لا أعلم من أين لموظفي اللجنة الدولية هذه القدرة على أداء عملهم في مرويس. فخلال استضافتنا وما تفضل به موظفو اللجنة الدولية من عشاء، اكتشفنا كيف أن هؤلاء عملوا في مناطق صعبة للغاية تؤهل صاحبها وتهيئه للعمل في أحلك الظروف.
على الرغم من أنني عملت في مناطق مثل الصومال، وجمهورية الكونغو الديموقراطية، ودارفور... تظل تجربة مرويس صعبة. لربما كانت العزلة السبب. فاللجنة الدولية تظل المنظمة الدولية الوحيدة التي لها موظفون أجانب مستقرون في "قندهار".
هذه الوضعية لا تصدق، وأظن أنها وضعية تجعل صاحبها في عزلة تامة. وعليه، فإنك عندما تصل من "كابل"، وأنت على يقين بأنك على علم بما يجري على الأرض، وأنه سبق لك أن اطلعت على قصص مماثلة في أماكن أخرى. ومع ذلك، فأنت غير مستعد بعد.
إن المسألة ليست الجرحى كعاقبة من العواقب المباشرة للنزاع، بل ذلك السيل البطيء اللامتناهي من جرحى الحرب. فضحايا الضربات الجوية، وتبادل اطلاق النيران، والذين يغامرون أكثر مما يلزم ويسكنون بالقرب من قواعد قوات الائتلاف أو الذين يمتطون طرقًا يسعى الطالبان إلى تدميرها. وأولئك الذين يتعرضون للعقوبة يوميا لمجرد السعي لقضاء حاجياتهم وسط الحرب.
وإلى حد ما، فإن أنت أعددت نفسك قبل وصولك إلى هنا، ستجد الأوضاع مُرَوعة، لكنها لن تثير اشمئزازك. إن ما يفاجئك هم الأطفال، العشرات تلو العشرات من الأطفال، الذين يصلون يوميا.
إن الإحصائيات بشأن الضحايا المدنيين تتكالب على عدد القتلى الحقيقيين، أي أوليك الذين يموتون حول مناطق النزاع، وليس كنتيجة مباشرة له. وتشير منظمة اليونيسيف إلى أن أفغانستان تأتي في المرتبة الثانية عالميًا من حيث عدد الوفيات بين الأطفال، وفي كل يوم يشير علينا موظفو "ميروس" وأولياء الأطفال أن الخيار بسيط - التريث، رفع الدعاء لكي تهدأ الأمور، أو السفر إلى المستشفى في سعير العنف. . أي الصبر وتعريض حياة طفلك للخطر، أو السفر والمجازفة بكل شيء.
وغالبا ما أشار علينا الأطباء أن أولياء الأطفال ينتظرون أكثر من اللازم وعندما يستجمعون قوتهم ويصلون إلى المستشفى، يكون قد فات الأوان وتذهب جهودهم سدى. أغلب "الحالات اليائسة" تؤدي إلى الموت خلال 24 ساعة بعد الوصول إلى "مرويس".
وفي يوم من آخر أيامنا في "ميروس" ونحن جالسون حيث اعتدنا الجلوس، أي بالقرب من مدخل جناح الطوارئ. والكاميرات على أكتافنا في انتظار من سيأتي. كان يوما هادئا للغاية عندما دخل رجلان يركبان دراجة نارية إلى أمام البوابة. فقفز أحدهما من خلف الدراجة قبل أن تتوقف، يحمل في ذراعيه طفلاً، عرفنا في ما بعد أنه طفله.
هرول الرجل إلى الجناح ولم يكترث بنا ولا حتى بالمناداة على الأطباء، همه الوحيد الوصول إلى الجناح. حضر الأطباء ووالد الطفل يضعه على السرير وكأن حدسهم أخبرهم بالأمر.
لكن بعد أن فات الأوان. فقد انتظر والد الطفل أكثر مما يجب.
ومن بين جميع ما عايناه في "مرويس"، تظل ظروف الأطفال أصعبها، وأقلها استشرافًا. ورغم ذلك، فإنني لا زلت ممتنة غاية الامتنان لموظفي المستشفى على مساعدتهم إيانا على معاينة بعض مما يكابده الناس يوميًا جراء تقاطع النيران في جنوب أفغانستان. والكشف عما يُجبرون عليه من خيارات.