قانون الحرب يصمد أمام امتحان الزمن
01-06-2007 بقلم فيليب سوبيري, مدير القانون الدولي باللجنة الدولية للصليب الأحمر
تتوالى الاحتفالات بذكرى الأحداث, ولكن هذه الذكرى ستبقى هادئة نسبياً ولن تحظى إلا بالقليل من مظاهر الحفاوة التي يتوقع أن ترافق عادة الاحتفال بمرور سنوات عديدة على مناسبة هامة. فلا يزال الحدث الذي يُحتفل به اليوم غير معروف كثيراً وربما تساءل المشككون لماذا يثار هذا الموضوع . إلا أن الاحتفال هذا الأسبوع بمرور ثلاثين عاماً على اعتماد البروتوكولين الإضافيين الأول والثاني إلى اتفاقيات جنيف لعام 1949 يحيي ذكرى حدث أساسي في تطور كيفية خوض الحروب إذ أن هذين البروتوكولين يمثلان أحد أهم الأسس القانونية الدولية التي ترتكز إليها حماية المدنيين خلال النزاعات المسلحة. ولهذا تستحق هذه الذكرى في ما تمثله تقديراً حكيماً يكون أقل ما يمكن تخصيصه لها.
فقد أدخل البروتوكول مفاهيم جديدة أثارت الجدل في حينها, بينما لم تعد كذلك اليوم, تتعلق بالوضع القانوني للمقاتل وأسير الحرب. وبالرغم من تحفظ بعض البلدان إزاء هذه التغييرات الجديدة, فقد عبّرت هذه الأخيرة عن واقع جديد في العلاقات الدولية يتمثل في ظاهرة حرب العصابات. هذا وتسبب الواقع نفسه بإثارة الجدل حول جانب آخر من المعاهدة هو تعريفها للنزاعات الدولية المسلحة والذي تم توسيعه ليشمل حروب تقرير المصير.
وبينما شكل البروتوكول الأول خطوة إلى الأمام في تكييف القانون مع متطلبات جديدة, فقد أتى البروتوكول الإضافي الثاني, الذي يكمّل المادة الثالثة المشتركة في اتفاقيات جنيف, كأول معاهدةنوعها أبرمت خصيصاً لحماية المتضررين من النزاعات المسلحة غير الدولية. وقد شكلت أحكامه الخاصة بالضمانات الأساسية الممنوحة للذين لا يشاركون في القتال, ومعاملة من حرموا من حريتهم, والضمانات القضائية الممنوحة للأشخاص الذين يخضعون لمحاكمات جنائية , نقطة تحول في تطور القانون الدولي الإنساني. وقد أعطى البروتوكول الثاني مفهوماً قانونياً لفكرة أصبحت اليوم مقبولة على نطاق واسع وتقضي بأن النزاعات المسلحة التي تدور داخل حدود بلد ما أمر يستدعي الاهتمام الدولي. ولهذه الغاية, أرسى البروتوكول قواعد هامة لحماية المدنيين من خطر العمليات العسكرية في النزاعات المسلحة الداخلية.
ولكن يحق للمرء حين ينظر إلى النزاعات الدامية التي تدور في العراق والسودان وكولومبيا, لكي لا نذكر إلا بعضاً منها, ويستذكر شبح الفظائع التي ارتكبت في رواندا والبلقان في التسعينات أن يطرح السؤال التالي: " ما الفائدة من ذلك؟ " ما نفع قانون الحرب إن لم يطبق ولا يتم تنفيذه؟
وللإجابة باختصار على هذا السؤال, يمكن القول أن القيمة الفعلية للبروتوكولين الإضافيين لا تبرز كثيراً في الخير الذي حققاه حتى الآن, بل تبرز أكثر في الشر الأكبر الذي ساعدا في الحيلولة دون وقوعه. فقد انضمت 167 دولة حتى اليوم إلى البروتوكول الإضافي الأول و 163 دولة إلى البروتوكول الثاني الأمر الذي يعني اعترافاً متزايداً بأن للحرب حدود, وليس أقلها ما يخص واجب الحرص على السكان المدنيين.
