايته, للتهديد ويشك في وضعهم المحايد. وحتى رموز الصليب الأحمر والهلال الأحمر, التي تحدد تلك الأماكن التي يجب أن تظل بعيدة عن الانتهاك, تستهدف بصورة متزايدة, وفي هذا الوقت من التوتر الدولي والتوتر في داخل البلدان وتناقص الاهتمام بالمعايير القانونية المهمة, يتعرض دور مهنة الطب لتقليل وتخفيف المعاناة لضغوط كبيرة.

  لماذا هذا الدور لمهنة الطب ؟  

عند دراسة الدور الذي يمكن ويجب لمهنة الطب أن تلعبه في منع المعاناة والحد منها إذا نشب النزاع, يهمنا مراعاة ماهية مهنة الطب, ومدى إمكانية وصول أعضائها إلى صانعي القرار, وما هي المعرفة أو الخبرة الخاصة التي يجيئون بها معهم. وفي نفس الوقت فإنه يجب استكشاف طبيعية المنازعات وجعلها مرتبطة بالمهارة الفنية للأطباء, والفرص التي ربما يجب عليهم أن يتدخلوا فيها. ويجب إدراك أن الأطباء ربما يشعرون بأنه تم تجريدهم من حقوقهم المدنية من منطلق دورهم المحتمل في النزاع. وربما يخدعون – وعادة ما يكون ذلك بدرجة كبيرة – بالمكون السياسي. إنهم دائماً تقريباً يكونون على غير دراية بالقانون الدولي الإنساني, وبالمؤسسات التي يمكنها أن تساعدهم في القيام بعمل في ظل ذلك النظام القانوني, وربما تتاح أمامهم إمكانية محدودة فقط للوصول إلى أنماط البيانات التي يمكن أن تجعلهم أكثر فعالية في دورهم في خفض ومنع المعاناة.

ومن الأساسي كذلك فهم أن العديد من الأطباء سيتجنبون السعي إلى خوض هذه الدوائر الصعبة أو إبداء الرأي بشأنها. إنهم ربما يشعرون أنه تنقصهم المهارة الفنية المطلوبة وأن الأمر يرجع للآخرين الذين يتمتعون بالمعرفة المحددة والمهارات المتخصصة لكي يقوموا بالعمل. وإذا كان أريد قيام عموم الأطباء بدور عام أكبر, وجب تمكينهم من استخدام معرفتهم, ويجب إزالة مخاوفهم من مغامرة الدخول إلى مجالات غير معروفة. و على الذين يرغبون في جعل الأطباء يشاركون بصورة أكمل وممارسة الأطباء لسلطتهم وتأثيرهم أن يتعاملوا أولاً مع هذه المخاوف.

وسأحاول لدى طرح أفكاري عن مهنة الطب أن استكشف هذه المجالات من أجل تحديد الفرص وفي الواقع المسؤوليات. وسأحاول كذلك أن أحدد المجالات التي اتخذت مبادرات فيها, والمجالات التي تبدو الظروف فيها مناسبة لمبادرات جديدة.

سأتحدث بشكل أساسي عن الأطباء. لكن الأطباء مجرد فئة واحدة من المهنيين العاملين في الرعاية الصحية, ولديهم جميعاً مهام وفرص متشابهة ومرتبطة بعضها ببعض. لذلك فبينما سيتعلق بعض مما أقوله بصورة خاصة بمعرفة الأطباء المحددة ووضعهم في المجتمع, فإن أكثر من ذلك كثيرا سينطبق على كافة المهنيين الصحيين الآخرين.

إن الدور الأول الذي يجب أن يؤديه المهني الطبي هو أن يوضح العواقب الصحية للمنازعات. إن هذه العواقب يمكن أن تمتد إلى أجيال عديدة. ويجب أن يشجع الأطباء حل النزاع, وأن يدعموا الذين يحاولون تفادي الحرب. وفي قيامهم بذلك يكون من المناسب تماماً بالنسبة لهم أن يكونوا واضحين بشأن طبيعة المعاناة التي تسببها المنازعات. ويجب أن يكونوا مستعدين لتحدي مفاهيم مثل " الضربة الجراحية " ولتوضيح الموت, والمرض والإعاقة التي ستتبع استخدام الأسلحة, سواء كانت أسلحة " عالية التقنية " أم لا. 

  الأطباء والسياسة  

إن العمل الذي يؤديه الأطباء يتوقف على إذا ما كان لهم دور سياسي كمجموعة, أو إذا كانوا ينظرون إلى دورهم على أساس أنه يقتصر فقط على تقديم المشورة في قضايا الرعاية الصحية. وفي الممارسة, يجب على الأطباء كذلك أن يضعوا في اعتبارهم كيف يجب أن يقدموا المشورة, وأن يحاولوا التدخل في حل النزاع. وبصفتهم أفراداً ربما يشعرون أنه لا يوحد ما يمكنهم تقديمه, ولكن بصورة جماعية يكونون قادرين على إضافة أصواتهم إلى نهج يضم جميع المهنيين, وهذا له بالضرورة آثار بالنسبة للمجموعات التي ينضم إليها الأطباء – جمعياتهم المهنية الوطنية والجمعيات المتخصصة. إن هذه المنظمات يجب أن تستجيب لرغبات أعضائها; وبين الحين والحين على الأطباء أن يحثوا هذه المنظمات على تناول قضايا جدي دة. إن العاملين منهم في هذه المنظمات, كموظفين أو كممثلين منتخبين, يجب أن يبحثوا عن فرص لتقديم " الدليل " المهني, والتعاون مع المنظمات الشقيقة من أجل ضمان أن المشورة أو الدليل المقدم متماسك, وشامل ومقنع.

