• ارسال
  • طبع

التحديات التي تواجه القانون المعني بالاحتلال

21-11-2005 تصريح

كلمة الأستاذ دانيل ثورير عضو اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي ألقاها في الندوة السادسة التي أقيمت في "بروج" في الفترة من 20-21 أكتوبر/تشرين الأول 2005.

يعتمد النص التالي بشكل كبير على مقال  Daniel Thürer و Malcolm MacLaren المعنون Ius Post Bellum: A Challenge to the Applicability and Relevance of International Humanitarian Law, in: Festschrift für Jost Delbrück, Berlin 2005, S. 753-782. . وللحصول على تحليل لاحق لموضوع المقال, انظر:

Knut Dörmann and Laurent Colassis, International Humanitarian Law in the Iraq Conflict, 47 GYIL (2004), p. 293 et seq.; Marten Zwanenburg, Existentialism in Iraq: Security Council Resolution 1483 and the law of occupation, 86(856) IRRC (December 2004), p. 745 et seq

للاطلاع على السياق العام أنظر:

Michael Bothe, Occupation after Armistice / Occupation, Belligerent / Occupation, Pacific, in: Rudolf Bernhardt (ed.), Encyclopedia of Public International Law, Volume III (1992), p. 761 et seq

يتقدم الكاتب في جميع الأحوال بالشكر للقسم القانوني التابع للجنة الدولية للصليب الأحمر لما قدمه من مساهمات لإثراء هذا النص.

من المفترض أن أقدم نظرة شاملة عن موضوع ندوتنا وهو " التحديات التي تواجه القانون المعني بالاحتلال " وهو موضوع يأتي طرحه في الوقت المناسب. فعلى مدار عدة عقود, عملت اللجنة الدولية للصليب الأحمر في حالات الاحتلال المختلفة. ومع ذلك, أصبح هذا الموضوع في صدارة اهتمامات عدد أوسع من الجمهور مع وقوع الأحداث الأخيرة التي ألقت الضوء على عدد من القضايا الجديدة. وأعتقد أن هذا اللقاء يشكل إلى أبعد الحدود فرصة ثمينة لتبادل وجهات النظر والخبرات في ما بيننا. وستتركز مداخلتي على القضايا القانونية إلا أنه قد تعين على اللجنة الدولية في السنوات الأخيرة الاستجابة إلى تحديات أخرى مختلفة نتجت عن حالات الاحتلال تعلق أكثرها بالعمليات الميدانية الخاصة بالقضايا التالية:

 
  • دور المنظمات الإنسانية في حالات الاحتلال
  • كيفية التفاعل مع قوات الاحتلال دون الإخلال بما تلتزم به اللجنة الدولية من استقلال وعدم تحيز وحياد
  • الواقع الذي قد تفرضه بعض حالات الاحتلال التي تمارس اللجنة الدولية نشاطاتها في ظلها, إذ شكلت الظروف الأمنية تحديا خطيرا حيث بلغ الأمر استهداف العاملين في المجال الإنساني.
  •  

وتكتسب هذه القضايا أهمية بالغة بالنسبة للقضايا التي تعالجها المؤسسة كما أن لها انعكاسات على النشاطات التي تتولاها اللجنة الدولية في الميدان بما في ذلك تلك التي تتعلق بتعزيز احترام القانون الإنساني وبالأشخاص المضارين من جراء النزاع المسلح على وجه الأساس.

وكما يوضح برنامج الندوة الحالية فإن الموضوعات التي يثيرها الاحتلال كثيرة وتتعدى حدود القانون الدولي الإنساني وحدود القانون في الواقع. لا يسعني هنا محاولة التعرض لبعض منها حتى لو كان قليلا. وأقترح بدلا من ذلك أن أعرض بعض المسائل " من واقع الحياة " التي تعَين على اللجنة الدولية مؤخرًا معالجتها وذلك في ما يتصل بنشاطاتها في العراق.

أود بداية الإشارة إلى نقطتين تمهيديتين:

  أولا: على الرغم من أنني سأكتفي بمناقشة القواعد التي تشتمل عليها الصكوك الخاصة بالقانون الدولي الإنساني فإنني أشير إلى أنها لا تمثل, بأي حال من الأحوال, القانون الوحيد الذي يطبق على حالات الاحتلال, إذ يجب ألا ننسى أنها مازالت تطبق عليها القوانين الوطنية, وسنناقش في هذا الصدد بعض الاستثناءات في وقت لاحق. وهناك مسألة تثير المزيد من الجدل قد تطرح خلال المناقشات في ما بعد, وتدور حول إمكانية مواصلة تطبيق حقوق الإنسان في أوقات الاحتلال. وهذا هو الموقف الذي تتبناه لجنة مناهضة التعذيب ولجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة فضلا عن عدد من الدول.

  ثانيا: ومع اعتبار أن في ذلك تكرارا لما هو بيِّن, سيتعين عليَ التذكير بأن القانون الدولي الإنساني لا ينظم المسائل القانونية المتعلقة بالاحتلال ولا يؤثر على تطبيق القانون المعني بالاحتلال. فالقانون الدولي الإنساني عبارة عن مجموعة من القوا عد التي تطبق, في أوقات النزاع المسلح, بهدف حماية الأشخاص الذين لا يشاركون بشكل مباشر في العمليات العدائية أو لم يعودوا قادرين على المشاركة فيها كما ينظم استخدام الوسائل والأساليب المسموح بها في الحرب.

يطبق القانون الدولي الإنساني في الأوضاع التي تصل فعليا إلى حد النزاع المسلح. وهو ينظم سير العمليات العدائية إلا أنه لا يشمل مسألة شرعية اللجوء إلى استخدام القوة في حد ذاته. إذ هناك مجموعة من القواعد القانونية المختلفة من شأنها تنظيم شرعية هذا اللجوء, وهي القواعد المعنية بحق اللجوء إلى القوة ius ad bellum والتي جرى اليوم تدوينها في إطار ميثاق الأمم المتحدة. ويشكل الاثنان مجموعات من القوانين المختلفة إلى حد بعيد. فعند وقوع نزاع مسلح يطبق القانون الدولي الإنساني بصورة متساوية على جميع الأطراف بغض النظر عن شرعية اللجوء إلى استخدام القوة.

ويصح ذلك أيضا بالنسبة للاحتلال. ينظم شرعية أي احتلال خاص ميثاق الأمم المتحدة والقواعد الخاصة بقانون اللجوء إلى القوة jus ad bellum. فحين تصل حالة في الواقع إلى حد الاحتلال, يطبق القانون المعني بالاحتلال سواء اعتبر الاحتلال شرعياً أم لا.[1 ] ولا فرق في هذا المجال, إن حظي الاحتلال بموافقة مجلس الأمن وما هو هدفه أو هل سمي في الواقع " اجتياحاً " أو " تحريراً " , أو " إدارة " أو " احتلالا " . ولا تترك لدولة الاحتلال حرية التصرف بشأن تطبيق القانون المعني بالاحتلال. فكما هي الحال دائما بالنسبة للقانون الدولي الإنساني تكمن الأهمية في ما يحدث على أرض الواقع.

