• ارسال
  • طبع

الإبادة الجماعية النازية وغيرها من حالات الاضطهاد

25-10-2007 تصريح

وثيقة اعتمدتها جمعية اللجنة الدولية للصليب الأحمر في 27 أبريل/نيسان 2006

كانت الإبادة الجماعية التي تعرض لها اليهود والغجر وغيرها من حالات الاضطهاد التي نفذت في ظل الرايخ الثالث سبباً في معاناة يعجز عنها الوصف. ولاشك أن السماح بوقوع مثل هذه الأحداث لهو أفدح إخفاق للحضارة الغربية.

ويمثل هذا الإخفاق أيضا إخفاقا للصليب الأحمر ككل, غير أن جل عبئه يقع على عاتق اللجنة الدولية للصليب الأحمر نظرا لمهمتها المحددة وموقعها داخل الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر. فقد وقع ملايين الرجال والنساء والأطفال – من اليهود بشكل أساسي, وأيضا من الغجر وذوي الإعاقات وكل من اعتبرهم النظام الحاكم خصوما أو مقاتلين في صفوف المقاومة – فريسة للإبادة بدم بارد, في ظروف شنيعة, دون أن تستطيع اللجنة الدولية القيام بأي شيء لحمايتهم. فلم يحدث قط أن انتهكت المبادئ التوجيهية للمنظمة بهذه الصورة السافرة, بطريقة أقل ما توصف به أنها انحراف تام عن القيم الأخلاقية تمخض عن صناعة الموت. أما بالنسبة للناجين وأسر الضحايا, فلا تزال الجراح التي تركتها فيهم هذه الأحداث باقية لم تندمل إلى يومنا هذا.

وما يزيد هذا الإخفاق سوءاً هو عجز اللجنة الدولية عن القيام بكل ما في وسعها لوضع حد لحالات الاضطهاد ومد يد العون إلى الضحايا. فقد ظلت المنظمة أسيرة إجراءاتها التقليدية والإطار القانوني مفرط الضيق الذي كانت تعمل فيه. ومع تخلي اللجنة الدولية عن فكرة الشجب العلني – اقتناعا منها بأن هذا الإجراء لا يغير مجرى الأحداث, وخوفا من احتمال تعرض أنشطتها للخطر, تلك التي كانت تنفذها لصالح الضحايا الآخرين, لا سيما أسرى الحرب, وعدم رغبتها في توتر علاقات سويسرا بالدول المتحاربة – اعتمدت اللجنة الدولية بشكل أساسي على مندوبيها في بذل مساع سرية لدى سلطات الرايخ الثالث أو الأنظمة التابعة له. غير أن هؤلاء المندوبين عجزوا عن النفاذ إلى دهاليز السلطة. ولم تتمكن قيادات اللجنة الدولية للصليب الأحمر من القيام بمساع رفيعة المستوى لدى بعض قادة الرايخ وتابعيه سوى قرب نهاية الحرب.

ويقول " جان-كلود فافيز " , الذي أجرى أشمل دراسة مستقلة عن جهود اللجنة الدولية في مساعدة ضحايا الاضطهاد النازي, والذي أتيحت له أرشيفات اللجنة الدولية بلا حدود تحقيقا لهذا الغرض, إن المنظمة " لم تخاطر المخاطرة القصوى بأن تلقي بكامل ثقلها الأدبي على المحك لصالح هؤلاء الضحايا بعينهم. " 1

ومع اقتصار خيارات اللجنة الدولية على خيارين اثنين – أحدهما يتمثل في عمليات المساعدة المحدودة للغاية التي كانت تجريها لصالح ضحايا الاضطهاد النازي, والتي عادت بناتج ضعيف فيما يتعلق بوضع الضحايا ولم تُحدث أي تأثير على الإبادة الجماعية, والآخر هو خيار الشجب العلني, وهو سلاح أخير رأت اللجنة الدولية أنه لا يمكنها استخدامه, فقد ظلت المنظمة, حتى الأشهر الأخيرة من الحرب, عاجزة عن القيام بمساع دبلوماسية وطيدة ومتواصلة ورفيعة المستوى لدى زعماء الرايخ أو لدى حلفائه أو تابعيه, علما بأنهم لم يكونوا جميعا شركاء لأعلام النازية في تعصبهم المدمر.2

وكان من الواجب تجريب هذه النُهج, حتى وإن ثار شك حول تحقيق النتائج المرجوة من عدمه. فإن مرت الجريمة دون اعتراض – وإن اقتصر الأمر على المساعي السرية – وإن لم يتم شجب الفظائع المتكررة – حتى وإن لم تفرض عقوبات مادية, حينها يخشى على القيم الأخلاقية التي يستند إليها القانون الدولي الإنساني أن تذوى في النهاية.

وإذ تضع اللجنة الدولية ذلك في اعتبارها, فإنها تأسف اليوم على أخطاء الماضي وسهواته. وسيظل هذا الإخفاق محفوراً في ذاكرة المنظمة, كما ستظل راسخةً في الأذهان الأعمال الجسورة التي قام بها الكثير من مندوبي اللجنة الدولية آنذاك.

ولما كان التاريخ لا يمكن إعادة كتابته, فإن اللجنة الدولية تسعى إلى تكريم ضحايا الاضطهاد النازي من خلال نضالها من أجل تحقيق عالم تحفظ فيه كرامة كل رجل وامرأة وطفل في جميع الظروف. 

  ملاحظات:  

     

1- Jean-Claude Favez, avec la collaboration de Geneviève Billeter, Une mission impossible? Le CICR, les déportations et les camps de concentration nazis, Lausanne, Edition s Payot, 1988.نشر هذا الكتاب باللغة الإنجليزية تحت عنوان The Red Cross and the Holocaust (Cambridge University Press, Cambridge, 1999), pp. 273-282

2-  " لذلك قد يثار السؤال حول السبب في عدم إطلاق أي مبادرات دبلوماسية تتناسب مع الأحداث الدرامية التي حدثت على مرأى من الجميع وتستند في الوقت ذاته إلى حساب دقيق للمخاطر, من قبيل إرسال خطاب احتجاج إلى هتلر أو هيملر, أو لعله كان من الأفضل إرسال وفد يضم هوبر أو بوركهاردت إلى برلين أو بيرشتيسغادن, كخيار وسيط بين إجراء عمليات المساعدة, من ناحية, التي رآها الضحايا شديدة الضآلة, [... ] وبين النداء العلني, من ناحية أخرى, وهو سلاح أخير رأت اللجنة الدولية أنها لا يمكنها اللجوء إليه [... ] . " (فافيز, 1999, مرجع سبق ذكره, ص. 279).