إنه ببساطة ليس مقبولاً أن تلقي منظمات الأطباء على الآخرين بمسؤولية إيجاد الفرص للتحدث جهراً, أو للسعي للتأييد, أو للقيام بحملة أو التأثير بخلاف ذلك على صانعي القرار. إن الأطباء أظهروا في مجالات عديدة قدرتهم على التأثير في الرأي العام. وبصفتهم أفراداً, , يلقون الاحترام من الشعب في معظم البلدان. إنهم من أفضل أعضاء المجتمع تعليماً, وينالون أفضل الرواتب, وتعليمهم ومعرفتهم رابطة مشتركة بينهم, ومن ثم فهم قادرون طواعية على تنظيم أنفسهم كمجموعة, وبصفة خاصة لاستكشاف العلم والطب, ويجب استخدام هذه العوامل لمصلحة " الصحة العامة " , التي يجب أن تشمل السعي للتأييد والتدخلات الأخرى من أجل ضمان فهم السياسيين وعامة الناس لطبيعة المعاناة الناتجة عن النزاع. ويجب على الأطباء كذلك أن يبحثوا عن الفرص من أجل التنبؤ بالمعاناة المحتملة وخفضها كذلك.

في بعض الأحيان يصرح الأطباء بعجزهم عن المشاركة في إعداد الحملات ضد النزاع, أو ضد أسلحة معينة, أو في الوقع لمعايير معينة في المساعدة الإنسانية لأنهم يقولون أنهم ليسوا " مؤهلين " أو خبراء. ولكن هذا لا يوقف الأطباء عن مناقشة التدخين, أو مرض الإيدز (فيروس نقص المناعة) والسياسة العامة. إنهم ببساطة يحتاجون إلى أن يروا أن النزاع والأسلحة هما موضوعان يعالجان من منظور واضح للصحة العامة.

إن الأطباء الذين يحجمون عن المشاركة في هذه المناظرة يجب أن يدركوا أن إحجامهم هذا سوف يكون محل ترحيب ممن يرغبون في إبقاء الحجج الإنسانية في الخلفية أو الراغبين في زيادة الخوف, والتحيز والغضب وهي متطلبات رئيسية للدعم العام للنزاع. وفي السنوات الأولى لكل من حرب فوكلاند وحرب الخليج, لم يلق الذين حذروا في المملكة المتحدة من أن القوات البريطانية ستتعرض للإصابات حتماً أو للموت أي ترحيب. إن الفهم الواضح لأوجه القسوة والمعاناة الناتجة عن النزاع لا تؤدي إلى الدعم العام للذين يرغبون في المشاركة في النزاع, وفي تلك المرحلة لا تناسب النداءات الإنسانية والدعوات للحذر غرضهم.

  استخدام المعرفة الطبية في المنازعات  

     

سواء كان الأطباء والمهنيون الطبيون الآخرون يريدون الدور أم لا, فإن من المحتوم أن مهاراتهم ومعرفتهم ستلعبان دوراً ما في المنازعات. ومن خلال تخفيف المعاناة المباشرة للمقاتلين في ميدان المعركة, وعن طريق تقليل عدد الجثث, ربما يكون بمقدورهم جعل الحرب مقبولة بدرجة أكبر. ويقال إنه خلال حرب فيتنام كان الدعم العام للرسالة المناهضة للحرب متصلاً بشكل مباشر بعدد أكياس الموتى التي شحنت إلى الوطن. وإذا كانت الرعاية الطبية أقل تنظيماً كذلك, وأقل فعالية وأقل نجاحاً, أصبح عدد القتلى من المقاتلين أكبر وربما رفضت الحرب من قبل الشعب على نطاق أوسع في مرحلة مبكرة. ومن المتفق عليه من قبل العديد من المنظمات الطبية أنه في الحالات التي يرى فيها الأطباء الأفراد الذين كانوا عرضة لعمليات عقاب من قبل الأصوليين, لا يجب أن يتعاونوا من أجل تخفيف المعاناة, على سبيل المثال من خلال القيام بعمليات البتر بشعائر معينة. ولم يقترح أحد أن يتخذ الأطباء نهجا مماثلا إزاء الحرب بالامتناع عن تقديم الرعاية; ولكن الضروري هو أنه يجب أن يكونوا صرحاء للغاية أمام الشعب بشأن المعاناة التي يرونها ويعالجونها.