دعونا الآن نلقي نظرة على بعض الأمثلة من واقع الحياة التي يشهدها الميدان. أود طرح ومناقشة الأسئلة التالية:

1) ما هي الحالات التي تصل في الواقع إلى حد الاحتلال؟

2) ما هي دول الاحتلال التي كانت في العراق؟

3) ما هي حقوق وواجبات دول الاحتلال؟

4) هل انتهى الاحتلال يوم 28 يونيو/حزيران 2004 ؟

5) هل نقل السيطرة الفعلية لسلطة أخرى والموافقة على استمرار وجود قوات يعد شرطا لإنهاء حالة الاحتلال؟

6) ماذا عن تطبيق القانون الدولي الإنساني في العراق بعد 28 يونيو/حزيران 2004؟

وأخيرا, سأحاول أن أخلص إلى بعض الاستنتاجات. 

دعوني الآن أطرح السؤال الأول:

  1. ما هي الحالات التي تصل في الواقع إلى حد الاحتلال؟  

تنص اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب المؤرخة في 1949 على عدة أحكام تطبق في حالات الاحتلال. إلا أنها لا تتضمن تعريفا للاحتلال. لذا يتعين علينا الرجوع إلى لوائح لاهاي الخاصة باحترام قوانين وأعراف الحرب البرية لعام 1907 والتي تعد أول عملية تدوين للأحكام المنظمة للاحتلال على المستوى الدولي. وتنص المادة 42 من اللوائح على:

تعتبر أرض الدولة محتلة حين تكون تحت السلطة الفعلية لجيش العدو ولا يشمل الاحتلال سوى الأراضي التي يمكن أن تمارس فيها هذه السلطة بعد قيامها.

وتضيف الفقرة الثانية من المادة الثانية المشتركة بين اتفاقيات جنيف أنها تنطبق

في جميع حالات الاحتلال الجزئي أو الكلي لإقليم أحد الأطراف السامية المتعاقدة, حتى لو لم يواجه هذا الاحتلال مقاومة مسلحة.

ومن هذا المنطلق, نرى أن هناك ثلاثة معايير ذات صلة: 

 
  • ممارسة للسلطة أو سيطرة فعلية
  • السيطرة على جزء من أراض تابعة لدولة أخرى أو جميعها
  • ليس من الضروري أن يواجه هذا الاحتلال مقاومة مسلحة.
  •  

يحتمل مفهوم " ممارسة السلطة " تفسيرين مختلفين على الأقل.

  أولا: يمكن أن يقصد به أن ثمة حالة احتلال حينما يمارس طرف من أطراف النزاع درجة معينة من السلطة أو السيطرة على أراض تابعة للعدو. فعلى سبيل المثال, يمكن اعتبار قوات تتقدم داخل أراض بأنها في وضع احتلال ومن ثم فهي ملزمة بالقانون المعني بالاحتلال خلال مرحلة الغزو من العمليات العدائية. وهذا التفسير هو الذي اقترحه " جون بيكتيه " سنة 1958 في " التعليق على اتفاقية جنيف الرابعة " .

}لا يعتمد تطبيق اتفاقية جنيف الرابعة على وجود حالة احتلال بالمعنى المشمول في المادة 42 المشار إليها أعلاه مادام الأمر يتعلق بالأفراد. تحكم الاتفاقية (اتفاقية جنيف الرابعة) العلاقات بين سكان أحد الأراضي المدنيين والقوات التي تتقدم داخلها, سواء كان هناك قتال أم لا. ولا توجد فترة انتقالية بين ما يمكن أن يسمى بمرحلة الغزو وبداية نظام احتلال مستقر. وإذا دخلت إحدى الدوريات أراضي العدو مع انتفاء قصد المكوث هناك, يتعين عليها احترام الاتفاقيات عند تعاملها مع المدنيين الذين تلتقي بهم. وعند انسحابها على سبيل المثال, لا يمكنها أخذ مدنيين معها, إذ يتعارض ذلك مع المادة 49 التي تحظر النقل الجبري للأشخاص المحميين أو نفيهم من الأراضي المحتلة. يسري ذلك أيضا على الغارات الجوية التي تشن على أرض العدو أو سواحله. ليس هناك أي لبس في الاتفاقية حول هذا الشأن: جميع الأشخاص الذين تحميهم الاتفاقية هم أولئك الذين يجدون أنفسهم تحت سلطة طرف في النزاع ليسوا من رعاياه أو دولة احتلال ليسوا من رعاياها. لا يوجد مخرج في الاتفاقية (التشديد مضاف){.

وثمة تفسير بديل أكثر حصراً يقول إن حالة الاحتلال تسود فقط حين يكون أحد أطراف النزاع في وضع يسمح له بممارسة درجة معينة من السلطة على أراض للعدو كافية لتمكينه من الوفاء بجميع الالتزامات التي يفرضها القانون المعني بالاحتلال وذلك يعني ضرورة أن تكون القوة الغازية في وضع يسمح لها بإحلال سلطتها محل السلطة التي تحكم الأراضي. ويقترح هذا التفسير عدد من الكتب العسكرية التعليمية. فعلى سبيل المثال, يوفر " الدليل العسكري البريطاني " الجديد اختبارا من جزءين لإثبات وجود احتلال:

أولا: أن تصبح الحكومة السابقة عاجزة عن ممارسة سلطتها على هذه المنطقة علانية; ثانيا: أن تكون دولة الاحتلال في وضع يسمح لها بإحلال سلطتها محل سلطة الحكومة السابقة. [2 ]

واستنادا إلى هذا التفسير, لا تطبق القواعد الخاصة بالاحتلال أثناء مرحلة الغزو وفي مناطق القتال. وما يتضح من ذلك أنه ليس من الضروري قيام دولة بالسيطرة على جميع الأراضي التابعة لدولة أخرى حتى تسود حالة احتلال, إذ يكفي أن تكون السيطرة على أي جزء من أجزاء هذه الأراضي.

