وضع نهاية للأسلحة النووية
20-04-2010 تصريح
بيان السيد جاكوب كلينبرغر, رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى أعضاء السلك الدبلوماسي في جنيف, جنيف, 20 نيسان/أبريل 2010
انظر أيضا:
- عدد خاص من المجلة الدولية للصليب الأحمر حول الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية بشأن مشروعية الأسلحة النووية والقانون الدولي الإنساني, 1997
- تلغراف من مندوب اللجنة الدولية فريتز بلفينجر, هيروشيما, 30 أغسطس/آب 1945
- الأسلحة النووية: فرصة تاريخية - مقابلة مع رئيس قسم الأسلحة في اللجنة الدولية للصليب الأحمر
طغت قضايا نزع السلاح النووي والحد من الانتشار النووي في الأسابيع والأشهر الأخيرة على الساحة الدولية من جديد. وبدأت الجهود الدبلوماسية النشطة تبشر بإحراز تقدم في قضايا الأسلحة النووية بعد تأخر طال أمده خلال حقبة ما بعد الحرب الباردة.
وتؤمن اللجنة الدولية للصليب الأحمر إيماناً راسخا بأن النقاش حول الأسلحة النووية يجب ألا يدور بناءً على العقائد العسكرية وسياسات القوة فقط. فوجود الأسلحة النووية يطرح بعض الأسئلة الأكثر عمقاً في ما يتعلق بالمستوى الذي يتعين فيه أن تتنازل الدول عن حقوقها لمصالح البشرية, وقدرة الجنس البشري على التحكم في التكنولوجيا التي يستحدثها, وانتشار القانون الدولي الإنساني, ونطاق امتداد الآلام البشرية التي نرغب في إحداثها أو السماح بها وقت الحرب.
إن النقاش الدائر حالياً يجب أن يتناول في نهاية المطاف الكائنات البشرية والقواعد الأساسية للقانون الدولي الإنساني والمستقبل الجماعي للبشرية.
ولدى اللجنة الدولية صوت يكتسي طابعاً شرعياً في هذا النقاش. ولقد كانت هذه المنظمة منذ ظهورها, قبل 150 سنة, شاهداً على آلام لا قياس لها عانتها البشرية بسبب الحرب, وتدرك قدرة القانون الدولي الإنساني على وضع حد لهذه الآلام. وتضيف اللجنة الدولية إلى هذا النقاش شهادتها المباشرة على آثار استخدام الأسلحة النووية ومدى قدرتها على جعل مهمة المساعدة الإنسانية التي وجدت المنظمة من أجلها مستحيلة. فكان الدكتور " مارسيل جونو " , مندوب اللجنة الدولية, هو ا لطبيب الأجنبي الأول الذي وقف على الآثار التي سببتها القنبلة الذرية في هيروشيما وساعد الضحايا الذين سقطوا على إثرها. وقد سجل شهادته, التي تصف حقيقة وقع هذا السلاح على الإنسان, في مقال تحت عنوان " كارثة هيروشيما " , نشر للمرة الأولى عام 1982 وهو الآن محفوظ في أرشيف اللجنة الدولية. وفي ما يلي اقتباس من المقال:
" لقد ... شاهدنا منظرا فاق كل ما شاهدناه من قبل. تحول وسط المدينة إلى رقعة بيضاء مسطحة ملساء شبيهة بكف اليد, سرعان ما اختفى كل ما عليها. وبدا أن أثر المنازل نفسها قد اختفى. كان قطر الرقعة البيضاء لا يتجاوز الكيلومترين, وكانت محاطة بحزام أحمر رسم معالم المنطقة التي احترقت فيها المنازل, وامتد على مسافة أكثر بعداً, مغطياً كل ما تبقى من أجزاء المدينة تقريباً " .