إن الأطباء موجودون في وضع فريد من أجل مراقبة تأثيرات النزاع على السكان جميعاً, بالإضافة إلى تحديد الأشخاص الأكثر تضرراً. والعاملون في مجال الرعاية الصحية, وبصفة خاصة الأطباء, هم الذين يقومون بالتوقيع على شهادات الوفاة, وهم الذين يعالجون الجرحى ويسجلون سبب وأثر الإصابة. وهم يتتبعون كذلك ويعالجون الأوبئة والأمراض الناتجة عن الحرمان, سواء كان بسبب الفقر أو لأسباب اجتماعية, وهم يفعلون ذلك بالنسبة للمقاتلين وغير المقاتلين على حد سواء. والأطباء معتادون على التعامل مع الإحصاءات, وبصفة خاصة البيانات الوبائية. إن هذه الإحصاءات تحتاج إلى تفسير دقيق. وهناك الكثير من الأشياء المشتركة بين تفسير البيانات الوبائية العامة وتفسير الاتجاهات في إصابات الأسلحة.

  الحياد الطبي  

عندما يقوم الأطباء بعلاج الجرحى فإنهم يكونون مضطرين أخلاقياً لعمل ذلك بدون أي اعتبارات خاصة بالنوع, أو الجنس, أو الجنسية, أو الديانة أو الآراء السياسية للشخص الجريح, أو أي معايير أخرى. وبسبب الالتزام بتقديم الخدمات إلى كل من يكون في حاجة إلى المساعدة, فإن مفهومي عدم التحيز الطبي والحياد الطبي ظهرا إلى الوجود. ويقضي ذلك, من منطلق القانون الدولي الإنساني, بألا ينظر إلى العاملين في مجال الرعاية الصحية ومؤسسات الرعاية الصحية كأهداف مشروعة. لكن أحد التغييرات الملحوظة على مدى العقد الماضي كان تدهور احترام دورهم, والاستهداف المتعمد للأطباء والمستشفيات في المنازعات الحديثة. وعندما تتعرض الرعاية الصحية ومقدموها للخطر بهذه الطريقة, فإن الوكالات التي توفر العاملين في مجال الإغاثة ومنشآت الإغاثة ربما تضطر إلى إعادة النظر في القيام بذلك. وفي رواندا, والبوسنة والهرسك, وكوسوفر كان هناك دليل واضح على استهداف الأطباء والمنشآت الطبية. وظهرت مشاكل شبيهة في سيراليون, وتيمور الشرقية, والشيشان, حيث تعرض المهنيون الصحيون للاعتداء إلى جانب المدنيين الآخرين. واستهدفت السلطات الأطباء الذين كانوا يقومون بواجبهم الأخلاقي بممارسة مهاراتهم بدون تمييز.

قدم نزاع كوسوفر دراسة حالة شاملة توضح كيف يمكن للعاملين في المجال الصحي أن يستمروا في القيام بعملهم طبقاً لالتزاماتهم الأخلاقية, وكيف أنهم تعرضوا للاعتداء بسبب قيامهم بذلك, وكيف أنهم في نهاية الأمر أصبحوا أهدافاً للنيل منها. وفي نفس الوقت, تبين المنازعات في يوغوسلافيا السابقة كيف حدث انتهاك لحياد وسلامة مؤسسات الرعاية الصحية بطريقة منظمة. ويعكس ذلك جزئياً مشاكل القانون الدولي الإنساني الذي يعكس بدوره طبيعة المنازعات التاريخية بين الدول. وهناك حاجة واضحة إلى تغطية أوضح في القانون الإنساني للصعوبات التي تظهر عندما تدور الحرب في داخل الدولة, وحتى عندما تقع المنازعات خارج نطاق اتفاقيات جنيف لعام 1949, فإن واجبات الأطباء تظل محكومة بالمدونات الأخلاقية الدولية. وعليه, فإن الأطباء ملزمون بدرجة متساوية بمساعدة كافة المرضى بغض النظر عن جنسيتهم, وسياستهم, وجنسهم, وديانتهم, إلى آخره, في الواقع بغض النظر عن سلامتهم الشخصية نفسها. ولكن الحماية التي توفر لهم من قبل القانون العرفي والمعاهدات الدولية ربما تكون محد ودة.

إن أفراد القوات المسلحة للدول والجماعات المتمردة في اللآونة الأخيرة بحياد مؤسسات الرعاية الصحية التي تمنح الحماية بموجب اتفاقيات جنيف والقانون الدولي العرفي. وفي النزاع في سيراليون, ذكر أن قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (من نيجيريا) قد اقتحمت مستشفى وأعدمت نحو 28 مريضاً, من بينهم طفلان, كان يشتبه أنهم متمردون. إن حقيقة أن قوات المتمردين قد ارتكبت بشكل واضح أعمالاً عدائية شبيهة ليس دفاعاً. فإذا تجاهلت القوات التابعة للأمم المتحدة القانون الدولي الإنساني فلا يمكن أن يكون هناك أمل في أن يحترمه الآخرون.

وهناك غاية من الحياد الطبي. إنه ينفذ التقليد الأخلاقي الهيبوقراطي في الطب. ومن خلال القيام بذلك, فإنه يعترف بأنه يمكن التخفيف من المعاناة الناتجة عن الحرب عن طريق حماية الأفراد العاملين في المجال الطبي والمنشآت الطبية التي يمكنهم أن يعملوا بها. ويجب على الأطباء لذلك أن يشاركوا في حملة نظامية من أجل إقناع الدول بالاعتراف صراحة بأهمية الحياد الطبي, بغض النظر عن الظروف السياسية التي يجدون أنفسهم فيها.