ويعد تحديد الوقت الذي يتعين فيه الشروع في تطبيق القانون المعني بالاحتلال فاصلا, إذ يتقرر فيه أي من قواعد القانون الدولي الإنساني التي ستنظم إحدى الحالات.  فعند بداية الاحتلال, ينبغي مراعاة بعض الأحكام الخاصة التي تتضمنها اتفاقية جنيف الرابع ة} بالإضافة إلى بعض أحكام القانون الدولي الإنساني العامة, على سبيل المثال تلك الأحكام التي تشتمل عليها المواد من 27 إلى 34 المدرجة في القسم الخاص بـ " أحكام عامة تنطبق على أراضى أطراف النزاع والأراضي المحتلة " في اتفاقية جنيف الرابعة{. تنظم هذه القواعد بعض القضايا التي لم يشملها القانون الدولي الإنساني كاعتقال الأشخاص الذين يشكلون تهديدا للأمن أو نقل الأشخاص المحميين من أراض محتلة وتشريدهم.

يجب على اللجنة الدولية للصليب الأحمر تحديد متى يصل الوضع إلى حد الاحتلال وذلك لأسباب عملية, إذ عليها أن تقرر في أي مرحلة سيتعين عليها تذكير أحد أطراف النزاع بمسؤولياته في حالات الاحتلال. وفيما يتعلق بالعراق, كيف فصلت اللجنة الدولية في هذه المسألة؟ باتباع أسلوب عملي. تهدف اللجنة الدولية من خلال نشاطاتها إلى حماية الأشخاص المتضررين من جراء النزاع المسلح بما في ذلك الاحتلال وذلك بموجب القانون. وقد قامت اللجنة الدولية بأقصى ما يمكن أن فعله في ظل هذا الموقف - حتى خلال المرحلة التي يطلق عليها مرحلة الغزو- من أجل توفير الحماية التي تكفلها اتفاقية جنيف الرابعة للأشخاص متى خضعوا لسلطة أو سيطرة جيش معادٍ وذلك كحد أدنى. وقد يكون وصف حالة بأنها حالة احتلال سابقا لأوانه, إلا أن الهدف من هذا التفسير هو توفير أعلى درجة من الحماية للأشخاص المضارين.

يقودني ذلك إلى النقطة الثانية التي أود إثارتها معكم وهي:

  2) ما هي دول الاحتلال التي كانت في العراق؟  

كان لعدد من الدول قوات تابعة لها تعمل في الميدان على أرض العراق. هل يعني أنها كانت جميعها دول احتلال فُرضت عليها التزامات مرهقة بموجب لوائح لاهاي واتفاقية جنيف الرابعة؟ وهي مسألة كان على اللجنة الدولية أيضا معالجتها من أجل تحديد أية دولة يجب تذكيرها بمسؤولياتها بموجب القانون المعني بالاحتلال.

كان موقف كل من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة واضحا. " ومن وجهة النظر هذه, أقامت هاتان الدولتان سلطة التحالف المؤقتة (“CPA”) التي من شأنها, وفقا لما هو منصوص عليه في القسم الأول (1) من اللائحة الأولى لسلطة التحالف المؤقتة المؤرخة في 16 مايو/آيار 2003, القيام بممارسة سلطات ا لحكومة بشكل مؤقت لتوفير إدارة فعالة في العراق في فترة الإدارة الانتقالية...

والحقيقة التي شهدتها أرض الميدان تمثلت في ممارسة الولايات المتحدة والمملكة المتحدة السلطة على أراضي العراق فعلا بعد أن توليا إقامتها وذلك حتى قبل إقامة سلطة التحالف المؤقتة في الواقع. وبالإضافة إلى هذه الحقيقة, يسلم مجلس الأمن صراحة في ديباجة قراره رقم 1483 بالصلاحيات والمسؤوليات والالتزامات المحددة بموجب القانون الدولي المنطبق على هاتين الدولتين (المملكة المتحدة والولايات المتحدة) بوصفهما دولتين قائمتين بالاحتلال تحت قيادة موحدة ( " السلطة " ).

وكان وضع الأعضاء الآخرين في التحالف الذين شاركوا ببعض القوات أكثر تعقيدا. كما لاحظ مجلس الأمن في ديباجة قراره المذكور أن:

دولا أخرى ليست دولا قائمة بالاحتلال تعمل الآن أو قد تعمل في المستقبل تحت " السلطة " . 

هذا ويتعين ملاحظة أن الفقرة الخامسة من منطوق القرار والتي تعد أول أحكام القرار 1483 التي تشير تحديدا إلى القانون المعني بالاحتلال.

يطلب من جميع المعنيين أن يتقيدوا تقيدا تاما بالتزاماتهم بموجب القانون الدولي بما في ذلك بصفة خاصة اتفاقيات جنيف لعام 1949 وقواعد لاهاي لعام 1907; (التشديد مضاف)

وتنطوي الإشارة إلى " جميع المعنيين " على معنى أكثر شمولا مقارنة بالصيغة المستخدمة في أحكام القرار الأخرى الموجهة فقط إلى " السلطة " . وفي ذلك إشارة إلى اعتبار مجلس الأمن أن الولايات المتحدة والمملكة المتحدة ليستا الدولتين الوحيدتين القائمتين بالاحتلال.

يمكن اعتبار أن المقصود من الإشارة إلى " دولا أخرى ليست دولا قائمة بالاحتلال " الواردة في الديباجة هي الدول التي دعمت سلطة التحالف المؤقتة دون أن تصل مشاركتها إلى حد ممارسة السلطة على أي جزء من أجزاء الأراضي العراقية.

وكما ذكرنا سالفا, كان على اللجنة الدولية تحديد أي دول يتعين اعتبارها دول احتلال حتى تتولى تذكيرها بمسؤولياتها. وعلى الرغم من الأسلوب الدال الذي استخدمه مجلس الأمن في قراره رقم 1483 فإنه لم يُعد قرارا قاطعا أو وحيدا من نوعه. وكما هي حال اللجنة الدولية دائما عند " تحديد الصفة القانو نية " لأحد الأوضاع, فقد أمعنت النظر إلى الحقيقة التي شهدتها أرض الميدان. ماذا كانت تفعل الوحدات المختلفة في الواقع؟ ما الذي أخذناه في الحسبان على وجه الخصوص؟ لقد ركزت اللجنة الدولية على الدول التي شاركت فعلا بمقاتلين مع استثناء الدول الأخرى التي وفرت الخبراء كالمهندسين والعاملين في المجال الطبي حتى لو كانوا من العسكريين.

وقد أخذت اللجنة الدولية بعدئذ في الاعتبار ما إذا كانت الوحدات الوطنية المعنية قد كلفت بمسؤولية السيطرة الفعلية على أحد أجزاء الأراضي العراقية وأنها مارست سيطرتها عليه, وبالتالي احتلته. وقد اعتبرت جميع هذه الدول دول احتلال.

