اللجنة الدولية للصليب الأحمر في الحرب العالمية الثانية: نظرةٌ عامةٌ على الأنشطة
02-02-2005
أظهرت النزاعات التي دارت خلال فترة العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين كيفية تطور الحروب – وعلى وجه الخصوص آثار التكنولوجيا الحديثة وتعمد استهداف المدنيين. ومع ذلك لم يكن هناك ما يُعِدّ اللجنة الدولية للصليب الأحمر للتحديات التي كانت بصدد مواجهتها في الفترة بين عامي 1939 و1945.
المحتوى
مندوبو اللجنة الدولية خلال الحرب العالمية الثانية
في أعقاب اندلاع الأعمال العدائية في سبتمبر/أيلول من عام 1939, أوفدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر مندوبين إلى البلدان الرئيسية المنخرطة في الحرب ـ وهي فرنسا وألمانيا وبولندا والمملكة المتحدة. ولكن نظرًا للسرعة الفائقة التي تطورت بها العمليات العسكرية, مُنع المندوب, الذي كان قد بدأ رحلته متوجهـًا نحو " وارسو " , من دخول بولندا. وكانت المهمة الرئيسية لجميع مندوبي اللجنة الدولية هي زيارة معسكرات أسرى الحرب.
وبدءًا من صيف 1940 وما بعده, ومع امتداد النزاع وأسْر الملايين من أسرى الحرب, زادت اللجنة الدولية من حجم بعثاتها, ولاسيما في ألمانيـا, حيث انتهى بها الحال فيما بعد إلى زهاء 30 مندوبـًا. ولم يكن هذا رقمـًا كافيـًا على الإطلاق, غير أن ألمانيـا رفضت السماح بإرسا ل فريق عمل إضافي.
وتدريجيـًا, افتتحت اللجنة الدولية للصليب الأحمر بعثات, في جميع البلدان المتحاربة تقريبـًا, باستثناء " اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية " الذي رفض السماح لمندوبين من اللجنة الدولية بدخول أراضيه
أما بالنسبة لليابان والبلدان الواقعة تحت احتلالها, فقد حصلت اللجنة الدولية على الإذن بإرسال مندوبين إلى " طوكيو " و " شنغهاي " و " هونج كونج " . بيد أن السلطات اليابانية رفضت اعتماد مندوبين في الفلبين, وجزر الهند الشرقية الهولندية و " بورنيو " (إندونيسيـا في الوقت الحالي), وسنغافورة وتايلاند. وهنا, وبعد الحرمان من الصفة الرسمية, لم يكن بمقدور المندوبين السويسريين, الذين عينتهم اللجنة الدولية للصليب الأحمر محليـًا, سوى العمل بصفة شخصية وفي ظروف غاية في الصعوبة: فمن دون أي اتصالٍ مع جنيف, وفي مواجهة كل أنواع التحرشات والعقبات, لم يكن بمقدورهم سوى تنفيذ قدرٍ محدودٍ جدًا من الأنشطة, هذا فضلاً عن عدم تحقق ذلك إلا بمجازفات جسيمة. حتى إن تهمة التجسس وُجهت ـ في " بورنيو " ـ إلى د. " ماتيوس فيشر " وزوجته, لأنهما حاولا جلب مساعدات إغاثة إلى أسرى الحرب. وبعد محاكمة هزلية صدر بحقهما حكم الإعدام, عن محكمة بحرية يابانية, وقُطع رأساهما.
وبحلول نهاية هذه الحرب, كانت اللجنة الدولية للصليب الأحمر ممثلة من خلال 179 مندوبـًا, منتشرين على 76 بعثة دائمة, ويساعدها مئات الموظفين ممن جرى توظيفهم محليـًا. إضافة إلى ذلك, ومن أجل المفاوضات ذاتِ الأهمية أو الحساسية الخاصة, نفذت اللجنة الدولية للصليب الأحمر 194 مهمةً خاصةً, في الفترة بين سبتمبر/أيلول 1939 ويونيو/حزيران 1947.
