مندوبو اللجنة الدولية في دارفور: خلفيات متنوعة, حُنُو واحد
20-08-2005 تحقيقات
بورتريه أربعة من مندوبي اللجنة الدولية للصليب الأحمر الذين يعملون على مساعدة أولئك المتأثرين بالعنف في دارفور; يأتون جميعاً من خلفيات بالغة التباين, بيد أن طوقهم إلى مساعدة الآخرين يجد جذوره في خبرتهم بالنزاع ومعرفتهم به. بقلم "ماركو جيمينيز رودريغز".
المحتوى
مندوبو اللجنة الدولية في دارفور
كثيراً ما يعمل مندوبو اللجنة الدولية للصليب الأحمر في ظروف صعبة, وقد واجه المندوبون العاملون في دارفور على مدى السنتين الأخيرتين واحدة من أخطر الأزمات الإنسانية في العالم.
اقتضت هذه الأزمة أكبر انتشار للجنة الدولية في العالم إذ زاد عدد كوادرها عن مئتي موظف أجنبي و1800 موظف محلي يعملون على تخفيف أسوأ آثار النزاع هناك.
ونعرض فيما يلي قصص أربعة مندوبين لم يكن ممكناً أن تكون خلفياتهم أكثر تبايناً, لكن التزامهم بالقضية الإنسانية يجد جذوره في خبرتهم الشخصية بالقتال.
شارلي : " وإذا كان بوسعي أن أكفل بنية تحتية جيدة لدعم زملائي, فإنني أكون قد أسهمت في مساعدة ضحايا هذا النزاع."
دراغنا : "هناك منظّمات إنسانية كثيرة توزّع المساعدة; السؤال هو كيفية عمل ذلك بطريقة تستعيد للناس كرامتهم"
كاريداد : "تتوقّف إلى حد كبير مصداقية المعلومات التي أجمعها على العلاقات والثقة التي نبنيها مع الناس"
سمير : "يمس شغاف قلبي أن أرى كل هؤلاء الناس من ذوي الحاجات", وأنا أتعاطف معهم. كان أهلي أيضاً لاجئين."
يتأكد " شارلي موسوكا " , وهو إداري وأخصائي لوجستيات, من أن كل شيء على ما يرام في مكتب اللجنة الدولية النائي في " سيليا " , شمال الجنينة.
ولد " شارلي " في غوما بالبلد الذي صار اليوم جمهورية الكونغو الديموقراطية في عام 1973, ووقع في براثن ما خلّفته الإبادة الرواندية في 1994. فخلال هذه الفترة كان " شارلي " يعمل متطوعاً لصالح وكالة إنسانية كانت توزّع المعونة الغذائية على قرابة 250 ألف لاجئ رواندي كانوا قد عبروا الحدود.
" قبل 1994 لم أكن أعرف شيئاً عن العمل الإنساني " , على حد قوله. " وبين عشية وضحاها غمرني فيض اللاجئين المحتاجين للمساعدة ـ وحينئذٍ اكتشفت رسالتي الإنسانية " .
لقد درس فيما بعد إدارة الأعمال في كينيا قبل أن يحصل على منحة دراسية لمواصلة الدراسات المتخصّصة في الإدارة العامة والتنمية الدولية بإحدى الجامعات الكندية.
وإذ عمل مع الصليب الأحمر الكندي, شارك في عمليات الاستجابة الطارئة للأزمات الإنسانية في غرينادا وهايتي وجامايكا.
وهذه هي مهمته الأولى مع اللجنة الدولية. ويعد مكتب " سيليا " أحد أكثر مكاتب المنظّمة انعزالاً, وهو يستهدف مساعدة ضحايا النزاع في المناطق الريفية النائية في المنطقة. في يوم جيد, يمكن تغطية مسافة الستة وسبعين كيلومتراً التي تفصل المكتب عن الجنينة في نحو أربع ساعات ـ وفي يوم سيئ قد يستغرق ذلك فترة أطول بكثير.
ويتعيّن جلب الغذاء ومواد أخرى عديدة من أساسيات الحياة اليومية من الخرطوم, وحتى قبل عدة أسابيع فحسب من الآن كان الموظفون لا يزالون يعيشون في خيام.
" في البداية كان الوضع صعباً " , كما يعترف " شارلي " . " الناس لديهم تطلعات كبيرة إزاء عملي, وإذا كان بوسعي أن أكفل بنية تحتية جيدة لدعم زملائي, فإنني أكون قد أسهمت في مساعدة ضحايا هذا النزاع " .
" لو لم نكن هنا لواجه الناس صعوبات أكبر من أجل البقاء " .
أخلّ النزاع في دارفور بالأنماط الاعتيادية لإنتاج الغذاء ـ فالغرس في يوليو/تموز والحصاد بعدها بثلاثة أشهر لم يعد ممكناً بالنسبة لأغلب السكان.
وفي نهاية يوليو/تموز, شارك ستون موظفاً من اللجنة الدولية في أوّل عملية توزيع من هذا النوع تجري في " سيليا " . ونظّمت هذه العملية " دراغنا رانكوفيتش " .
ولدت " دراغنا " ابنة الأربعة وثلاثين ربيعاً في بلغراد وبدأت العمل مع اللجنة الدولية في عام 1999 في برنامج مساعدة لصالح الأشخاص النازحين خلال النزاع في يوغوسلافيا السابقة. وفي عام 2003 عملت في تنفيذ برنامج للجنة الدولية استهدف الأسر التي ضربها الفقر ولا يغطيها نظام التأمينات الاجتماعية.