ورأت اللجنة الدولية في حقيقة تكليف بعض الدول بالسيطرة فقط على أجزاء صغيرة جدا من الأراضي وألا يكون لها سوى عدد ضئيل من القوات في الميدان لم يغير من واقع الأمر. فقد تقوم القوات بـ " مهام " داخل هذه الأراضي وثيقة الصلة بمسألة احترام القانون المعني بالاحتلال. كقيام بعض القوات بدوريات ووجود حواجز تفتيش متنقلة أو عمليات توقيف أو احتجاز لأشخاص يحميهم القانون المعني بالاحتلال وذلك على سبيل المثال. فالمسمى الذي أطلقته الدول على هذه القوات التابعة لها - سواء " قوات حفظ السلام " أو  " قوات تحقيق الاستقرار "  - لم يؤثر على حكم اللجنة الدولية الذي على العكس انصب على ما تتولاه هذه القوات من أعمال.

وتبنت اللجنة الدولية ذات الموقف البراغماتي مثلما هي الحال بالنسبة لتحديد ما إذا كان أحد الأوضاع قد وصل فعليا إلى حد الاحتلال. وإذا توخينا الدقة في القول, فإن القوات المسلحة التابعة لبعض هذه الدول والتي على الأرجح لم " تمارس سلطة " على أحد الأراضي بالمعنى المشمول في المادة 42 من لوائح لاهاي, قد كان من الممكن أن تجد نفسها على الرغم من ذلك في وضع تستطيع خلاله ممارسة سيطرتها على أشخاص محميين أو التعامل معهم ويتعين عليها احترام القوانين المعنية بالاحتلال. وبناءً على ذلك ومن أجل توفير أقصى حماية ممكنة للمدنيين, رفعت اللجنة الدولية مذكرة لهذه الدول لتذكيرها بالالتزامات المفروضة عليها بموجب القانون المعني الاحتلال. 

واستنادا إلى هذا المنهج, أرسلت اللجنة الدولية ملاحظاتها للولايات المتحدة والمملكة المتحدة بالإضافة إلى تسع دول أخرى. و لم تعترض أي منها على ذلك. ولدرء الشبهات, تعينت الإشارة مرارا وتكرارا إلى أنه على القوات المسلحة التابعة إلى أية دولة إذا ما شاركت في عمليات عدائية احترام القانون الدولي الإنساني بغض النظر عن اعتبارها دولة احتلال من عدمه. 

السؤال 3:

  3) ما هي حقوق وواجبات دول الاحتلال؟  

نظرا لضيق الوقت, لا نستطيع الخوض في التفاصيل الخاصة بحقوق وواجبات دول الاحتلال. سيتناول بعض المتحدثين هذا الموضوع من جميع الجوانب فيما بعد. وقد حددت لوائح لاهاي لسنة 1907 واتفاقية جنيف الرابعة لسنة 1949 التي ألحق إليها البروتوكول الأول لسنة 1977 هذه القواعد بوضوح. وهي تشدد في مضمونها على ضرورة عدم قيام دولة الاحتلال بممارسة سلطتها من أجل تعزيز مصالحها الخاصة أو مصالح السكان التابعين لها. كما أنه لا يمكنها بأي حال من الأحوال استغلال سكان الأراضي التي تقع تحت سيطرتها أو ما بها من موارد أو أصول لصالح أراضيها أو السكان التابعين لها.

وأيا كان الاحتلال العسكري فهو يعد بطبيعته مؤقتا; فحق السيادة لا ينتقل إلى المحتل, ولذا يتعين على دول الاحتلال الحفاظ على الوضع الراهن. فينبغي عليها إذا احترام القوانين والمؤسسات القائمة وإجراء تغييرات عندما يتطلب الوفاء بالتزاماتها ذلك فحسب بمقتضى القانون المعني بالاحتلال للمحافظة على النظام العام والأمن ولتأمين إدارة منتظمة والمحافظة على أمنها الخاص.

وفي حال العراق, كان من بين أهداف دول التحالف القيام بعملية تحول تؤدي إلى تغيير النظام وإنشاء مؤسسات ديمقراطية. يحول القانون المعني بالاحتلال بشكله الحالي دون القيام بمثل هذه التغييرات على نطاق واسع. إلا أن القانون يترك هامشا لإجراء تغييرات فيما يلي:

تتضمن المادة 43 من لوائح لاهاي لسنة 1907 أحكاما مماثلة تتناول القوى الشرعية الخاصة بالمحتل وتنص على أنه:

إذا انتقلت سلطة القوة الشرعية بصورة فعلية إلى يد قوة الاحتلال, يتعين على هذه الأخيرة, قدر الإمكان, تحقيق الأمن والنظام العام وضمانه, مع احترام القوانين السارية في البلاد, إلا في حالات الضرورة القصوى التي تحول دون ذلك. (التشديد مضاف)

وبالمثل, تنص المادة 64 من اتفاقية جنيف الرابعة على:

تبقى التشريعات الجزائية الخاصة بالأراضي المحتلة نافذة, ما لم تلغها دولة الاحتلال أو تعطلها إذا كان فيها ما يهدد أمنها أو يمثل عقبة في تطبيق هذه الاتفاقية…

على أنه يجوز لدولة الاحتلال إخضاع سكان الأراضي المحتلة للقوانين التي تراها لازمة لتمكينها من الوفاء بالتزاماتها بمقتضى هذه الاتفاقية, وتأمين الإدارة المنتظمة للإقليم وضمان أمن دولة الاحتلال وأمن أفراد وممتلكات قوات أو إدارة الاحتلال وكذلك المنشآت وخطوط المواصلات التي تستخدمها. (التشديد مضاف).

هذه هي الحالات التي يمنح فيها القانون المعني بالاحتلال دولة الاحتلال إمكانية تشريع أو إجراء تغييرات محددة. تتضمن المادتان 54 و 66 وأيضا إلى حد ما المادة 47 من اتفاقية جنيف الرابعة بعض الاستثناءات الأخرى.

ومن الجدير طرح سؤال حول ما إذا كان يتعين تغيير القانون المعني بالاحتلال وجعله أكثر مرونة. يميل بعض المعلقين إلى الموافقة على ذلك عند إدراك أن القانون المعني بالاحتلال يتعارض مع بعض الأحكام الخاصة بحقوق الإنسان المطبقة وأيضا مع بعض الاعتبارات السياسية - كالقضاء على أحد الأنظمة المستبدة على سبيل المثال- التي قد يُدعى أنها في صالح المجتمع الدولي بشكل أكثر عمومية. إلا أنه يتعين التريث عند طرح أي تغيير في القانون المعني الاحتلال. فينبغي الأخذ في الاعتبار التبعات التي قد تترتب على إجراء مثل هذا التغيير. فقد يؤدي فتح الباب على مصراعيه أمام هذا الإجراء إلى وقوع تعسف من قبل بعض الجيوش المعتدية. فقد كان هدف القانون المعني بالاحتلال هو منع دولة الاحتلال من تشكيل الهيكل الحكومي لهذه الأراضي بما يتماشى واحتياجاتها الخاصة بغض النظر عن الخلفية الثقافية والدينية والعرقية للمجتمع الذي يعيش في الأرض المحتلة. فدولة الاحتلال بحكم طبيعتها المحضة لا يمكن النظر إليها ككيان محايد لا يعمل إلا لصالح الأرض المحتلة والمجتمع الذي يعيش فيها. [3 ]  وقد ينبغي الأخذ بذلك في الأذهان عند طرح أي تغييرات بشأن القانون.