وذكر شهود قابلهم الدكتور " جونو " , أنه وبعد ثوانٍ معدودة فقط من وقوع الانفجار " ضربت موجة حر شديد آلاف الأشخاص في الشوارع والحدائق وسط المدينة, فسقطوا مثل الذباب متأثرين من شدة الحرارة. بينما سقط آخرون ملتوين حول أنفسهم مثل الديدان, وهم يحترقون بشكل فظيع. واختفت من على سطح الأرض كل المنازل الخاصة والمستودعات وغيرها, وكأنها نسفت بقوة غير طبيعية. وتناثرت عربات الترام على بعد مسافات وكأنها فقدت كل وزنها; وقذفت عربات القطار بقوة بعيدا عن سكة الحديد (...). توقف نبض الحياة وتحجَّر كل شيء في منظر تجسدت فيه حدة الآلام " .
وقد راح الدكتور " جونو " يروي أن دماراً بهذا الحجم لم يكن ليستثني البنية التحتية الطبية ولا الأطباء ولا المعدات. فأشارت التقارير إلى مصرع 270 طبيباً من أصل 300 في هيروشيما, و1654 ممرضا من أصل1780, و112 صيدليا من أصل 140. وكانت المعجزة أن ظل مستشفى الصليب الأحمر الياباني الذي زاره " جونو " والمبني من الحجر سالماً في معظمه. ومع ذلك توقف عن العمل بعد أن تعطلت تجهيزاته المختبرية ولقي ثلث عدد موظفيه حتفهم ولم يعد نقل الدم ممكناً بعد وفاة المتبرعين بالدم أو اختفائهم. أما آلاف المرضى الذين احتموا بين جدرانه في اليوم الأول, فلقي 600 منهم مصرعهم في لمح البصر.
إن الآلام التي تتسبب فيها الأسلحة النووية تزداد بسرعة مطردة نتيجة تدمير البنية التحتية اللازمة لتقديم مساعدات الطوارئ الطبية. كما تؤدي خصائص الأسلحة النووية المحددة, أي كل الآثار التي تخلفها على الحياة البشرية بسبب الإشعاعات التي تطلقها, إلى المعاناة والموت حتى بعد مرور سنوات على وقوع الانفجار الأول. وقد ينطوي المستقبل القريب بالنسبة للناجين على الاجتفاف المهدد للحياة والإسهال الناجم عن الجروح التي يصيب الجهاز الهضمي وحالات التعفن التي تهدد الحياة والنزيف الدموي الحاد الناجم عن انقطاع نقي العظم. وفي حال نجاتهم من هذه التهديدات, فإن المصابين يواجهون خطراً متزايداً بالإصابة ببعض أنواع السرطان وتنقل أضرار وراثية إلى أجيال المستقبل. وهكذا, يزهق المزيد من الأرواح مع مرور الزمن. وقد تضاعفت الوفيات في هيروشيما وناغازاكي مرتين أو ثلاث مرات خلال السنوات الخمس التي تلت.
وبالرغم من أن قدرة الأسلحة النووية على الدمار زادت بالآلاف إبان الحرب الباردة, فإن قدرة الدول والوكالات الدولية على مساعدة الضحايا المحتملين لم تزد. وقد استكملت اللجنة الدولية مؤخراً تحليلاً شاملا لقدرتها وقدرة الوكالات الدولية الأخرى على مساعدة ضحايا استخدام الأسلحة النووية أو الإشعاعية أو الكيمائية أو البيولوجية. ورغم تمتع بعض البلدان بقدرة معينة على الاستجابة للاحتياجات, فإن هذه القدرة ضئيلة على الصعيد الدولي ولا توجد أية خطة واقعية ومنسقة. ويكاد يكون من المؤكد أن المناظر التي شوهدت في هيروشيما وناغازاكي ستكون هي المناظر نفسها التي ستنجم عن أي استخدام للأسلحة النووية في المستقبل.