إبـّان فترة الحرب, ورغم الصعوبات اللوجستية الهائلة, كان مندوبو اللجنة الدولية يرتحلون ـ بالطائرات أو السفن أو القطارات أو السيارات ـ بإجمالي مسافة أكثر من 16 مليون كيلو متر, أي ما يعادل 400 رحلة في جميع أنحاء العالم.
وكان أقصى عددٍ وصل إليه موظفو اللجنة الدولية للصليب الأحمر في مقرها الرئيسي في جنيف, 3921 فردًا ـ نصفهم تقريبـًا من المتطوعين (وهو ما تحقق في ربيع عام 1945).
وطوال فترة الحرب, كانت اللجنة الدولية للصليب الأحمر تعمل في المقام الأول على مساعدة فئتين من الضحايا ـ وهما " أسرى الحرب " و " المدنيون " .
أسرى الحرب خلال الحرب العالمية الثانية
أدت السرعة الخاطفة, التي تميزت بها الهجمات العسكرية الكبرى, إلى سقوط أعدادٍ هائلةٍ من أسرى الحرب: أكثر من 600,000 بولندي في سبتمبر/أيلول 1939; وزهاء مليوني رجل (هولندي وبلجيكي وإنجليزي وفرنسي) خلال حملة عام 1940; وحوالي 5 ملايين سوفيتي على الجبهة الشرقية بدءًا من صيف عام 1941 وما بعده. ثم جاء مايو/أيار 1945 ليسقط الجيش الألماني بالكامل في أيدي الحلفاء بعد استسلام البلد, وختامـًا جاء سبتمبر/أيلول 1945 ليقع الجيش الياباني بأكمله في الأسْر.
وكان أسرى الحرب هؤلاء متفرقين في جميع أنحاء العالم. وكانت المعسكرات الرئيسية, التي كانت تؤوي عشرات الآلاف من الأسرى, بحجم المدن.
وقد منحت اتفاقية جنيف بشأن معاملة أسرى الحرب, المؤرخة في 27 يوليو/تموز 1929, الأسرى عددًا معينـًا من الحقوق التي يمكنهم المطالبة بها من السلطات الحاجزة لهم. وعلاوة على ذلك, وبموجب هذه الاتفاقية, خـُوِّلت اللجنة الدولية الحق في الاستعلام عما حلّ بأسرى الحرب والحق في تقديم مقترحات تتعلق بتحسين ظروف الاحتجاز الخاصة بهم.
استنادًا إلى هذه الاتفاقية, وفي سبتمبر/أيلول 1939, افتتحت اللجنة الدولية "الوكالة المركزية لأسرى الحرب", التي اضطلعت بثلاث مهام:
• حفظ كل المعلومات عن أسرى الحرب (إشعارات الأسر والنقل والوفاة وغير ذلك من الإشعارات) في مركز واحد;
• تسليم هذه المعلومات إلى البلدان الأصلية للأسرى;
• الحفاظ على الاتصال بين الأسْرى وعائلاتهم (نقل الرسائل العائلية).
ومن أجل الحصول على أكبر قدرٍ ممكنٍ من المعلومات عن أسرى الحرب, اعتمدت اللجنة الدولية في المقام الأول, على القوائم المرسلة إليها من البلدان المتحاربة التي أسقطت الأسرى, ولكنها كمَّلت هذه المعلومات بالاستفسارات التي كان يجريها مندوبوها في المعسكرات.
ومنذ الوقت الذي بدأت فيه الأعمال العدائية, شرع مندوبو اللجنة الدولية في زيارة أسرى الحرب. وجرت أولى الزيارات في الفترة بين 23-26 سبتمبر/أيلول 1939, عندما دخل أحد مندوبي اللجنة الدولية ثلاثة معسكرات لأسرى الحرب البولنديين في ألمانيا.