قد تكمن الطريقة المثلى لإجراء تغييرات لم يقض بها القانون المعني بالاحتلال في أن يحدد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة صراحة نوع التغيير الذي يمكن إجراؤه, وذلك باستصداره قرارا يستند إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. من شأن ذلك إضفاء الشرعية اللازمة على الإجراءات اللاحقة كما يمكن أن تجب قواعد القانون الدولي الإنساني بموجب المادة 103 من ميثاق الأمم المتحدة. إلا أنه ليس من الممكن إبطال القواعد الملزمة المشمولة في القانون الدولي الإنساني.

سيداتي سادتي, فلتسمحوا لي الآن بتناول السؤال الرابع وهو:

  4) هل انتهى الاحتلال يوم 28 يونيو/حزيران 2004 ؟  

منذ بدء الاحتلال في أواخر فصل الربيع من عام 2003 وحتى يوم 28 يونيو/حزيران 2004 لم يحدث أي تغيير ذي شأن لأغراض القانون الدولي الإنساني. وقد استمر تطبيق قانون النزاعات المسلحة بما في ذلك قانون الاحتلال برمته, بالرغم من تصريح الرئيس جورج دبليو بوش بانتهاء عمليات القتال الرئيسية في الأول من شهر مايو/آيار 2003.

وفي إطار عمليات القتال المكثفة التي تلت الأول من شهر مايو/آيار 2003, كان من المستحيل استنتاج أن " انتهاء العمليات الحربية بوجه عام " قد وقع بالفعل وفقا لما ورد في الفقرتين الثانية والثالثة من المادة السادسة في اتفاقية جنيف الرابعة. إذ كان من الممكن أن يؤدي  " انتهاء العمليات الحربية بوجه عام " المقصود إلى وقف تطبيق اتفاقية جنيف الرابعة باستثناء عدد من الأحكام في حال استمرار الاحتلال. [4 ]

وقد اتخذت خطوات في سبيل تأسيس حكومة ذات سيادة للعراق وفقا لجدول زمني جرى الاتفاق بشأنه بين سلطة التحالف المؤقتة ومجلس الحكم العراقي في نوفمبر/تشرين الثاني 2003 والذي رافقه في وقت لاحق قرار مجلس الأمن رقم 1546 الصادر بتاريخ 8 يونيو/حزيران 2004 حول الانتقال السياسي للعراق. وقد جرى رسميا نقل السلطة من سلطة التحالف المؤقتة إلى الحكومة العراقية المؤقتة الجديدة في 28 يونيو/حزيران 2004 وذلك قبل يومين من التاريخ الذي أقره مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في قراره. وإلى هنا برز سؤال حول التوصيف القانوني للوضع بعد يوم 28 يونيو/حزيران. ومن جديد, بات من المهم جدا ولأسباب عملية الحصول على إجابة محددة حول القانون الذي يتعين تطبيقه في ما يخص الأشخاص المحرومين من حريتهم على سبيل المثال.

وعادة ما ينتهي الاحتلال بانسحاب دولة الاحتلال. ويعد النصر العرضي الذي تحرزه بعض مجموعات المقاومة في الأراضي المحتلة غير كاف لإنهاء الاحتلال. كما يستمر سريان القانون المعني ب الاحتلال بعد انتهاء العمليات الحربية بوجه عام وذلك في نطاق مواصلة دولة الاحتلال ممارستها لمهام السلطة داخل إحدى الأراضي. [5 ]

وفي حال العراق, مكثت القوات الأجنبية داخل الأراضي العراقية. هل عنى ذلك استمرار سريان القانون المعني بالاحتلال؟ ما هو الأثر الذي خلفه القرار 1546 الصادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بتاريخ 8 يونيو/حزيران 2004؟

إن استمرار بقاء القوات الأجنبية بحد ذاته لا يعني بالضرورة استمرار الاحتلال. فالتاريخ يزخر بالعديد من الأمثلة التي يعلن فيها انتهاء الاحتلال أو يفترض إلى حد بعيد انتهاؤه على الرغم من استمرار تواجد القوات التابعة للمحتل. قد يحدث ذلك على سبيل المثال عندما تصاحب احدي الاتفاقيات التي تنهي احتلالا ما اتفاقية أخرى تبيح تواجد قوات أجنبية كما كانت الحال في اليابان سنة 1952 وألمانيا الغربية في 1955 وألمانيا الشرقية في 1954.

السؤال الخامس:

  5) هل نقل السيطرة الفعلية لسلطة أخرى والموافقة على استمرار وجود قوات يعد شرطا لإنهاء حالة الاحتلال؟  

ينص القرار 1546 الصادر عن مجلس الأمن على تولي الحكومة المؤقتة كامل المسؤولية والسلطة بحلول 30 يونيو/حزيران 2004 لحكم العراق. كما تم انتهاء وجود سلطة التحالف المؤقتة. وهكذا جرى نقل السلطة من سلطة التحالف المؤقتة إلى الحكومة العراقية المؤقتة الجديدة.

إن نقل السلطة إلى حكومة محلية والإعراب عن الموافقة على وجود قوات أجنبية الذي يليه لا يؤدي بالضرورة في جميع الأحوال إلى إنهاء الاحتلال. فنقل السلطات الحكومية لحكومة محلية يتعين أن يكون فعالا بالشكل الكافي. وكما أشار " الدليل العسكري البريطاني " فمن المرجح أن يستمر سريان القانون المعني بالاحتلال في حال قيام دول الاحتلال بالعمل بشكل غير مباشر من خلال حكومة أهلية سواء كانت جديدة أو قائمة بالفعل. والسبب في ذلك ظاهر للعيان. إذ ينبغي تلافي الأوضاع التي تسمح بالحيلولة دون ضمان حماية الأشخاص والممتلكات المكفولة بموجب القانون المعني بالاحتلال. فلا تستطيع دولة الاحتلال التخلي عن مسؤولياتها بتشكيل حكومة دمية أو بالضغط على حكومة قائمة بالفعل والعمل نيابة عنها. وفي جميع الحالات المذكورة تحتفظ دولة الاحتلال, بحكم الواق ع بسيطرتها الكاملة على الأراضي وإن كان ذلك بطريق غير مباشر. وقد ارتكزت المادة الـ 47 من اتفاقية جنيف الرابعة على أساس منطقي مشابه إذ تنص على أنه :

لا يحرم الأشخاص المحميون الذين يوجدون في أي إقليم محتل بأية حال ولا بأية كيفية من الانتفاع بهذه الاتفاقية, سواء بسبب أي تغيير يطرأ نتيجة لاحتلال الأراضي على مؤسسات الإقليم المذكور أو حكومته, أو بسبب أي اتفاق يعقد بين سلطات الإقليم المحتل ودولة الاحتلال...

