الحرب الصربية التركية, 1878, سيارة إسعاف صربية.©ICRC Ref. hist-3204/9a
في 24 من يونيو/ حزيران أثناء حرب الوحدة الإيطالية, اصطدمت القوات المشتركة بين فرنسا وسردينيا مع القوات النمساوية بالقرب من مدينة صغيرة تدعى "سولفرينو"في شمال إيطاليا. في ذلك اليوم كان أحد مواطني سويسرا ويدعى"هنري دونان متوجهاً إلى المنطقة لمقابلة نابليون الثالث في أمور شخصية. وفي عشية المعركة وصل "دونان" إلى قرية "كستليوني" حيث لاذ بها أكثر من 9.000 جريح. وفي كنيسة Chiesa Maggiore الرئيسية , كان الآلاف يرقدون دون رعاية, وقد كافح "دونان" والنساء من السكان المحليين لعدة أيام وليال لمنحهم المياه وغسل وتضميد جراحهم وتوزيع التبغ والشاي والفاكهة عليهم.
ظل "دونان" في "كستليوني" حتى 27 يونيو/ حزيران ثم استأنف رحلته عائدا إلى جنيف في 11 يوليو/ تموز. وهاجمته صعاب مالية لكنه لم يستطع نسيان ما رآه. وفي 1862 قام بنشر عمل بعنوان "تذكار سولفرينو", وصف فيه المعركة وجرحى Chiesa Maggiore, واختتمه بسؤال:
"أليس من الممكن في وقت السلم والسكينة إنشاء جمعيات للإغاثة بغرض توفير الرعاية للجرحى في زمن الحرب بواسطة متطوعين متحمسين ومخلصين ومؤهلين على نحو شامل؟" هذا السؤال هو الذي أدى إلى تأسيس الصليب الأحمر. كذلك توجه "دونان" بطلب إلى السلطات العسكرية في مختلف البلدان عما إذا كان بإمكانها "صياغة مبدأ دولي تقره اتفاقية ويكون ذا طبيعة غير قابلة للانتهاك وبمجرد الاتفاق والتصديق عليه يمكن أن يكون أساسا لجمعيات إغاثة الجرحى في البلدان الأوربية المختلفة؟" وكان هذا السؤال الثاني أساساً لاتفاقيات جنيف.
لاقى كتاب "هنري دونان" نجاحا كبيرا وتُرجم إلى جميع اللغات الأوربية تقريبا وقرأه أكثر الأشخاص نفوذاً في ذلك الوقت من بينهم "جوستاف موينييه" Gustave Moynier وهو أحد مواطني جنيف وكان محاميا ورئيسا لإحدى الجمعيات الخيرية المحلية (جمعية جنيف العامة للبر). وفي 9 فبراير/ شباط 1963, قدم نتائج عمل "هنري دونان" إلى جمعيته التي شكلت لجنة من خمسة أعضاء لدراسة مقترحات الكاتب.
اللجنة المكونة من خمسة أعضاء التى أسست اللجنة.©ICRC Ref. hist-113
تلك اللجنة التي ضمتكل من "موينييه" و"دونان" والجنرال "غيوم – هنري دوفور " Guillaume-Henri Dufour والدكتور "لويس آبيا " Louis Appia والدكتور "تيودور مونوار ," Theodore Maunoir أُطلق عليها في البداية اللجنة الدولية لإغاثة الجرحى بيد أنها سرعان ما عرفت باسم اللجنة الدولية للصليب الأحمر. اجتمعت اللجنة للمرة الأولى في 17 فبراير/ شباط 1863, ورأت منذ البداية أن المتطوعين الذين تصورهم "هنري دونان" يمكن أن يعملوا بكفاءة دون التعرض لخطر الرفض من قبل الضباط والجنود فقط إذا أمكن تمييزهم عن المواطنين العاديين بواسطة شارة مميزة وتمتعوا بالحماية أثناء القتال. ومن هنا جاء مفهوم إضفاء وضع الحياد على الخدمات الطبية والممرضين والممرضات المتطوعين.