وطوال فترة النزاع, واصل مندوبو اللجنة الدولية زيارة معسكرات أسرى الحرب بشكل منتظم: وكان شاغلهم الرئيسي يتمثل في رصد ما كان يحدث للأسرى وتحسين ظروف احتجازهم.
وسرعان ما أدرك المندوبون أن قوات " المحور " لم تكن في وضعٍ يسمح لها بالنهوض بأ عباء إعالة الملايين من أسرى " الحلفاء " الذين وقعوا في أيديها. ونظرًا لحالات العوز, التي سادت في جميع أرجاء أوروبا, كان من المستحيل الحصول على الإمدادات اللازمة لهم; ومن ثم دخلت اللجنة الدولية في مفاوضات للحصول على إذن لشراء سلع لهذا الغرض من خارج أوروبا.
وافقت الحكومة البريطانية في التاسع والعشرين من أغسطس/آب 1940, على إمكانية إرسال مواد إغاثة جماعية إلى أسرى الحرب, بشرط أن تخضع كيفية استخدام هذه المساعدات إلى نظام رصد صارم, مصمم لضمان ألا يؤول ذلك إلى مساعدة ما تبذله قوات " المحور " من جهود في الحرب. ومن ثم كان يتعين على كل شحنة يـُبعث بها من مواد الإغاثة أن تحصل على إذن خاص, وهو ما كان في كل مرة يتطلب إجراء مفاوضات جديدة من جانب اللجنة الدولية.
ونظرًا لتفكيك كل شبكات النقل, تعين على اللجنة الدولية تنظيم عملية لوجستية واسعة لإرسال إمدادات الإغاثة شملت استئجارَ سفنٍ في عُرض البحر تحمل الشارة الخاصة بها; وإقامة مستودعات ضخمة في كل مرحلة من مراحل توقف السفن, في " لشبونة " و " مرسيليا " و " غوتبرغ " و " لوبك " و " جنيف " , ...إلخ. ومن سويسرا, كان يجري إرسال الإمدادات من سويسرا إلى ألمانيـا في عربات سكك حديدية محكمة الإغلاق. وبعد تدمير شبكة السكك الحديدية الألمانية, كانت البضائع تـُنقل في قوافل من الشاحنات. ومن خلال نظامٍ يجمع بين حفظٍ صارمٍ لدفاتر الإيصالات الموقعة من أشخاص يحظون بثقة أسرى الحرب, ومعاينات عشوائية يجريها مندوبو اللجنة الدولية خلال زياراتهم, كان من الممكن ضمان عدم حيدة مساعدات الإغاثة عن مسارها.
وبفضل الإمدادات المرسلة إلى اللجنة الدولية من البلدان الأصلية لأسرى الحرب, كلٌّ حسب استطاعته المالية, نجحت اللجنة في توفير أربعة طرود موحدة, وزنها خمسة كيلوغرامات, شهريـًا لكل أسير أمريكي وبريطاني, فضلاً عن طردٍ واحد أو طردين شهريـًا للأسرى من الجنسيات الأخرى. وكان هذا يعني القيام برحلات شهرية, باستخدام حوالي 2,000 عربة من عربات السكك الحديدية, متضمنة إمدادات بإجمالي 430,000 طن, أو 90 مليون طرد فردي.
أدت هذه الإمدادات إلى تحسين الظروف المعيشية للملايين من أسرى الحرب.
وإبـّان فترة الحرب, تفاوضت أيضـًا اللجنة الدولية على إعادة الأسرى المعوقين إلى أوطانهم. ونجحت في إعادة 35 ألف شخص إلى أوطانهم ـ كان نصفهم من جرحى الحرب في حين كان الآخرون من العاملين في القطاع الطبي ومن المدنيين.
كما زارت اللجنة الدولية أسرى الحرب الألمان الواقعين في أيدي الحلفاء, باستثناء أولئك الموجودين في " اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية " .
إخفاقات اللجنة الدولية
لم يكن " اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية " طرفـًا في اتفاقية عام 1929 بشأن معاملة أسرى الحرب. ومن ثم, في بداية النزاع, قررت اللجنة الدولية, في 27 من سبتمبر/أيلول 1939, أن تجري مفاوضات مع السلطات السوفيتية واقترحت إرسال مندوبٍ إلى موسكو, إلا أن الاتحاد السوفيتي رفض. وكررت اللجنة الدولية عرضها, في السادس والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول 1939, ولكن دون جدوى. ثم تحدثت إلى سفراء الاتحاد السوفيتي في " باريس " و " برلين " و " ستكهولم " , ولكن أيضـًا دون جدوى.
وفي الثاني والعشرين من يونيو/حزيران 1941, غزت القوات الألمانية الاتحاد السوفيتي. وطلبت اللج نة الدولية من المتحاربين تطبيق مبادئ الاتفاقية, وهو ما وافقوا على القيام به. بيد أن اللجنة الدولية لم تتلق أي قائمة بالأسرى من أي من الجانبين, باستثناءٍ وحيدٍ تمثل في قائمة بأسماء ثلاثمائة أسير حرب سوفيتي محتجزين لدى ألمانيـا, وهي القائمة التي بُعث بها إلى اللجنة في أغسطس/آب 1941.
وفي هذه الأثناء, كانت اللجنة الدولية تسمع المزيد والمزيد من الروايات التي تثير الانزعاج عما كان يحدث للأسرى السوفييت في ألمانيـا ـ حيث افتقروا إلى الاحتياجات الأساسية وكانوا يموتون بأعدادٍ كبيرة. وكان " الحلفاء " قد وافقوا على إرسال مواد إغاثة إلى هؤلاء الأسرى, وذلك فقط بشرط رصد توزيع الإمدادات. ومع ذلك رفضت ألمانيـا السماح للمندوبين بأي زيارة للأسرى, طالما أن اللجنة الدولية لا تستطيع الوصول إلى أسرى الحرب الألمان في الاتحاد السوفيتي. لذا وصل الوضع إلى طريق مسدود. وبعد ذلك طوال فترة الحرب, استمرت اللجنة الدولية , بلا طائل, في محاولة جعل الاتحاد السوفيتي يوافق على استقبال أحد مندوبيها. ومن ثم لم يحدث قط, خلال الحرب العالمية الثانية, أن حصلت اللجنة الدولية على الإذن بزيارة أسرى الحرب الألمان في الاتحاد السوفيتي, أي ليس بحالٍ أفضل مما كان في مقدورها القيام به فيما يخص زيارة أسرى الحرب السوفييت في ألمانيـا.
وفي الشرق الأقصى, بعد الهجوم على " بيرل هاربر " في السابع من ديسمبر/كانون الأول 1941, نجح الجيش الياباني في أن يظفر بنصف آسيا تقريبـًا, وإسقاط عشرات الآلاف من أسرى الحرب. ورغم أن اليابان لم تكن طرفـًا في اتفاقية جنيف, الموقعة في عام 1929, بشأن معاملة أسرى الحرب, طلبت اللجنة الدولية مع ذلك من المحاربين تطبيق المبادئ المشمولة في هذه الاتفاقية. ورغم ما صدر عن الحكومة اليابانية من إعلان نمّ عن نية حسنة, وضعت سلطات البلاد عقبات, كثيرًا ما تعذر تذليلها, في طريق ما تبذله اللجنة الدولية من محاولات للشروع في عملها. فقوائم الأسرى التي كانت تمررها إلى اللجنة الدولية لم تكن كاملة وكانت تصل بعد تأخير لعدة أشهر; ولم يؤذن لمندوبي اللجنة الدولية بدخول معظم المعسكرات, وعندما كان يؤذن لهم بذلك كانت مدة زياراتهم محدودة ولم يُسمح للمندوبين بالتحدث بحرية مع المحتجَزين; وأخيرًا لم يـُؤذن للجنة الدولية بإرسال مواد إغاثة بكميات كافية إلى الأسرى.