والهدف من هذا الحكم هو منع السلطات المحلية, الواقعة تحت ضغط من دولة الاحتلال, من تقديم تنازلات على حساب سكان الأراضي تؤدي إلى الانتقاص من الحماية ومن الحقوق المكفولة لهم.

وتتأتى صلاحية الاتفاق الذي تبرمه حكومة وطنية جديدة تسمح بموجبه لقوات أجنبية بمواصلة تواجدها بالرغم من الانتهاء الفعلي للاحتلال من مدى شرعية هذه الحكومة. وكما هو معروف من الناحية العملية, كثيرا ما توضع شرعية الحكومة الجديدة موضع جدل. وتوجد طريقة واحدة أمام حكومة ما لاكتساب مثل هذه الشرعية تتمثل في أن تنتخب من قبل السكان المحليين في إطار ممارسة حقهم في تقرير المصير. كما من شأن الاعتراف الدولي بهذه الشرعية المعرب عنه تقديم دعم كبير الأثر.

وفي حال العراق, أيد مجلس الأمن تشكيل الحكومة المؤقتة على الرغم من اختصاصاتها المحدودة. [6 ]  ويعد ذلك اعترافا من قبل أعضاء مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بشرعية ما تقوم به الحكومة المؤقتة من عمل لصالح العراق واستقلاله. ولم يلق هذا الاعتراف اعتراضا من دول أخرى, ولذا فهو يعد في أقل تقدير مقبولا بشكل ضمني. وهكذا تكون الحكومة المؤقتة في وضع يسمح لها بالموافقة على استمرار وجود القوات المتعددة الجنسيات وإنهاء الاحتلال بذلك على نحو ما جاء في قرار مجلس الأمن والرسالة المرفقة به والتي يطالب فيها رئيس وزراء الحكومة المؤقتة باستمرار وجود القوات المتعددة الجنسيات. واعتمادا على هذا الطلب, تحولت القوات المتعددة الجنسيات من قوات معادية - بمعنى أنها موجودة دون موافقة السلطة المحلية - وفقا للوائح لاهاي إلى قوة صديقة وبالتالي انتهي الاحتلال.

وتأتي التسويات التي تم التوصل إليها حول توزيع السلطات المعنية باتخاذ القرار بين الحكومة المؤقتة والقوات المتعددة الجنسيات وفقا لما ورد في قرار مجلس الأمن لتدعم هذه النتيجة. لا يتضمن ذلك إلغاء سلطة التحالف المؤق تة فحسب بل والأهم من ذلك ما ورد في الفقرة الـ 12 من منطوق قرار مجلس الأمن حيث قضى المجلس في الواقع بأنه سيُنهي ولاية القوات المتعددة الجنسيات إذا طلبت حكومة العراق إنهاءها.

ومن وجهة نظر سياسية, من الصعب التوصل إلى استنتاج آخر في ضوء القرار الصادر عن مجلس الأمن الذي ينص صراحة على أن الاحتلال قد انتهى. إلا أن الواقع هو الذي يستحق الاهتمام وليس التوصيف. وعلى الجانب القانوني, لا يحظى إعلان رسمي بانتهاء الاحتلال باهتمام كبير إذا ما تعارض مع ما يدور على أرض الواقع. [7 ] وبالرغم من أي توصيف يشمله قرار مجلس الأمن, يظل المحك هو ما إذا كانت الأراضي, جميعها أو جزء منها, تقع " تحت السلطة الفعلية لجيش العدو " وفقا لنص المادة 42 من لوائح لاهاي. 

ومن بين العوامل الحاسمة في هذا الشأن, ما إذا كان لدى الحكومة العراقية المؤقتة سلطات معينة كالسيطرة على العمليات التي تتولاها القوات المتعددة الجنسيات على الصعيد السياسي أو مخالفة اللوائح التي وضعتها سلطة التحالف المؤقتة في السابق. ومن الواضح أن دول الاحتلال السابقة لا تزال تمتلك وجودا قويا في العراق على الصعيدين الاقتصادي والسياسي. ومع ذلك, إذا كانت السلطات العراقية لديها السلطة التي تكفل لها مطالبة القوات المتعددة الجنسيات بمغادرة أراضيها وأيضا مخالفة التشريعات التي وضعتها سلطة التحالف المؤقتة بغض النظر عن ممارستها لهذه السلطات من عدمه فذلك لا يعني أنه ينبغي اعتبار الجيش الأجنبي جيشا معاديا, كما يمكن النظر إلى أن استمرار وجوده في العراق يأتي استجابة لدعوة مقدمة من قبل حكومة تامة السيادة. من الصعب, في ظل هذه الظروف مواصلة الحديث عن وجود احتلال.

وإذا كانت السلطات العراقية قد طالبت القوات الأجنبية بمغادرة أراضيها, وهو ما سمح به مجلس الأمن في قراره رقم 1546, ورفضت القوات من جانبها الاستجابة لها أو إذا كانت الحكومة قد عجزت عن وضع تشريع جديد أو إلغاء قوانين جرى فرضها إبان الاحتلال, من غير الجائز إذًا اعتبار أنها تمارس سلطتها الفعلية أو أنها تامة السيادة. قد تشير الوقائع التي شهدها الميدان إلى أن القوات المتعددة الجنسيات مارست سيطرتها فعليا على العراق. وفي ذلك دليل واضح على استئناف الاحتلال أو على عدم انتهائه في يوم من الأيام. [8 ]

السؤال السادس:

  6)ماذا عن تطبيق القانون الدولي الإنساني في العراق بعد الـ 28 من يونيو/حزيران 2004؟  

وفي مواجهة استمرار العمليات العدائية بعد 28 من شهر يونيو/حزيران طُرح سؤال إضافي حول ماهية القواعد التي يتعين تطبيقها في ظل الوضع الجديد. ويعد " التزام جميع القوات العاملة بصون الأمن والاستقرار في العراق بالتصرف وفقا للقانون الدولي, بما في ذلك الالتزامات المقررة بموجب القانون الدولي الإنساني " المشار إليها في قرار مجلس الأمن بمثابة مؤشر إلى أن المجلس قد توخاها وأعرب عن موافقته على مواصلة تطبيقها. علاوة على ذلك, شدد " كولين باول " في رسالته المرفقة للقرار على أن القوات المتعددة الجنسيات ملتزمة - وستبقى كذلك - " في جميع الأوقات بالتصرف وفقا لالتزاماتها بموجب قانون المنازعات المسلحة, بما فيها اتفاقيات جنيف " .

