©ICRC/J.Barry
إدريس في غرفة تمارين العلاج الفيزيائي. ويقف فريدون إلى شماله
من لم يقم بزيارة المجمّع الفسيح لمركز تقويم العظام التابع للجنة الدولية قد يجد غرابة في وصف مركز للمصابين بإعاقات جسدية بالمكان المناسب لرفع المعنويات, وهو معذور في ذلك إلا أنه مخطئ بالتأكيد.
فلو جلس الزائر بعد ظهر هذا اليوم على أحد مقاعد الحديقة بالقرب من صف من أسرّة المستشفى المغطاة بالشراشف البيض بينما يستفيد الراقدون فيها من دفء أشعة الشمس في هذا اليوم الجميل من فصل الربيع, لم تكن لتستوقفه المعاناة المشتركة التي يتقاسمها الجميع فحسب وإنما سيستوقفه أيضاً الأمل المشترك الذي يتقاسمه كل هؤلاء. فهنا يتشارك الجميع, رجالاً ونساء وأطفالاً, في تحمّل محنة الإعاقة التي يعانون منها ولكنهم يتشاركون أيضاً الإيمان بالجهود المبذولة لمساعدتهم على التغلب عليها.
خذ مثلاً الطفل إدريس نوروزي الذي لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره ويعاني في عموده الفقري من داء السنسِنة المشقوقة . كان هذا الأخ الأكبر لأربعة أطفال يلعب في غرفة تمارين العلاج الفيزيائي في الساعات الأولى من بعد ظهر اليوم, يطارد كرة صفراء صغيرة حين رأى فريدون صديقه والمرشد الذي يتابع علاجه يدخل الغرفة. فاندفع ليسلّم عليه . ويقول فريدون, 29 عاماً, أخصائي العلاج الفيزيائي المصاب هو أيضاً بإعاقة والذي دربته اللجنة الدولية: "إدريس هو الأول في صفه في المدرسة".
يستطيع إدريس الآن أن يمشي ويلعب, الأمر الذي لم يكن ليتحقق لو لم يخبر أحد أصدقاء العائلة أبويه عن مركز تقويم العظام التابع للجنة الدولية ويشجعهما على مرافقة ابنهما لاستشارة طبية. وبعد إجراء عملية جراحية والمواظبة ثلاث سنوات على تمارين إعادة التأهيل, بإمكان إدريس أن يمشي اليوم وحده ويستقل الحافلة للذهاب إلى المدرسة. إلا أن المنحدرات القوية تظل عاصية عليه ويجب أن يحمله عمه لاجتياز الهضبة قرب بيته صعوداً ونزولاً. ولكن المهم أن إدريس يستفيد الآن من التعليم في مدرسة عادية وفي مركز تقويم العظام على حد سواء. وهو مولع بتعلم اللغات.
ويوضح فريدون وهو ينظر إلى إدريس وقد عاد يمرح ويقفز جرياً وراء كرته الصفراء : "إن الإعاقة تولّد من ناحية التشوه والمشاكل الجسدية . ولكنها تعني من ناحية أخرى مواجهة التحديات النفسية . ولهذا نشجع المرضى على إشغال أنفسهم باستمرار والانكباب على الدراسة . فهذا سند نفسي سيساعدهم طوال حياتهم. "
ونرى في مكان آخر من غرفة التمارين الفسيحة الطفلة نغمة, ابنة السبع سنوات, بشعرها الجميل ووجهها الكئيب وهي تجرّب الطرف الاصطناعي لأول مرة . فقد أصيبت السنة الماضية في حادث سير حين ضربتها دراجة نارية. ولكنها أمضت سنة بكاملها تمشي على العكازات, قبل أن يأتي بها أخيراً والدها سادار لتعالج في المركز, منتقلاً من مزرعته في بغلان إلى كابول. وها هي نغمة تبدأ اليوم خطواتها الأولى العسيرة بقدمها الجديدة.
©ICRC/J.Barry
نغمة طفلة السبع سنوات بوجهها الكئيب فقدت ساقها في حادث سير.
ويقول فريدون : " ستحتاج إلى حوالي أسبوعين قبل أن تتمكّن من الذهاب إلى البيت. وسوف تضطر بعدها إلى العودة كل ثلاثة أشهر للتأكد من وضع الطرف الاصطناعي. كما سيتوجب تغيير هذا الطرف بصورة منتظمة بالتزامن مع نمو الطفلة. "
ويقول سادار والبهجة تضيء وجهه: "ستكون أمها أسعد امرأة في العالم حين ستراها تمشي من جديد."