وبسبب القلق إزاء العدد المتزايد من انتهاكات الحياد الطبي, كان عدد من مهنيي الرعاية الصحية ومنظمات حقوق الإنسان يعملون لبعض الوقت من أجل تأييد استحداث منصب "  مقرر خاص " بشأن انتهاكات الحياد الطبي في في إطار منظومة الأمم المتحدة. إن الفكرة من وراء ذلك هي جمع البيانات عن الانتهاكات وتقصى كيف ومتى تحدث. ويجب أن تكون هناك كذلك إمكانية للقيام بعمل ضد الدول التي تسمح بحدوث الانتهاكات. إن مثل هذا المقرر سيبنى عمله على المدونات الأخلاقية الطبية الموجودة. إن مستوى الدعم لهذا المفهوم يتزايد - ربما يعكس بشكل مباشر الاعتراف المتزايد بحدوث الانتهاكات. إن مجرد الاعتراف صراحة بالحياد الطبي بهذا الأسلوب من شأنه أن يحسن مركزه ويزيد من احترامه.

ومن الواضح أن جمع البيانات من قبل مقرر يتطلب عمل كافة المهنيين الصحيين. أولاً, يجب عليهم أن يستمروا في تنفيذ التزاماتهم الأخلاقية. وثانياً يجب أن يبلغوا عن أي انتهاكات بطريقة منهجية, ويسجلوا دور الدولة أو الجيش أو الآخرين في التسبب في مثل هذه الانتهاكات.

وبعيداً تماماً عن انتهاكات الحياد وحتى معاملة الأفراد, فإن الأطباء يرون تنوعاً عريضاً من الأمراض حول مناطق النزاع. إن الكثير من الحالات المرضية وحالات الوفاة في النزاع - المعاناة - تنبع من تأثيرات الصحة العامة " التقليدية " للأعمال العدائية. وفي أوقات النزاع, حتى إذا لم ينزح السكان المدنيون, يحدث غالباً تعطيل لنظم إمدادات المياه والصرف الصحي, وإمدادات الكهرباء, ومن ثم التدفئة والإضاءة والتبريد وتكييف الهواء. إن إمدادات الغذاء تتعطل كذلك. وفي كثير من البلدان يعني هذا أيضاً اختفاء مصادر دخل المزارعين. وكل ذلك يثير احتمال المرض الوبائي, وبخاصة أمراض الإسهال, إلى جانب الأمراض القاتلة الأخرى للصغار الضعفاء والمسنين. ولابد أن يشارك الأطباء في التخطيط لمنع انتشار هذه الأمراض بين السكان غير المقاتلين, وفي حالات عديدة بين السكان النازحين.

  الدروس الطبية للنزاع  

حتى عندما ينكر الأطباء على أنفسهم دوراً في السياسات المحلية أو الوطنية أو الدولية, فإن مهنة الطب كانت دائما منخرطة في المنازعات. وعلى مدى التاريخ, قدم المطببون, وفيما بعد العاملون في مجال الرعاية الصحية المدربون بمختلف أنواعهم المساعدة للمصابين في المعارك. ومنذ معركة سولفربنو, يؤدي العاملون في مجال الرعاية الصحية دورا متعاظما في مساعدة الأشخاص الذين ينزحون بسبب الحرب. ويعكس تطور الخدمات تطور التدريب لمختلف فئات العاملين في مجال الرعاية الصحية.

وفي بعض الحالات, أوقدت المنازعات تطورات مكثفة فيما يتصل بنوعية التدريب, أو تقديم الخدمات أو البحث الطبي البحت. إن ملاحظة فلورنس نايتنجال عن ضعف تنظيم ومستوى تقديم خدمات التمريض للجنود الجرحى في حرب القرم كان لها تأثير دائم على تدريب الممرضات, على الأقل في المملكة المتحدة. وكانت الحاجة إلى مساعدة عمال الصيانة المصابين بحروق بالغة في الحرب العالمية الثانية عاملاً رئيسياً في تطوير معالجة الحروق, وجراحات التجميل التعويضية.

ورغم هذه الأمثلة للتعامل مع الأزمات, فقد خصص وقت قليل بدرجة مفرطة لدراسة ما كان يمكن القيام به بصورة أكثر منهجية من قبل العاملين في مجال الرعاية الصحية, وبصفة خاصة المهنة الطبية, من أجل تقليل وتخفيف المعاناة المتأصلة في النزاع.

ومن البديهي أن تنتج عن الحرب وفيات, كما أنها تسبب المعاناة بنفس القدر. وهناك عدد من الأسباب لتلك المعاناة تتعلق بشكل مباشر أو غير مباشر بطبيعة الحرب, والأسلحة المستخدمة فيها, ومدتها, والخطوات التي تتخذها الحكومات والسلطات الأخرى للتخفيف من آثارها. وما لم نحدد أولاً وندرس العوامل فلن يكن بمقدورنا القيام بالكثير لتخفيف المعاناة أو الحد منها. والخطر أكبر بالنسبة للموجودين داخل أو بالقرب من مناطق القتال الفعلي; ومع ذلك, فإن طبيعة الحروب الحديثة تعني أن الأشخاص المعرضين للخطر يكون بينهم من لم يغادروا بيوتهم. ولا نبالغ إذا قلنا أن حروب اليوم لا تدور في ميادين المعرارك البعيدة, ولكن حول المدن والقرى التي يعيش فيها الشعب.