ومع مواصلة افتراض أن الاحتلال قد انتهى بموافقة الحكومة المؤقتة على بقاء القوات الأجنبية في العراق, هل يعني ذلك أن يظل النزاع نزاعا مسلحا دوليا أم يجب أن يعاد توصيفه واعتباره نزاعا داخليا؟  وبالنظر إلى أن القوات المتعددة الجنسيات تقاتل جماعات المعارضة المسلحة أو فاعلين مسلحين وذلك جنبا إلى جنب وبالتعاون مع القوات المسلحة وقوات الأمن العراقية التي ترفع تقاريرها إلى الحكومة المؤقتة, رأت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أنه ليس من الممكن اعتبار العمليات العدائية دولية أي أنها تقع بين دولتين متخاصمتين أو أكثر.

ويدعم هذا الاستنتاج النص الصريح للمادة الثانية المشتركة بين اتفاقيات جنيف الأربع كما أكدته السوابق القانونية للمحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة وتعليق اللجنة الدولية للصليب الأحمر والمراجع القانونية. وتقضي مختلف المصادر المشار إليها بأن النزاع المسلح يدور بين دولتين أو أكثر. وبالنظر إلى قيام أعضاء مجلس الأمن باعتبار الحكومة المؤقتة ممثلة للعراق, دون اعتراض دول أخرى على هذا الموضوع منذ ذلك الحين, من الصعب الجدل حول استمرار نزاع مسلح دولي بين القوات المتعددة الجنسيات والقوات المسلحة التابعة لدولة العراق.

ونظرا لذلك, أعادت اللجنة الدولية توصيف النزاع واعتبرته " نزاعا مسلحا داخليا مدولا " تنظمه المادة الثالثة المشتركة بين اتفاقيات جنيف الأربع والقواعد العرفية المطبقة أثناء النزاعات المسلحة غير الدولية. وفي الواقع, من المحتمل وقوع العديد من هذه النزاعات المشار إليها في العراق إذ أنه ليس من المرجح قيام مختلف جماعات المعارضة المسلحة بالقتال " معا " .

هذا ومع الأخذ في الاعتبار الوضع الخاص للعراق, يمكن الدفاع بشكل أكبر عن مسألة اتباع نهج عملي حيال تطبيق القانون المعني بالاحتلال. وقد يعني اتباع هذا النهج أنه كلما مارست القوات المتعددة الجنسيات سلطتها على الأشخاص والممتلكات في العراق وتولت بعض المهام نيابة عن الحكومة المؤقتة في العراق في بعض المجالات المحددة كضمان النظام العام وبقدر قيامها ذلك, يتعين عليها تطبيق القواعد الخاصة بالاحتلال ذات الصلة بهذه النشاطات.

وفي ظل الظروف الراهنة في العراق, تبدو القواعد المعنية بالاحتلال صالحة كأداة توجيهية أو كقواعد دنيا في أقل تقدير. ومن أمثلة هذه القواعد حق السكان المحليين في الاستمرار في العيش بطريقة طبيعية كلما أمكن ذلك, حق القوة المتعددة الجنسيات في حماية أمنها الخاص, الالتزام بإعادة النظام العام والحفاظ عليه ويشمل ذلك الحياة المدنية والمعايير والإجراءات التي من شأنها السماح بعمليات الاعتقال لأسباب أمنية وذلك في إطار يتماشى وقانون حقوق الإنسان المطبق.

  خاتمة  

في ضوء كل ما سبق ذكره فضلا عن الواقع الذي تشهده أرض الميدان نخلص إلى طرح السؤال التالي: هل نعتقد أن القانون المعني بالاحتلال غير كاف أو بات مهجورا؟

ومرة أخرى, تنبع إجابتي عن هذا السؤال من تجربة اللجنة الدولية للصليب الأحمر في الميدان. قبل العراق, كان الشرق الأوسط هو المثال الرئيسي الذي يُضرَب للاحتلال. ففي هذا السياق, قد يعتبر القانون غير ملائم, إذ أنه لم يعد كي يتعامل مع طبيعة الاحتلال التي تتسم بطول الأمد. فيتعين الأخذ في الاعتبار كيفية التوفيق بين ما يفترض ضمنيا من أن الاحتلال مؤقت والواقع الذي يقول بأنه طويل الأمد.

وفي حال العراق, تعلقت المسائل القانونية العملية التي أُثيرت بالتطبيق العملي للقواعد القائمة في ظل وضع شهد انهيارا كبيرا للقانون وللنظام العام. ومن جانبنا, لم تتم في أي حال من الأحوال مواجهة أوضاع لم يقدم القانون حلا واضحا لها بالفعل أو أعطى تطبيق هذا القانون نتائج متباينة. ومن م نطلق الحوار المستمر الذي نجريه مع دول الاحتلال, فإنني على يقين من أنها قد انتهت أيضا من جانبها إلى هذا الاستنتاج.

كما أشرت في مستهل كلمتي, فإن التحديات الكبيرة التي جرت مواجهتها في العراق كان أكثرها يتعلق بالعمليات :

 
  • عدم وضوح الفرق بين القوات الحربية والعاملين في المجال الإنساني في ضوء عدد النشاطات الإنسانية التي تتولاها القوات المسلحة وما تشكله من مخاطر على هؤلاء العاملين وليس فقط اللجنة الدولية للصليب الأحمر, إذ لم يعد ينظر إليهم كجهات مستقلة, ومحايدة وغير منحازة;
  • ما قد ينجم عن استهداف العاملين في المجال الإنساني.
  •  

أود أن أسلط الضوء الآن على مسألة أخيرة وهي أننا ننظر اليوم إلى القضية " السهلة " : ألا وهي وجود احتلال صريح من قبل دولة على أرض دولة أخرى. ولكننا قد شاهدنا في العشر سنوات الأخيرة أنه توجد طرق كثيرة تستطيع من خلالها دول ومنظمات دولية ممارسة سيطرتها على أرض دولة ما. ويمكن أن يتخذ ذلك شكل:

 
  • احتلال
  • قوات حفظ السلام تمارس سيطرتها على إحدى الأراضي بشكل يومي
  • إدارة الأمم المتحدة الانتقالية
  •  

على سبيل المثال لا الحصر.