وبعد سنوات من العمل في مجال المساعدة, تقول " دراغنا " إن طريقة توفير الدعم كثيراً ما لا تقل أهمية عن المساعدة ذاتها.
" تعلمت أنه من المهم البعث برسالة احترام. هناك منظّمات إنسانية كثيرة توزّع المساعدة; السؤال هو كيفية عمل ذلك بطريقة تستعيد للناس كرامتهم " .
وتقول " دراغنا " إنه على الرغم من الوضع في دارفور وتحديات العمل في مثل هذه البقعة المعزولة, فإن المكافآت التي يلقاها المرء هائلة.
" على الرغم مما قد يكون يحدث حولك, فإنك تشعر أنك موضع ترحاب حينما يتعرّف الناس عليك ويظهرون العرفان " .
وهي تقول إنها سوف تغادر دارفور يوماً مدركة أنها فعلت ما بوسعها من أجل المساعدة.
جاءت " كاريداد كاستيلا راميريز " , وهي قانونية من مدريد في الثانية والثلاثين من العمر, إلى دارفور قبل سبعة أسابيع فحسب.
وقد زارت بالفعل قرابة عشرين بلدة حول الجنينة. وتستمر رحلاتها الميدانية بين يومين وأربعة أيام, حيث تنام في العراء وسط الجمال المجرّد الذي يشكّل الجزء الأكبر من المنظر الطبيعي.
ويتمثّل عمل " كاريداد " , وهي مندوبة ميدانية للجنة الدولية, في تقييم الاحتياجات الأكثر إلحاحاً لأولئك المتأثرين بالنزاع.
" تتوقّف إلى حد كبير مصداقية المعلومات التي أجمعها على العلاقات والثقة التي نبنيها مع الناس " , كما تشرح.
وقبل ذلك في إسبانيا عملت " كاريداد " مع طالبي اللجوء لأكثر من سنتين.
وهي تقول إن زيارات اللجنة الدولية إلى القرى تُعْتَبر في دارفور نوعاً من الحماية.
" يذكّر تواجد اللجنة الدولية جميع الأطراف بالتزاماتها بموجب القانون الدولي الإنساني. وإذ يشعر الناس أنهم أكثر أماناً, يصير بوسعهم جلب الخشب بأمان ويستأنفون زراعة الأرض من جديد " .
وبعد سبعة أسابيع فحسب, فإنها قد رأت أيضاً الصعوبات التي تواجه القائمين بالعمل الإنساني وتقول إنه من القاسي أن يدرك المرء أنه ليس بوسعهم عمل كل ما يُتَوَقّع منهم.
لكنها تقول إنها تشعر أن الأمل يتبقى مع الناس وأنه من المهم الترويج للرسالة القائلة بأن الحروب أيضاً لها حدود.
" في إسبانيا نشأت على السماع عن كل ما كان على أجدادي وجيلهم تحمّله خلال الحرب الأهلية الإسبانية بين 1936 و1939: حصار المدن والأسر التي تشتتها خطوط الجبهة والمنفى والموت في كل مكان. ورغم أن المساعدة الإنسانية كانت قائمة, إلا أنها لم تكن بعد ما صارت عليه اليوم " .
وهي تقول " أوجالا " , (إن شاء الله), " سوف يكون عملي مفيداً " .
من الصعوبة بمكان الوصول إلى الأماكن الأكثر نأياً في دارفور حيث يوجد الكثير من الأشخاص الأكثر هشاشة.
فالطرق قليلة ومتباعدة وحتى الطرق المفروشة بالحصي نادرة, وتعد الوديان التي جفّت في ظل حرارة تبلغ 45 درجة جزءاً غادراً من التضاريس حيث يمكن بسهولة أن تغوص السيارات والشاحنات فيها.
وفي ظل هذه الظروف يقود " سمير قزّاز " شاحنات اللجنة الدولية التي توصّل الغذاء وغيره من المواد الضرورية عبر أنحاء غرب دارفور.
" إننا على تخوم الصحراء, ويمكن للحرارة أن تكون غير محتملة " , كما يقول. " يجب أن يكون معك مدد كافٍ من المياه وأن تشرب في المتوسط أربعة لترات يومياً " .
وفي موسم الأمطار يزداد اللون الأخضر وتقل الحرارة, لكن المشكلات اللوجستية لا تختفي وإنما تصبح مختلفة فحسب.
" دائماً ما تنغرز الشاحنة في مكان أو آخر بسبب حجم المياه في الأودية. وا لسؤال يكون عن طول الفترة التي سيكون عليك أن تمكثها هناك ـ يتوقف ذلك على قدر ما نزل من مطر " .
وصل " سمير " إلى غرب دارفور في أبريل/نيسان وأتم نحو ثلاثين عملية توزيع منذ ذلك الوقت.
" يمس شغاف قلبي أن أرى كل هؤلاء الناس من ذوي الحاجات " , وأنا أتعاطف معهم. كان أهلي أيضاً لاجئين حيث وصلوا إلى الأردن من القدس عام 1948 ولم يكن بحوزتهم شيء " .
" كان هناك من قدّم لهم يد العون. وأنا سعيد أن يكون بوسعي أن أفعل الشيء ذاته مع آخرين " .
-
شارك
|