وعلى هذه ال صورة في النزاع الذي كان دائرًا في الشرق الأقصى, كان ما حققته اللجنة الدولية من إنجازات متقطعـًا على أجزاءٍ صغيرة وزهيدًا لا يعتد به, إذا ما قورن باحتياجات الأسرى وبما بذله مندوبوها من مجهودات لتوفير الحماية والمساعدة لهؤلاء الأسرى.
أنشطة اللجنة الدولية لمساعدة السكان المدنيين أثناء الحرب العالمية الثانية
إبـّان الحرب العالمية الثانية, وقع على السكان المدنيين تأثيرٌ ضاهى تمامـًا ما وقع على أفراد القوات المسلحة برًا أو بحرًا أو جوًا ـ إن لم يكن فاقه. فخلافا للأوضاع المتعلقة بأسرى الحرب, لم يكن لدى اللجنة الدولية أي أساس قانوني محدد لكي تعمل نيابة عن المدنيين.
حماية المدنيين الواقعين في أيدي الأعداء
بدءًا من اندلاع الأعمال العدائية, احتجزت البلدان المتحاربة معظم المدنيين من الأعداء ممن تصادف وجودهم على أراضيها. ونجحت اللجنة الدولية في الترتيب لأن يـُعامل هؤلاء الأجان ب, ممن كانوا محتجزين بسبب جنسيتهم ليس إلا, بما يتماشى مع النصوص التي تحكم معاملة أسرى الحرب.
واستفاد من هذه الحماية حوالي 170,000 شخص ـ الرعايا الفرنسيون في ألمانيـا, على سبيل المثال, أو فيما بعد المواطنون اليابانيون في الولايات المتحدة. ونظرًا لأن هؤلاء المحتجزين المدنيين وُضعوا على قدم المساواة مع أسرى الحرب, وفرت اللجنة الدولية لهم ما سبق أن وفرته لأسرى الحرب, من حمايةٍ ومساعدة.
وفي ألمانيـا والأراضي الواقعة تحت نير احتلالها, ساد نظامٌ قائمٌ على التوقيف التعسفي, والترحيل, وأخذ الرهائن, وعمليات الإعدام بإجراءات موجزة. وكانت اللجنة الدولية تقريبـًا لا حول لها ولا قوة في وجه ضروب الاضطهاد هذه ـ حيث لم تتمكن من إرسال مندوبين إلى بولندا (باستثناء زيارتين قصيرتين) أو إلى " اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية " , وبالتالي لم تكن قادرة على مساعدة السكان البولنديين أو سكان الاتحاد السوفيتي.
حماية المدنيين من القصف
منذ اندلاع الأعمال العدائية, ومع قصف وارسو, أدت الحرب الجوية إلى تدمير مدنٍ بأكملها وإلى موت أعدادٍ لا حصر لها من المدنيين أو تشويههم.
وفي مواجهة هذا الوضع, وبينما كانت القنابل الألمانيـة تدمر " وارسو " وباقي أجزاء بولندا, قدمت اللجنة الدولية مذكرة إلى حكومات الدول المتحاربة في التاسع من سبتمبر/أيلول من عام 1939. وأوصت هذه المذكرة بتوقيع اتفاقات مخصصة تهدف إلى إقامة مناطق أمنية, حيث يمكن للمدنيين الذين لم يشتركوا في القتال أن يجدوا مأوى. بيد أن هذه المبادرة لم تـُقابل بأي رد.
وبعد " وارسو " جاء قصف " روتردام " و " لندن " و " كوفنتري " , متبوعـًا بقصف " كولونيا " و " هامبورغ " و " درسدن " و " برلين " و " طوكيو " —إذا ما ذكرنا فقط أكثر الأماكن تدميرًا.