إننا نعلم اليوم أن القدرة المدمرة للأسلحة النووية التي استخدمت في هيروشيما وناغازاكي لا ترقى إلى قوة الأسلحة المخزنة في الترسانات الحالية. وتوحي السيناريوهات العديدة التي تصف استخدام السلاح النووي بأن الدمار الذي قد تتكبده البشرية والمجتمعات سيكون أسوأ بكثير. ونعلم أيضا أن استخدام جزء من الأسلحة المخزنة في الترسانات الحالية من شأنه أن يؤثر في البيئة على مدى سنوات طويلة ويجعل الزراعة مستحيلة في مناطق شاسعة. وبالتالي فإن تداعيات هذه الأسلحة على الحياة البشرية تدفع بالفعل إلى الرصانة.
أصحاب المعالي, سيداتي, سادتي,
إن اللجنة الدولية للصليب الأحمر ظلت منشغلة بشأن الأسلحة النووية فترة طويلة وبالتهديد الكبير الذي تفرضه على المدنيين وانعكاساتها على القانون الدولي الإنساني. وكانت المنظمة قد أعربت علناً في 5 أيلول/سبتمبر 1945 عن أمنيتها في حظر الأسلحة النووية. كما دعت الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر برمتها منذ عام 1948 إلى حظر أسلحة الدمار الشامل بشكل عام, والأسلحة النووية بشكل خاص. وصرحت اللجنة الدولية, في بيان وجهته إلى الدول الأطراف في اتفاقيات جنيف عام 1950, أنه وقبل عصر الذرة:
" [... ] كانت الحرب دائما تستلزم فرض قواعد تقييدية معينة; بل وكانت فوق ذلك (...) تقضي بالتمييز بين المقاتلين وغير المقاتلين. ومع ذلك وباستخدام القنابل الذرية والصواريخ غير الموجهة, بات التمييز أمراً مستحيلا. فتلك الأسلحة لن تستثني المستشفيات ومعسكرات أسرى الحرب والمدنيين. وبالتالي, فإن النتيجة الحتمية لها هي الإبادة ليس إلا. وتحول الآثار المباشرة والدائمة لهذه الأسلحة دون إمكانية الوصول إلى الجرحى وعلاجهم. وفي هذه الظروف, فإن مجرد افتراض استخدام الأسلحة الذرية, لأي سبب من الأسباب, أمر كافٍ لجعل أية محاولة لحماية الأشخاص غير المقاتلين بموجب النصوص القانونية, من قبيل الوهم. وهكذا يصبح القانون, مكتوباً كان أم غير مكتوب, عاجزاً أمام الدمار الشامل الذي يجره استخدام هذا السلاح " . ومن هذا المنطلق ناشدت اللجنة الدولية الدول اتخاذ " كل التدابير اللازمة للتوصل إلى اتفاق بشأن حظر الأسلحة الذرية " .
ورحبت اللجنة الدولية عام 1996 برأي محكمة العدل الدولية لما أكدت في رأيها الاستشاري بشأن الأسلحة النووية, أن مبدأي التمييز والتناسب المنصوص عليهما في القانون الدولي الإنساني " لا يجوز انتهاكهما " وأنهما ينطبقان أيضا على الأسلحة النووية. ومن خلال تطبيق هذين المبدأين على الأسلحة النووية, خلصت المحكمة إلى أن " استخدام الأسلحة النووية سيكون في العموم مخالفاً لمبادئ القانون الدولي الإنساني وقواعده " . لكنها لم تتمكن من اتخاذ قر ار للبت في ما إذا كان استخدام الأسلحة النووية مشروعاً حتى في الحالة القصوى للخطر الذي يهدد بقاء الدولة نفسه.
وذكر البعض سيناريوهات معينة محددة بدقة لمساندة الرأي القائل بأن الأسلحة النووية يمكن استخدامها بطريقة قانونية في بعض الأحوال. إلا أن المحكمة رأت أن " القوة المدمرة للأسلحة النووية لا يمكن احتواؤها لا من حيث المكان ولا من حيث الزمان (...). فالإشعاعات المنبعثة من الانفجار النووي من شأنها أن تضر بالصحة والزراعة والموارد الطبيعية والديموغرافية على مساحات واسعة جدا. علاوة على ذلك, قد يشكل استخدام الأسلحة النووية خطراً جسيما على أجيال المستقبل... " . وفي ضوء هذه الاستنتاجات, ترى اللجنة الدولية أن أي استخدام للأسلحة النووية من الصعب أن يكون متوافقاً مع قواعد القانون الدولي الإنساني.