إن الكثير من المعاناة ووفيات كثيرة هي نتيجة مباشرة للأسلحة. والدور التقليدي للطبيب في الاستجابة إلى ذلك كان دراسة آثار السلاح من حيث الإصابات التي تحدثها وإعداد الاستجابات المناسبة للتعامل مع تلك الإصابات. ومن ثم, فإن الطب في النزاع قد درس آثار الحروق ووضع أسليب للتعامل معها وإعادة بناء الأنسجة التالفة بعد ذلك. وبنفس الطريقة, فإن الجراحين في المنازعات حققوا تقدماً هائلاً في معالجة الحروق, وإصابات الطلقات, والإصابات الناجمة عن الألغام الأرضية إلى آخره. وفي المملكة المتحدة, من المعترف به أن بعضاً من أهم التطورات في معالجة الصدمات النفسية قد أتت من شمال أيرلندا, حيث نتجت إصابات غالبا من الحوادث التي شملت تفجيرات القنابل و " إطلاق النار العقابي " اللذين كانا جزءاً مما كان يسمى " الاضطراب " .

وفي بعض البلدان, يمكن أن يشمل النزاع الاستهداف المنظم لبعض الأفراد وتعريضهم لعمليات العقاب الشعائرية. وربما يكون النزاع بين أناس ينتهجون معتقدات أصولية وأناس يتبنون نظاماً لا يغالي في إطلاق السلطة للحاكم. إن الأنشطة الطبية في أي من الجانبين يمكن رؤيتها كدعم لقضيتهم بدرجة أكبر من رؤيتها كمظهر لعدم التحيز. وفي هذه الظروف يضطر الأطباء أن يقرروا ما إذا كانوا ينضمون إلى الفريق الذي يطبق العقوبات أو يعارضونه. وقد كانت هذه المشكلة بالغة الأهمية للأطباء العاملين في الوكالات المختلفة في أفغانستان. هل يجب عليهم أن يساعدوا حركة طالبان في القيام بعمليات البتر العقابية بموجب الشريعة, هل ينبغي لهم معالجة السجناء بعد ذلك, أو تبني وجهة نظر متزمتة ترفض تقديم المساعدة بأية طريقة من منطلق أن ذلك يمكن أن يزيد معدلات المرض والوفيات. وبحثا عن حلول لهذه المشكلة, لا تقتصر الوكالات في الواقع على دراسة الفرد الذي يعاقب وحسب, ولكن أيضا التأثير الذي ربما يحدثه رفضهم في عمليات المعاقبة مستقبلا.

وعلاوة على ذلك, فإن الأطباء الذين يقدمون المساعدة الطبية في مناطق النزاع يصبحون على دراية بالإساءات ضد حقوق الإنسان. إن وجود محكمتي الجرائم الدوليتين بشأن يوغوسلافيا ورواندا, ومستقبلا المحكمة الجنائية الدولية, يعني أن الأطباء ربما يجب أن يكونوا مستعدين لتقديم الدليل. وبالتأكيد, فإنه يمكن استخدام بياناتهم الوبائية في إعداد الدليل لإظهار ما إذا كانت أشكال معينة من إساءة المعاملة مخططاً وقد ترقى في الواقع إلى جرائم الحرب. وبينما ربما يكون جمع البيانات ممكناً, تواجه الوكالات مأزقاً آخر في قيامها في دراسة متى يمكنها التحدث علانية عن الإساءات التي تلاحظها. إن التحدث علانية في وقت مبكر ربما ينبه الوكالات الأخرى, وفي الواقع الأمم المتحدة, إلى ضرورة التدخل, ولكنه ربما يؤدي كذلك إلى طرد الوكالة, وزيادة مستوى المعاناة العالمي.

وبالإضافة إلى ذلك, ربما يضطر الأطباء إلى دراسة كيف يمكنهم إقناع الوكالات التي تقدم إغاثة الطوارئ والمساعدة الإنسانية الأخرى بأن توجه مساعداتها وخدماتها نحو تلبية الاحتياجات الفعلية.

إن الضرر الذي يصيب البنية التحتية المدنية, ونزوح أجزاء من السكان وتعطل خطوط الإمداد والزراعة والصناعات الأخرى يؤدي على الأقل إلى الفقر, وغالباً ما يؤدي إلى أقصى درجات الحرمان. وهذه الظروف الاجتماعية لا تشكل خطرا مباشرا وحسب, ولكن لها كذلك تأثيرات طويلة الأجل, وبصفة خاصة على صغار الأطفال. وهكذا تمتد التأثيرات الضارة للنزاع لسنوات عديدة بعد حدودها الظاهرة.