وفي الثاني عشر من مارس/آذار 1940, وجهت اللجنة الدولية نداءً أوصت فيه الأطراف المتحاربة بأن توقع اتفاقات ثنائية تحظر, ضمن جملة أمور, توجيه أي هجوم كهذا ضد السكان المدنيين, وعلى وجه الخصوص عمليات القصف التي يـُقصد منها التخويف.
وكررت اللجنة الدولية هذا النداء, في الثالث عشر من مايو/أيار 1940, بعد ثلاثة أيامٍ من إطلاق الهجوم الألماني ضد " هولندا " و " بلجيكا " و " لكسمبرغ " و " فرنسا " . ولم يلق هذا النداء أي صدى واستمر قصف المدن. وفي الرابع والعشرين من يوليو/تموز والثلاثين من ديسمبر/كانون الأول من عام 1943, وجهت اللجنة الدولية نداءين جديدين ضد أعمال القصف الشامل ـ ومرة أخرى لم يلقَ هذان النداءان أي استجابة.
في أغسطس/آب من عام 1945, أُلقيت قنبلتان ذريتان على " هيروشيما " و " نجازاكي " . وفي ثوانٍ قليلة تعرض ما يربو على 100 ألف شخصٍ للإشعاع أو الإصابة أو الموت. ولم يكن في وسع مندوب اللجنة الدولية, الذي وصل إلى " هيروشيما " في التاسع والعشرين من شهر أغسطس/آب 1945, القيام بأكثر من أن يكون شاهدًا على هول الموقف. وأخبر زميله في " طوكيو " الذي نبه الجنرال الركن " ماكارثر " . وقام هذا الأخير بتزويد اللجنة الدولية بخمسة عشر طنـًا من الإمدادات الطبية, وفي الثامن من سبتمبر/أيلول وزّع المندوب الموجود في " هيروشيما " هذه الإمدادات على المستشفيات هناك (للمزيد من المعلومات حول هذا الموضوع).
وبالتوازي مع هذا, وفي الخامس م ن سبتمبر/أيلول 1945, وجهت اللجنة الدولية نداءً لفتت فيه أنظار الدول إلى ما تنطوي عليه أسلحة الدمار الشامل من أخطارٍ لا مرد لها.
حماية المدنيين من المجاعة
وقع أيضـًا السكان المدنيون ضحايا لبراثن المجاعة. وفي سبيل جلب مساعدات إغاثة إلى من يتضورون جوعـًا من الناس, قررت اللجنة الدولية ورابطة جمعيات الصليب الأحمر (التي تعرف الآن باسم الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر) أن تشكلا معـًا كيانـًا واحدًا ـ تمثل في لجنة الإغاثة المشتركة للصليب الأحمر الدولي التي نجحت في إيصال إمدادات حالات الطوارئ, وبوجهٍ خاصٍّ إلى " بلجيكا " و " فرنسا " و " هولندا " .
ونظمت اللجنة الدولية من جانبها عمليات لجلب إمدادات إلى جزر تشانيل وجيوب المعارضة على " الساحل الأطلسي " , وكذلك إلى " جزر دوديكانيس " .
ولكن كانت اليونان, في الفترة من 1941 إلى 1945, هي المكان الذي أجرت فيه اللجنة الدولية أكبر عملياتها فيما يخص عمليات الإغاثة.
وهذا العمل, الذي جرى في أوروبا, مكَّن اللجنة الدولية من إنقاذ مئات الآلاف من المدنيين. بيد أن الوضع في الشرق الأقصى, ولا سيما في الصين, كان مروِّعـًا تمامـًا بنفس القدر ـ إن لم يكن بقدرٍ أكبر. ولكن لم يكن لدى اللجنة الدولية أي موارد لإجراء عمليات كبرى لمساعدة السكان هناك, ولم يكن في وسع مندوبيها سوى تنفيذ قدرٍ محدودٍ للغاية من الأنشطة.
-
شارك
|