إن موقف اللجنة الدولية, بصفتها منظمة إنسانية, يتجاوز مجرد التحليل القانوني البحت, ويجب أن يذهب إلى أبعد من ذلك. فالأسلحة النووية فريدة من نوعها بحكم قوتها المدمرة والمعاناة البشرية التي تحدثها بصورة يعجز الفم عن وصفها, واستحالة التحكم في آثارها من حيث الزمان والمكان, ومخاطر التصعيد الذي تحدثه, والأخطار التي تخلفها على البيئة وأجيال المستقبل, بل في الواقع على بقاء البشرية جمعاء. وانطلاقا من ذلك, تناشد اللجنة الدولية اليوم كل الدول العمل على منع استخدام تلك الأسلحة مرة أخرى على الإطلاق, بصرف النظر عن رأيها في مدى شرعية هذا الاستخدام.
إن المجتمع الدولي يملك الآن فرصة فريدة للحد من خطر الأسلحة النووية والتخلص منها لصالح أجيال الحاضر والمستقبل. وكان مجلس الأمن للأمم المتحدة, قد أيد في اجتماع القمة المنعقد شهر أيلول/سبتمبر 2009, الهدف الذي يرنو إلى " عالم خالٍ من الأسلحة النووية " . ووافق المؤتمر المتعلق بنزع السلاح المنعقد في جنيف قبل ذلك بأربعة أشهر, بالإجماع على برنامج عمل ومفاوضات تتعلق بقضايا السلاح النووي, بما في ذلك نزع هذا السلاح. وقد خلص بعض القادة السياسيين والعسكريين الأكثر شهرة في العقود الأخيرة إلى أن الأسلحة النووية تهدد الأمن على الصعيدين الوطني والدولي كما دعموا العمل على التخلص منها. وأقر الرئيسان " أوباما " و " مدفيدف " بمسؤولية بلديهما للحد من الأسلحة النووية. ويتيح المؤتمر الاستعراضي بشأن معاهدة منع ا نتشار الأسلحة النووية, المقرر عقده في نيويورك الشهر القادم, فرصة تاريخية أمام الدول التي تملك هذه الأسلاحة وتلك التي لا تملكها من أجل الموافقة على خطط ملموسة تسمح بالوفاء بجميع الالتزامات المترتبة على المعاهدة بما فيها تلك المتعلقة بنزع السلاح النووي.
وترى اللجنة الدولية من وجهة نظرها, أن منع استخدام الأسلحة النووية يقتضي الوفاء بالالتزامات القائمة بمواصلة المفاوضات الرامية إلى حظر تلك الأسلحة والتخلص منها كلية بموجب معاهدة دولية ملزمة قانوناً. ويعني ذلك أيضا منع انتشارها وكبح اقتناء المعدات والتكنولوجيا التي يمكن أن تُستخدم لغرض إنتاج تلك الأسلحة.
لقد استهل الدكتور " مارسيل جونو " شهادته قائلاً: " إن الوقع المادي الذي خلفته القنبلة فاق كل اعتقاد وكل إدراك وكل تصور. وكانت آثارها الأخلاقية مروعة " . لذلك, يجب ألا نسمح لأنفسنا أبدا باللامبالاة أخلاقياً أمام الآثار المروعة لسلاح يتحدى إنسانيتنا المشتركة, ويضع موضع التساؤل أهم المبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني, ويمكن أن يهدد الوجود المتواصل للأجناس البشرية.
إن اللجنة الدولية تناشد اليوم جميع الدول, وجميع الأطراف التي تستطيع أن تؤثر عليها, أن تنتهز بحزم وبصورة عاجلة الفرص الفريدة المتاحة لها الآن من أجل إنهاء حقبة السلاح النووي.
-
شارك
|