ومما لا شك فيه أن حوادث الانتهاكات الفاضحة للبروتوكولين وللقانون الدولي الإنساني بشكل عام كثيرة. فحملات الإرهاب ضد المدنيين واستخدام الاغتصاب كسلاح حرب وتجنيد الأطفال وإجبار الناس على النزوح – واللائحة طويلة- تشكل وللأسف, مظاهر معتادة في النزاعات الحديثة. وقد فرض استقطاب السياسيات في العالم خلال القرن الواحد والعشرين عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول والتداعيات الإنسانية الخطيرة لما يسمى غالباً " بالحرب العالمية على الإرهاب " تحديات هائلة. أما تكاثر وتجزيء الجماعات المسلحة غير التابعة للدول والتي قد لا تعير لقانون الحرب إلا القليل من الاهتمام أو تتجاهله نهائياً, فيطرحان تحديات أخرى. ولكن, إذا كانت المساءلة القانونية قد شكلت في الماضي الاستثناء لا القاعدة خلال النزاعات, فان ريحاً من التغيير بدأت تعصف وتقوى في هذا المجال بفضل وعي الجمهور المتزايد بأهمية القانون الدولي الإنساني.
فقد أدى ضغط الرأي العام والشعور الجماعي بالعار الذي انتاب الحكومات بسبب عجزها عن وقف المجازر في يوغوسلافيا السابقة وفي رواندا, إلى قيام المحكمتين الجنائيتين الخاصتين بهذين البلدين في أواسط التسعينات. وبالرغم من القيود التي فرضت عليهما, فقد شكلت هاتين المحكمتين خطوة هامة إلى الأمام في مجال وضع حد لإفلات مجرمي الحرب من العقاب.
وقد جاء إنشاء المحكمة الجنائية الدولية في عام 2002 في مدينة لاهاي, وهي أول محكمة جنائية دائمة مخصصة لجرائم الحرب, ثمرة لسنين من المفاوضات والمجادلات القانونية. وتجري حالياً في المحكمة الجنائية الدولية أول محاكمة لقائد ميليشيا من الكونغو يدعى " توماس لوبانغا " متهم بجرائم حرب تتعلق بتجنيد أطفال في النزاع الأهلي في هذا البلد. كذلك, ينتظر السيد " شارلز تايلور " , الرئيس الأسبق لليبيريا, محاكمته التي ستجري في لاهاي عقب ادعاءات بارتكاب جرائم حرب خلال النزاع في سيراليون الذي انتهى عام 2002. وفي حين تجري المحاكمة في لاهاي, ستديرها المحكمة الخاصة لسيراليون. والسيد " تايلور " هو أول رئيس سابق لدولة أفريقية يحاكم على المستوى الدولي بتهمة ارتكاب جرائم حرب.
إضافة إلى ذلك, و على الصعيد الوطني, بدأ المشرّعون والمحاكم أخيراً بالعمل على تحمل مسؤولياتهم في ضمان اعتراف القوانين الوطنية بالمسؤولية الجنائية لمن ينتهكون القانون الدولي الإنساني, وتنفيذ هذه القوانين بشكل فعلي. فالرسالة واضحة: على مجرمي الحرب أن يعدلوا عن الاعت قاد بأن الإفلات من العقاب أمر مسلم به.
بيد أنه وبالرغم من هذا التقدم الذي لا يقبل الجدل, لا يزال انفاذ القانون على الصعيدين الوطني والدولي سوى قطرة في محيط. وفيما توفر اتفاقيات جنيف والبروتوكولان الإضافيان إطارا قانونياً واضحاً للقيود الضرورية لتجنب المعاناة الإنسانية خلال النزاعات المسلحة, فان الإرادة السياسية لتطبيقها بشكل كامل لا تزال غير كافية. ففي الكثير من الحالات, لم تدرك أطراف النزاع بعد أن الحكمة تقضي بتطبيق وتنفيذ القيود القانونية وهذا ما يصب آخراً في مصلحتها, إذ أن الإخفاق في منع الانتهاكات ضد الآخرين يسقط في النهاية ضمانة عدم حدوث انتهاكات مماثلة من قبل الطرف الآخر.
-
شارك
|