ويعد تحديد القانون الذي يتعين تطبيقه في ظل هذه الظروف مسألة شديدة التعقيد. وهو الشيء الذي دعا الدول المتضررة للجوء إلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر للحصول على التوجيهات اللازمة. وجدير بالملاحظة, أنه ليس من المفترض أن ترفض الدول معرفة ما يجب أن تطبقه من قانون. وتكتسب معرفة الإطار القانوني الصحيح الذي تعمل فيه أهمية بالغة حتى لا تتحمل هي أو أي من أفراد القوات المسلحة المسؤولية القانونية لما يقومون به من أفعال شرعية. 

وعند تقدير مدى ملاءمة القانون وتحديد القواعد التي يتعين تطبيقها, ينبغي الأخذ في الاعتبار جميع الصكوك القانونية ذات الصلة. وبالنسبة لحالات الاحتلال الواضح, لا يشمل ذلك القانون المعني بالاحتلال فقط بل أيضا المعايير الخاصة بحقوق الإنسان. ومن الناحية القانونية, قد لا يطبق القانون المعني بالاحتلال ف ي ظل ظروف أخرى تشهد قيام قوة أجنبية بممارسة سيطرتها الفعلية على إحدى الأراضي, على سبيل المثال عند موافقة السلطة المحلية على وجود القوات, إلا أنه قد يكون من المفيد في النهاية التطبيق بالقياس بإضافة بعض أحكام القانون الخاص بحقوق الإنسان ذات الصلة.

وقد نظمت اللجنة الدولية للصليب الأحمر بالتعاون مع معهد القانون الدولي الإنساني التابع لجامعة جنيف في ديسمبر/كانون الأول 2003 حلقة عمل للخبراء حول تطبيق القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان على القوات التي تعمل تحت ولاية الأمم المتحدة. تناولت المناقشات أيضا مسألة تطبيق القانون المعني بالاحتلال على القوات التي تعمل تحت ولاية الأمم المتحدة والتي تمارس سيطرتها على إحدى الأراضي أو تتولى إدارتها.

ومن بين القضايا التي برزت أثناء هذه المناقشات مطالبة قوات الدول المشاركة وموظفي الأمم المتحدة الذين لديهم خبرة في الإدارة الانتقالية بإعداد خطوط توجيهية مستمدة من القانون الدولي الإنساني وخاصة القوانين المعنية بالاحتلال ومعايير حقوق الإنسان والمبادئ العامة للإجراءات الجنائية حتى تستخدم كمعايير دنيا تسترشد بها قوات حفظ السلام المتعددة الأطراف, سواء كانت عسكرية أو تابعة للشرطة, في المرحلة الأولية للنشاطات التي تضطلع بها. ويكمن الهدف في مدها بالإرشادات اللازمة في ما تبذله من جهود لإعادة النظام العام والأمن والمحافظة عليهما لاسيما في ما يتعلق بعمليات البحث وإلقاء القبض والتوقيف والاحتجاز في حال توقف عمل الجهاز القضائي المحلي.

ومن بين القضايا التي يمكن معالجتها:

 
  • الفترة التي يجب خلالها مثول أحد الأشخاص المحتجزين أمام قاض أو هيئة قضائية
  • الطرف الذي يقرر استمرار احتجاز أحد الأشخاص, هل هو القاضي أم الهيئة القضائية أم أحد المحامين العسكريين.
  • تحديد ما إذا كان من الضروري عقد جلسة سماع
  • القواعد الدنيا التي يتعين تطبيقها في هذه الحالات.
  •  

وفي الختام, دعوني أقول أنه يمكن استخدام هذه الخطوط التوجيهية كمحك إلى أن تُعدل القواعد المحلية السارية أو وضع المزيد من الأحكام التفصيلية للإجراءات الجنائية تتلاءم ومختلف السياقات.

وقد استجابت اللجنة الدولية للصليب الأحمر وغيرها من الجهات لهذه المقترحات المهمة للغاية. ولم يبدأ بعد العمل في هذا المشروع إلا أنها قد تكون ضمن الموضوعات التي قد نوافيكم بتقرير عنها في ندوة قادمة.

سيداتي, سادتي, أصدقائي الأعزاء, لقد استنفدت صبركم بما قدمته من تحليلات قانونية مطولة. وكانت ملاحظاتي فنية وجافة في آن واحد. وإنني أدرك الآن بعد أن أوشكت على ختام ملاحظاتي أنني لم أعمل بالنصيحة التي قدمها لي أحد الزملاء من فنلندا مؤخرا, وهي ضرورة إطلاق ما لا يقل عن دعابتين عند إلقاء أي كلمة. إلا في حالة واحدة وهي عند إلقاء خطبة تأبين إذ تكفي دعابة واحدة على حد قوله. لقد حاولت في بداية كلمتي إطلاق دعابة صغيرة وها هي الثانية مع موضوع التأبين. 

أشكركم على حسن استماعكم.

  الحواشي  

1- اعترفت بذلك صراحة, المحكمة العسكرية للولايات المتحدة أثناء محاكمات جرائم الحرب التي تلت الحرب العالمية الثانية. في قضية " List " , قررت المحكمة العسكرية للولايات المتحدة أن:

القانون الدولي لا يضع فرقا بين الاحتلال القانوني أو غير القانوني في ما يخص الواجبات المفروضة على المحتل والسكان في أرض ما محتلة...لا تشكل مسألة كون الغزو شرعيا أم إجراميا عاملا مهما عند النظر في هذا الموضوع.

الولايات المتحدة ضد  " List " , 15 Ann Digest, من 632 إلى 647.

2- وزارة الدفاع البريطانية, (حاشية21), فقرة 11.3, 275.

3- Rüdiger Wolfrum, (الحاشية 43), 65.

4- ومن ناحية ثانية, أنظر, البروتوكول الإضافي الأول المادة 3(ب) التي نصت على التطبيق المقيد بفترة زمنية محددة للقانون في حالات الاحتلال.

5- اتفاقية جنيف الرابعة المادة 6(الفقرة 3); البروتوكول الإضافي الأول, المادة 3 (ب).

6. " يقر تشكيل حكومة ذات سيادة للعراق (...) تتولى كامل المسؤولية والسلطة (...) لحكم العراق مع الامتناع عن اتخاذ أي إجراءات تؤثر على مصير العراق في ما يتجاوز الفترة المؤقتة المحدودة, إلى أن تتولى حكومة انتقالية منتخبة مقاليد الحكم (...) " .

7.أنظر:Adam Roberts, The D ay of Reckoning, The Guardian, 25 May 2004; Adam Roberts, (note 20).

8.انظر أيضا Adam Roberts (الحاشية 20).