  الاغتصاب كسلاح حرب  

يجب أن يعتبر الاغتصاب من بين " أسلحة الحرب " الأخرى. وعلى مدى التاريخ كان الاغتصاب جزءاً من الحرب, ولكنه يحدث بصورة متزايدة على أساس منظم في المنازعات الحديثة. ويستخدم الاغتصاب بطرق متنوعة, على سبيل المثال كعامل لجرائم الإبادة الجماعية غالباً ما يترافق مع نقل متعمد لفيروس نقص المناعة; وكسلاح لإحداث عار مستمر, وبصفة خاصة للنساء المسلمات في المنازعات الحديثة; وفي صورة بغاء قسري, بما في ذلك استخدام النساء المغتصبات من قبل اليابانيين في الحرب العالمية الثانية. لقد اعترفت المحكمتان الجنائيتان الدوليتان ليوغوسلافيا السابقة ورواندا بالاغتصاب كجريمة حرب, وفي بعض الحالات كشكل من أشكال محاولة ارتكاب جريمة إبادة جماعية.إن الأطباء الذين يتعاملون مع ضحايا الاغتصاب بجب أن يكونوا حساسين فيما يخص القضايا الثقافية, وحالة النساء النفسية والبدنية, والحاجة إلى تقديم الدليل إلى المحاكم الجنائية. وفي حالات مفرطة لا تضع الخدمات التي تقدم إلى هؤلاء النساء احتياجاتهن ومتطلباته الثقافية في الاعتبار بدرجة كافية. ويجب أثناء تقديم الخدمات أن يناقش الأطباء والوكالات التي يعملون فيها, الخدمات المطلوبة والأوضاع الثقافية مع النساء أنفسهن.

وهناك نظريات عديدة بشأن الأسباب الكامنة وراء الاغتصاب – وهي تتراوح بين أساليب التعبير الطبيعية عن سورة الغضب والشبق إلى الحملات المنظمة لتدمير الروح المعنوية للعدو, وحتى إلى الإبادة الجماعية.وهي إلي حد ما غير ذات صلة بدرجة كبيرة – باستثناء أعمال الإبادة الجماعية التي لها دلالة قانونية خاصة. المهم هو أنها تترك وراءها ضحايا في حاجة إلى دعم الأطباء والعاملين الآخرين في مجال الرعاية الصحية. ومن السهل بالنسبة للأطباء أن يفكروا في العواقب البدنية الفورية للاغتصاب, وأن يتجاهلوا العواقب النفسية والاجتماعية ذات المدى الأبعد. وعند دراسة دور العاملين الصحيين في تقديم الخدمات فإن هؤلاء العاملين سوف يكون عليهم, من أجل تقديم الخدمات الصحيحة, أن يفهموا السياق التي تحدث فيه جرائم الاغتصاب, وموقف المجتمع المعني تجاه النساء المغتصبات, ووجود الخدمات الأخرى مثل طب المسالك البولية والتناسلية, والإجهاض, والدعم النفسي.

إن الحساسية للعوامل المجتمعية والثقافية مهمة لكافة جوانب الرعاية الطبية والصحية. وتكون الحاجة إليها قصوى بالنسبة للنشاط الجنسي. ويجب أن تدرك الخدمات التي تستهدف مساعدة النساء المغتصبات السياق الثقافي الذي تعيش فيه النساء. ويجب أن يشمل ذلك الحساسية للعوامل الدينية والعوامل الأخرى, إلى جانب خدمات الترجمة " المستقلة " المناسبة.

  الحرب والصحة العامة  

يمكن أن يقال أن كثيرا من أنواع المعاناة الأخرى سببه " صحي عام " مباشر. إن هذه الأنواع من المعاناة تظهر نتيجة تعطيل البنى التحتية الاجتماعية والمجتمعية. ويمكن أن يكون لذلك أصل مباشر أو غير مباشر, مثل التعطيل المادي لإمدادات المياه الأساسية, وشبكات الصرف الصحي, وشبكات الاتصال بما فيها الطرق, وحركة السكان بعيداً عن المدن الصغيرة والقرى المستقرة إلى مخيمات اللاجئين التي لا توجد بها بنية تحتية.

ويظهر التاريخ أنه غالباً ما شهدت المنازعات " سلبا ونهبا " للمدن, في بعض الأحيان بعد فترة مطولة من الحصار. إن المدينة المنهزمة تدمر تدميراً, على الأقل لمنع سكانها من الاحتفاظ بأي قوى أو قدرة على مقاومة قاهريها.وفي القرن العشرين كانت المدن تجتاح بـ " هجمات عسكرية مفاجئة وسريعة بقوات جوية وقوات برية " . إن لكل منهما نفس التأثير. فهما يدمران المساكن, وأنظمة إمداد المياه والصرف الصحي, وإمدادات الطاقة الكهربائية. والتأثير على السكان المدنيين متطابقً بدرجة كبيرة. فالذين لم يصابوا أو يقتلوا بسبب القوة المدمرة الأصلية يفقدون مأواهم وإمداداتهم من المياه النقية. الأحوال الطبية الملاحظة متشابهة كذلك : أمراض الإسهال, وسوء التغذية وهبوط حرارة الجسم/ التعرض, بالإضافة إلى العواقب البدنية المباشرة لانهيار المباني, إلى آخره.

