صفحة من الأرشيف: قد تحتوي على معلومات قديمة
  • ارسال
  • طبع

السودان: بناء آبار جديدة بدل الآبار القديمة في غرب دارفور

18-07-2006 تحقيقات

تقوم اللجنة الدولية, في القرى العربية النائية في غرب دارفور, بإدارة برنامج لتأمين آبار محفورة باليد مخصصة للبدو ومربي الماشية والمزارعين الذين يواجهون مشاكل في تنظيف الآبار التقليدية وصيانتها في المناطق الجافة وشبه القاحلة. تقرير من "جسيكا باري".

     

    © ICRC      
   
    "آشا عبدالله" (بالأخضر) تجمع المياه من الوادي منذ أربعين عاماً وشيخ القرية, موسى إدريس, (بالأبيض) ينظر إليها.      
        قررت اللجنة الدولية إطلاق البرنامج قبل شهرين, على أثر تقييم للاحتياجات قامت به في المناطق المنخفضة لجبل مرة. ويأتي هذا المشروع مكمّلاً لعملية أوسع تقوم بها اللجنة الدولية من أجل تأمين المياه لحوال ي 1.5 مليون شخص من المقيمين والنازحين في دارفور, وذلك من خلال إعادة تأهيل المضخات ومحطات الضخ وحفر الآبار وإقامة الحفر الجوفية. وتهدف برامج المياه للجنة الدولية إلى توفير المساعدة متجاوزة كل الحدود الإثنية, حيثما تدعو الحاجة.

وفي قرية " قورني " الخاضعة للحكومة والواقعة في محلة " نرتيتي " على بعد 40 كلم من " زالنجي " , هناك مجموعة من البيوت المسقوفة بالقش في مجمعات تحميها الأشواك. وتحيط بهذه المنازل قرى متفرقة أو " دمرات " خاصة بجماعات البدو العربية. وفي هذا المكان, تقوم اللجنة الدولية بتنفيذ برنامج حفر الآبار, تحت إشراف مهندس مياه من أفغانستان وحرفي محلي من ذوي الكفاءات.

يحفر البدو آبارهم التقليدية بأيديهم في قاع الأنهر الموسمية المعروفة بالوديان. وتكون جوانب الآبار, التي تصل أحياناً إلى عمق يبلغ ستة أمتار, مغطاة بأغصان الشجر للحؤول دون انهيارها. ويتم سحب المياه باستخدام أوعية أو دلي تُربط بحبال طويلة ومعقودة, ثم تُسكب في أحواض غير عميقة لتشرب منها الحيوانات. أما الصفائح فتستخدم لنقل المياه إلى المنازل.

وهكذا حول قرية " قورني " , يمكن أن ترى, يوماً بعد يوم, النساء بأثوابهن البراقة يركبن حميراً رمادية صغيرة والرجال على ظهر الجمال والخرفان المكسوة بالغبار والبقرات الهزيلة, والكل يشق طريقه عبر الأراضي الجافة باتجاه نقاط المياه.

وخلال موسم الأمطار من آخر حزيران/يونيو وحتى تشرين الأول/أكتوبر, تتحول الوديان إلى سيول عميقة وقوية تغمر الآبار وتفيض في الأراضي. وفي هذه الفترة, يرحل البدو إلى مراعٍ بعيدة ولا يعودون إلا عندما تسمن الحيوانات بما فيه الكفاية ويتوقف هطول المطر. أما أفراد العائلات الذين يمكثون في القرى فيزرعون مساحات صغيرة من الذرة في أرض الصحراء المشبعة بالماء ويزرعون بذور البامية والبندورة في الحدائق أثناء فترة الأمطار السخية والقصيرة. وما إن تتوقف الأمطار عن الهطول وتجف الأنهر من جديد, تكون الآبار بحاجة إلى الكثير من التصليح, ويكون ذلك عملاً مضنياً يقوم به السكان عاماً بعد عام. 

     
    © ICRC      
   
    الآبار التقليدية ليست محمية وهي معرضة للتلوث.       
        ويهدف برنامج اللجنة الدولية لقرية " قورني " إلى تسهيل الجهود المبذولة من خلال استخدام أطواق مقولبة من الإسمنت يتم رصفها لتغطية جوانب البئر عوضاً عن أغصان الشجر التقليدية. فتنظيف الإسمنت وصيانته سهل وهو يدوم لسنوات عدة. ومن خلال استخدام مضخة لاستخراج المياه من قعر البئر خلال فترة الحفر, يمكن جعل البئر أكثر عمقاً وبالتالي إنشاء خزان بسعة أكبر. وتبنى أحواض شرب الحيوانات بالقرب منها ويتم تغذيتها بقنوات لنقل المياه.

هذا وتقع إحدى الوديان التي ينفذ فيها برنامج " قورني " بالقرب من قرية " كوي " .

ويهدف المشروع الذي يحظى بموافقة الزعماء المحليين إلى إشراك المجتمعات المحلية في هذا العمل قدر المستطاع. ويساعد الرجال في أعمال الحفر وجمع الرمال والحصى لمزج الإسمنت. وتقوم اللجنة الدولية محلياً بشراء المواد الأساسية الأخرى مثل الإسمنت وقضبان الحديد لصب الدعائم.

ويقوم حرفي محلي بقولبة أطواق الإسمنت المستخدمة لرصف الآبار, وكان قد عمل لعدة سنوات في مشروع " جبل مرة " الذي قامت به وكالة حكومية. وعندما بدأ النزاع في دارفور, توقف العمل بسبب عدم إمكانية الوصول إلى العديد من المناطق. واليوم, يُعتبر هذا الحرفي عنصراً أساسياً في الفريق, ويستخدم مهاراته لصناعة أطواق الآبار لبرنامج اللجنة الدولية. ولإنه ينتمي إلى قبيلة " فور " كان يساوره بعض القلق لدى زيارته للقرى ولكن سرعان ما تبدد هذا القلق إثر الترحيب الحار الذي لقيه في كل مكان.

" آشا عبد الله " أرملة تبلغ الخامسة والأربعين من عمرها ولا يقلقها إلا الحصول على المياه لنفسها ولأولادها الخمسة. وهي تعتقد أن الحياة لن تتغير كثيراً عندما يتم الانتهاء من البئر الجديد في وادي " كوي " حيث تجمع المياه منذ أكثر من أربعين عاماً.

وتنحني " آشا " , وسط تدافع الأقدام الملوثة بالطين وجلبة الخفاف, لتملي صفائحها بالقرب من مسقى الحيوانات وتقول رافعة عينيها نحو الأشجار المحازية للوادي, وفي وجهها عبارات التسليم للقدر: " عندما ستبدأ الأمطار بالهطول مجدداً, سوف تصل المياه إلى هنا في كل الأحوال " .

وفي موقع آخر قريب, تنهمك مجموعة من النساء في استخراج المياه من بئر تم الانتهاء من بنائه. وبالإضافة إلى التغطية الإسمنتية لهذا البئر, فهو محاط بجدار منخفض من الباطون يمنع اقتراب الحيوانات.

وسألنا امرأة شابة كانت عائدة من جمع بعض العلف لحمارها عما يعني لها هذا المصدر الجديد للمياه, وقالت: " إنه أمر رائع. في البئر القديم كانت دائماً المياه وسخة وهذه المياه هي على الأقل نظيفة. "