للقوات المسلحة. وأرسلت دعوات إلى جميع الحكومات الأوربية والعديد من الشخصيات الرئيسية. وقد افتتح الجنرال "دوفور" المؤتمر في 26 أكتوبر / تشرين الأول 1863. وضم 36 مشاركاً من بينهم 14 مندوباً عن الحكومات و6 من مبعوثي المنظمات المختلفة و7 أشخاص مستقلين. مازال هذا المدخل المزدوج, الذي يضم كل من العام والخاص, مستمرا في المؤتمرات الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر والتي تضم اليوم مشاركين من وفود من جمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر الوطنية والدول الأطراف في اتفاقيات جنيف والمراقبين (من المنظمات غير الحكومية بشكل أساسي).
اتخذ مؤتمر عام 1863 مشروع اتفاقية أعدتها اللجنة الدولية أساسا للنقاش, وانتهى إلى تبني عشرة قرارات نصت على إنشاء جمعيات لإغاثة الجنود الجرحى ("لجان") – التي أصبحت جمعيات الصليب الأحمر في المستقبل وفيما بعد جمعيات الهلال الأحمر.
وقد عهد القرار العاشر إلى اللجنة الدولية تبادل المعلومات بين جمعيات الإغاثة في مختلف البلدان.
وتم تكوين أولى جمعيات الإغاثة - في "فورتيمبرغ" Wurttemburg ودوقية أولدنبرغ Oldenburg الكبرى وبلجيكا وبروسيا - خلال الشهور القليلة التالية, ثم تلتها جمعيات في الدانمرك وفرنسا وإيطاليا ومكلينبرغ – شفيرن وأسبانيا وهامبورج وهيسى.
وفي الوقت نفسه, كانت اللجنة الدولية تعد لمؤتمر دبلوماسي من أجل المرحلة التالية كان الغرض منه تحويل القرارات التي تم تبنيها عام 1863إلى قواعد معاهدات تتمتع بقوة القانون بالنسبة للأطراف المتعاقدة (أي الدول).
وفي الأول من فبراير / شباط 1864, غزت الجيوش النمساوية والبروسية الدانمارك بادئة ما عرف باسم الحرب الألمانية- الدانمركية. وقررت اللجنة الدولية إرسال وفدين إلى ميدان المعركة لرعاية الجرحى ودراسة احتمالات تطبيق بعض نتائج مؤتمر أكتوبر / تشرين الأول 1863.
في 6 يونيو / حزيران 1864, أرسلت الحكومة السويسرية (التي وافقت على تنظيم المؤتمر الدبلوماسي) خطاباً وجهت فيه الدعوة إلى جميع الحكومات الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية والبرازيل والمكسيك.
وعقد المؤتمر الذي حضره مندوبون عن 16 دولة في الفترة من 8 إلى 28 أغسطس / آب 1864, حيث اتخذ من مشروع اتفاقية أعدتها اللجنة الدولية أساساً للمناقشات التي قامت في 22 أغسطس / آب 1864 بالتوقيع على اتفاقية جنيف لتحسين حال الجرحى من الجنود في الميدان. كان هذا هو مولد القانون الدولي الإنساني الحديث.
وبحلول نهاية العام, كانت كل من فرنسا وسويسرا وبلجيكا وهولندا وإيطاليا وأسبانيا والسويد والنرويج والدانمرك ودوقية بادن الكبرى قد صادقت على الاتفاقية .
بيد أن حربا جديدة نشبت وسرعان ما وضعت الاتفاقية التي تم تبنيها حديثا في محنة قاسية وهي الحرب بين النمسا وبروسيا في عام 1866.
كان بسمارك يؤمن بأن عليه أن يسحق فرنسا ليحقق وحدة ألمانيا, مما أدى إلى نشوب الحرب بين فرنسا وبروسيا بعد أربعة أعوام أي في يوليو/ تموز 1870. وأثناء هذا النزاع قامت اللجنة الدولية بتأسيس أول وكالة للمعلومات لصالح عائلات الجرحى أو الأسرى من الجنود. واقتادت سلسلة من النزاعات عُرفت باسم الأزمة الشرقية (1875-1878) بعثات اللجنة الدولية حتى البلقان. وقد عادوا هناك أثناء الحرب الصربية البلغارية (1885-1886) ثم مرة أخرى أثناء حروب البلقان (1912-1913).
وعلي مدار تلك الفترة, ظلت اللجنة الدولية للصليب الأحمر القوة الدافعة الأساسية وراء تطوير القانون الدولي الإنساني, واستطاعت القيام بهذا الدور بشكل رئيسي من خلال خبرات
مندوبيها.