افتتح مركز اللجنة الدولية للصليب الأحمر لتقويم العظام في كابول عام 1988, ومنذ ذلك الحين أنشئت خمسة مراكز أخرى في أنحاء مختلفة من أفغانستان . وكان البرنامج مخصصاً في البداية لضحايا الألغام الأرضية وغيرهم من جرحى الحرب. ولكن أصبحت المراكز على مر السنين تقبل أشخاصاً يعانون من إعاقات مختلفة جداً ومن بينها حنَف القدم, وشلل الأطفال, والشلل الناتج عن إصابات في الحبل الشوكي. وثمة برنامج للأطفال المصابين بالشلل الدماغي لا يقل أهمية عن البرامج الكثيرة التي يوفرها المركز, وتشير السجلات إلى معالجة حوالي 9000 طفل وشاب.
حين دخل فريدون إلى غرفة تمارين الشلل الدماغي كان طفل التسع سنوات إنعام الله يقوم بالتمارين المطلوبة, بينما يقف والده التاجر حجي أسد الله الذي رافق ابنه اليوم إلى كابول قادماً من منزلهم في غازني ينظر إليه وهو يحاول جهده لتثبيت قطع بلاستيكية صغيرة داخل ثقوب مختلفة الأشكال على لوحة خشبية. ويبدو الأب جليل المظهر بلحيته الرمادية الكثيفة وعمامته المقلّمة السوداء.
إن الأطفال الذين يعانون من الشلل الدماغي الذي يؤثر في القدرة على التحرك نتيجة تلف في مراكز التحكم بالحركة الموجودة في الدماغ, هم بحاجة ماسة إلى تشجيع الأهل لكي يقوموا في المنزل بالتمارين اللازمة بشكل منتظم. ويقدّر أسد الله تماماً أهمية ذلك مع أن منزلته لا تسمح له بأداء هذه المهمة بنفسه فيقول: "إنني أعلّم زوجتي وابنتي التمارين التي تعطى لابني. وهما تتوليان رعايته".
من المؤكد أن حال إنعام الله تتحسّن ولو ببطء. ويلاحظ فريدون مشيراً إلى اللوحة التي امتلأت الآن : "كان من الصعب عليه في البداية القيام بهذا النوع من الأنشطة . ونستطيع أيضاً مساعدته على المشي بصورة أفضل وعدم السقوط".
©ICRC/J.Barry
يؤثر الشلل الدماغي في حركة الطفل بسبب إصابة في الدماغ . يعاني إنعام الله من مشاكل في المشي
ويضيف متأملاً : "نستطيع تحسين ظروف عيشه ولكننا لا نستطيع إصلاح ما دمّر".
وربما كان هذا البحث عن حلول لما يبدو أنها مشاكل لا حل لها هو الذي يجعل من مركز تقويم العظام مكاناً ساحراً لقضاء فترة ما بعد الظهر. إلا أن هنالك أيضاً سحراً آخر في هذا المكان. فهو واحة من الهدوء وسط فوضى حركة السير وضوضائها. والمجمّع ليس محاطاً كأغلب الأماكن في كابول بجدران الاسمنت السميكة بل فقط بسياج حديدي أخضر. يقف الحراس على الباب ويفتشون الزوار بحثاً عن السلاح المحظور. وتخضع السيارات للتفتيش كذلك, وتعلو وجوه الحراس ابتسامة عريضة.
وقبيل بدء تلاشي حرارة النهار, وقبل أن يعود المرضى الراقدون على أسرّة المستشفى إلى الداخل, يقترب رجل يرتدي السروال والقميص التقليديين من صديقه المستلقي منبطحاً على فرشة. لا يتبادلان الكلام بل فقط بعض الإيماءات, إبهام ترفع إلى فوق وإبهام نحو الأسفل ثم إبهام ترتفع من جديد ببطء, ويدان تتشابكان في تحية الوداع ثم يتوجه كل إلى مقصده.
كانت هذه لحظات بسيطة قضيتها هناك ولكنها تلخص كل ما يوجد من مزايا للعمل الذي يتم في علي عباد. لحظات تشعرك بالعطف والحنان, وتوحي بالصداقة والعيش المشترك. وتقول للمريض, هذا الشاب ذو العينين الجميلتين بلون السماء الصافية, كلا لن تكون وحيداً.