والمنازعات تحول الأراضي المنزرعة إلى قفار, وبصفة خاصة بسبب تلوث الأرض بالألغام المضادة للأفراد. فوجود هذه النبائط يجعل الأرض غير قابلة للاستخدام, وغالباً ما يسبب سوء تغذية واسع الانتشار. وبينما تحظى الإصابات الناجمة عن انفجار الألغام الأرضية بتصنيف جيد, لا تزال الأمراض الأكثر شيوعاً الناجمة عن الحرمان من الأرض أقل حظا من الدراسة.

وفي هذه الظروف, يعاني السكان بدنياً ونفسياً على حد سواء. وتكون الصدمة النفسية شائعة بصورة خاصة بين الأشخاص النازحين. وفي محاولاتنا لمساعدتهم على النجاة غالباً ما ننسى أو نتجاهل عواقب النزوح. وهي تشمل تعطيل نظم الدعم الأسري والمجتمعي, بالإضافة إلى الإحساس, الدائم على الأرجح, بعدم الأمن, وبالقلق المفرط بشأن سلامة الشخص البدنية.

  استخدام المعرفة الطبية المتخصصة  

يعمل الأطباء الذين يشكلون جزءاً من العملية السياسية في بلدانهم مثل أي سياسي آخر, بمعنى أنهم يتخلون عن عناصر هويتهم الطبية. وليس من المعقول أن نتوقع منهم أن يستخدموا معرفتهم الطبية أو أن يبذلوا كافة " فنونهم " التشخيصية والعلاجية في حل النزاع ومنعه. ولكن إذا كانوا مؤيدين من قبل عاملين آخرين في المجال الصحي وقدمت إليهم المعلومات الطبية والمعلومات الخاصة بالصحة العامة, أمكن لهم أن يكونوا قادرين بدرجة أكبر من زملائهم السياسيين الآخرين على تقييم هذه المعلومات وعلى تطبيقها على الظروف الطبية. وعلاوة على ذلك, فإن قدرتهم على الدفاع عن أنفسهم ضد الاتهامات بعدم الإنسانية ربما تنخفض إذا كان من الواضح أنه كانت لديهم المعرفة المتخصصة لفهم البيانات المقدمة إليهم فيما يخص التأثيرات على السكان. وهناك طرق عديدة يمكن فيها للأطباء أن يعملوا:

· يمكن للأطباء أن يشجعوا الإذاعة والتلفزة على تصوير الحرب والمنازعات كما هي في الواقع, موضحين التأثيرات المدمرة للأسلحة بالنسبة للأفراد. وينبغي لهم أن يعارضوا بشدة تصوير الحرب من قبل وسائل الإعلام على أنها مأمونة من الناحية الصحية حيث أن ذلك يجعل النزاع أكثر قبولاً لعامة الشعب.

· ينبغي للأطباء أن يستخدموا معرفتهم الطبية المتخصصة للتعليق على المنازعات, وأن يشيروا إلى التأثيرات الحقيقة التي ستظهر. وعليهم أن يكونوا صرحاء بشأن المعاناة الإنسانية, مع توضيح أن القيود يستحيل تطبيقها وأن المعاناة سوف تمتد لتتجاوز منطقة الحرب والمقاتلين أنفسهم.

· ينبغي للأطباء أن يناقشوا وبائيات النزاع, وبصفة خاصة قضايا الصحة العامة, مثل الأمراض والوفيات التي سوف تترتب على تعطيل إمدادات المياه والصرف الصحي أو نزوح السكان. وإذا شعر الأطباء أنه تنقصهم المعرفة الطبية المتخصصة, وجب أن تقدم لهم المساعدة لفهم أن الكثير مما يمكنهم القيام به في تقليل المعاناة يجب أن يتناول الصحة العامة وعلم الأوبئة. إن الحد الأدنى لفهم وبائيات الحرب يعطيهم الأدوات لتدخلات مهمة وفعالة.

  مشروع الإصابات المفرطة الضرر أو العشوائية الأثر (سايروس (SirUS  

إن هذه بالطبع ليست الطرق الوحيدة التي يمكن من خلالها للأطباء أن يقدموا خبرتهم وأن يلعبوا دوراً مؤثراً. إن مشروع اللجنة الدولية للصليب الأحمر " الإصابات المفرطة الضرر أو العشوائية الأثر "  حدد بوضوح الدور الذي يلعبه الأطباء وغيرهم في منح المشروعية للأسلحة الجديدة – أو تحريمها [1 ] . إن استخدام المعرفة الطبية المكتسبة في المنازعات عن تأثيرات الأسلحة لتحديد أنواع الإصابات التي يمكن التنبؤ بحدوثها يجعل العاملين في المجال الصحي في وضع جديد. إنها تمكنهم من إعطاء إجابات موضوعية لبعض الأسئلة التي تطرحها الأسلحة الجديدة. وبينما لا يزال من غير الواضح المدى الذي سيكون عليه تأثير هذا البرنامج في إجراءات ترخيص الأسلحة الجديدة, فإنه لا مناص من أنه سيكون له بعض التأثير.

لكن تطور هذا المشروع يظهر كذلك أن هناك الكثيرين ممن لا يريدون إشراك المهنة الطبية في تقييم الأسلحة.إن المعارضة التي أظهرها البعض تثير أسئلة عن أسباب هذا العزوف. هل هم يعتقدون حقاً أن القضية معقدة بدرجة مفرطة؟ أم أن البيانات الوبائية واهية بدرجة كبيرة؟ أم أنهم يخشون من أن التقييم العلمي الهادئ على أساس إنساني سوف يقيد من حرية الدول ومصممي ومصنعي الأسلحة لإنتاج الأسلحة " الجديدة " . إن التقدم التقني الذي تفوقت فيه بعض الدول على غيرها يمكن أن يتضاءل إذا تحالف الطب نفسه مع القانون الدولي الإنساني ومع التحكم في تطوير بعض أنواع الأسلحة.

إن مشروع الإصابات المفرطة الضرر أو العشوائية الأثر( سايروس) يعود بي إلى بداية المقال, أي دور الأطباء ليس فقط كأفراد ولكن بداخل المنظمات. ففي داخل البلدان, يمكن للأطباء أن يعملوا معاً, وأن يحاولوا ممارسة التأثير السياسي. بل إنه يمكن أن يكون لهم تأثير أكبر إذا تجمعوا على المستوى الدولي, على الأقل لأن مثل هذه التجمعات يمكن أن تتجنب الوصم بانتماءات سياسية ظاهرة. إن فعالية هذه التجمعات مرئية في عمل الأطباء الدوليين لمنع الحرب النووية, وأطباء حقوق الإنسان والعديد من المنظمات الأخرى التي يشكل الأطباء فيها جزءاً مهماً. إن الجمعية الطبية العالمية, باعتبارها منظمة تتكون من جمعيات طبية وطنية في عدة بلدان, يمكنها أن تكون واحدة من أقوى مثل هذه التجمعات. ولكنها كذلك تكشف إحدى المشاكل : فالكثير من جمعياتها الأعضاء لا تستخدم للقيام بأعمال بارزة, وبصفة خاصة حيثما قد يدخلها القيام بذلك في خلاف مع حكوماتها أو مع آخرين. إن الذين يقوممون فعلا بمثل هذا العمل يجب أن يساعدوا الذين لم يفعلوا ذلك بعد; والبديل بالنسبة للجمعية الطبية العالمية هو أن تصبح مجموعة قاصرة على السعي لتحقيق مصلحة أعضائها وليس لمصلحة " الصحة العامة " . وقد عملت جمعيات مثل الجمعية الطبية التركية بطريقة نموذجية من أجل تسليط الضوء على إساءات حقوق الإنسان على المستوى المحلي. إن استعدادها للقيام بدور إنساني أشمل للأطباء من شأنه أن يساعد الآخرين في استكشاف الأعمال التي يمكنهم القيام بها.

  خاتمــة  

مجمل القول أن الأطباء يؤدون ثلاثة أدوار رئيسية. الدور الأول هو محاولة تقليل المعاناة التي تنتح عن الحرب إلى الحد الأدنى لها من خلال تطبيق معرفتهم ومهاراتهم المتخصصة على الأشخاص المتأثرين بالحرب. والدور الثاني هو استخدام مبادئ الوبائيات والبيانات التي تجمع من أجل محاولة خفض إمكانية حدوث المعاناة. والدور الثالث هو الحيلولة دون تصوير الأمان الصحي للحرب, وبدلاً من ذلك إظهار الوجه الحقيقي للمعاناة الي تسببها والعمل على تأمين أن تغير هذه الجهود الرأي العام وفي نهاية الأمر الرأي السياسي. إن دور الأطباء ليس فريداً, ويمكن للكثيرين من غير الأطباء أن يقوموا ببعض أو بكل هذه المهام. ولكن الأطباء, مع ذلك " غير عاديين على الأقل, وربما يكونون فريدين في العمق والاتساع الكامن للمعرفة, والحجة والاحترام الذي يمكن أن يحدثونه لإنجاز هذه المهام. وإذا فشلوا في المشاركة في هذا السعي, فعندئذ سيستمرون في أن ينشغلوا بعلاج الأمراض القابلة للعلاج والوقاية من الأمراض القابلة للوقاية منها.

إن الإحجام الذي يشعر به كثير من الأطباء بشأن المشاركة في مثل هذه المناظرة الصعبة وصناعة القرار يمكن أن يتم التغلب عليه بأفضل شكل بالتنظيم : إن التجمع على المستويين الوطني والدولي يعطي عمقاً للمعرفة والمهارات, وينزع صفة السياسة عن القرارات الرئيسية, ويشجع المناظرة الدولية. ويمكن للأطباء أن يمنعوا المعاناة أو يقلل وها. ويمكنهم تحقيق ذلك بضم الصفوف وتجميع القوى.

  الحواشي  
 

1. روبين م. كوبلاند Robin M. Coupland, جمعية الصليب الأحمر الفرنسي FRCS, وبيتر هربي Peter Herby, " استعراض قانونية الأسلحة, نهج جديد: مشروع سايروس " Review of the legality of weapons, a new approach: The SlrUS Project " , اللجنة الدولية للصليب الأحمر; العدد 835, أيلول / سبتمبر 1999, ص 583.




أقسام ذات صلة

صفحات ذات صلة