23-01-2009 تحقيقات أفغانستان: مواقد "صاندالي", بين بركة الدفء وبلاء النار دأب الناس في أفغانستان على التدفئة باستعمال موقد "صاندالي" وهو طريقة شعبية وبخسة للتدفئة. لكن لا تخلو هذه الطريقة من المخاطر التي تؤدي إلى حوادث مثل الاختناق والاحتراق. وفي هذا الصدد توضح السيدة "جيسيكا باري" من اللجنة الدولية للصليب الأحمر. كان يوماً دافئا ومشرقا بعد ليلة برد قارس. وكانت الممرات الضيقة التي تمتد نحو منحدر التل عبر جدران البيوت المبنية بالطين فوق إحدى أسواق كابول الأشد اكتظاظا, زلقة لا تثبت عليها قدم من شدة تبللها بخليط من مياه الجليد ومياه الصرف الصحي. وجاء راز محمد, أخصائي في العلاج الطبيعي, من مركز تقويم العظام الذي تديره اللجنة الدولية لمقابلة مريض مشلول الأطراف يعاني منذ سنوات من إصابة في النخاع الشوكي, كان يسكن هذا الحي الذي هار بنيانه ويقطنه أناس أغلبهم من الفقراء.
© ICRC/J. Barry
راز محمد ينظف جرح "سردار" بمحلول اليودين.
منذ ليال قليلة, هجع "صاردار" إلى مضجعه كالمعتاد. ولما استيقظ في الصباح شمّ رائحة غريبة. يقول "سردار" لراز محمد الذي كان يفك ضمادة لواها مؤقتا حول رجل سردار اليمنى ليكشف عن البقع السوداء والحروق التي أصابت أصابع رجله وجلده: "لقد لاحظت أن جوربي احترق". وبعد أن نظف راز محمد جرح المريض بمحلول اليودين طلب إليه التوجه إلى مركز تقويم الأطراف موضحا: "يجب إجراء فحص بالأشعة السينية. وسيقرر الدكتور ما إذا كان عليك الذهاب إلى المستشفى". جعل "سردار" يتأمل الحروق في أصابعه رافعا رجله النحيلة إلى الضوء دون أن يجفل أو يبكي, واستمع إلى التوجيهات المقدمة عن كيفية وضع الضمادة بشكل مناسب ثم ابتسم لأمه "صابيرو" التي كانت تجلس في الطرف الآخر من مدفأة "صاندالي" وعيناها الكحيلتان تدمعان, ثم اتكأ على وسائد وأخذ في الحديث عن موضوع آخر. وبدأ "سردار" حكايته قائلا: "لقد تعرضت لهذه الإصابة منذ سنوات على إثر شظايا قصف بالصاروخ أدى إلى دمار منزلنا في سهل "شامالي". وقد قتل أحد إخوتي على إثر ذلك أما أنا فبقيت على قيد الحياة". "بقيت على قيد الحياة لكنني مشلول الأطراف". وقالت السيدة "صابيرو" البالغة من العمر 60 سنة الحديث: "لم يعد بإمكاننا البقاء هناك بعد أن دُمّر المنزل. فلم يكن لدينا لا أرض ولا أشجار ولا حتى مال لإعادة بناء المنزل, وبالتالي انتقلنا إلى كابول". وتدفع العائلة مبلغاً باهظاً يعادل 100 دولار أمريكي في الشهر إيجارا لغرف بالية تطل على السوق الكبيرة. وتعلق "صابيرو" على ذلك قائلة: "الجانب الإيجابي في كل هذا أن المنزل قريب من السوق. وبالتالي من الأسهل لأولادي أن يجدوا عملا". وقد استفاد "سردار" أيضا من هذا الوضع. كان إخوته لا يتركونه وحده ممددا في البيت بل يحملونه معهم عندما ينطلقون صباح كل يوم عبر الممرات الزلقة والضيقة نحو الطريق الرئيسي. وتمكنت العائلة من شراء كشك صغير أخضر يوجد وسط قمامات الوسخ والتراب بين عربات الفاكهة, بأموال قليلة حصلت عليها في إطار مشروع ائتماني صغير يديره مركز تقويم العظام. وقد ملأته بمخزون البسكوت والحليب وغيرها من مواد البقالة. كان "سردار" يقضي أيامه فيه يبيع سلعه ويتجاذب أطراف الحديث مع الزبائن. ولم يكن ذلك الكشك مدرا لبعض المال فقط, بل كوّن أيضا الإحساس بالاستقلالية عند "سردار" وهو عامل حيوي لرفاه المصابين بالإعاقة. والحياة بالنسبة لسكان أفغانستان التي تعيش الحرب والاضطراب السياسي منذ عشرات السنيين صراع على كل شيء. فالمصابون بالشلل النصفي, الذين يناهز عددهم 600 شخص في مركز تقويم العظام, يواجهون صعوبات جمة. فكلهم تقريبا يقاسون من الفقر المدقع والعديد منهم من المعدمين يعيشون على حصص الأرز والفاصوليا والطحين والشاي والزبدة المصفاة أو الجية, التي يتلقاها كل مريض كل ثلاثة شهور من اللجنة الدولية إلى جانب العلاج والزيارات المنزلية التي تؤديها. وسيتلقى العديد من المعوزين هذا الشتاء أيضا الحطب كوقود للتدفئة بمدافئ "البوخاري" بدلا من مواقد "صاندالي" الخطيرة. وقد استفاد منها إلى هذا التاريخ حوالي نصف عدد المصابين بالشلل النصفي الست مائة, ويعود ذلك جزئيا إلى كرم وسخاء الناس وذوي النوايا الحسنة الذين تبرعوا بالمال. وبعد أن انتهى راز محمد, الذي فقد هو نفسه ذراعه في انفجار لغم أرضي عندما كان شابا, من تضميد جرح "سردار" اصطحب مبارك شاه إلى سوق بائعي الحطب لشراء "خروار" من حطب الوقود, أي حوالي 560 كلغ من الحطب لإشعال مدفأة "البخاري" التي تستعملها العائلة. ومع أن هذه الهبة جاءت متأخرة لإسعاف رجل "سردار", فإنها ستسمح له ولأمه خلال ما تبقى من الشتاء بأن يناما دون خشية الاستيقاظ في الصباح والاصطدام بمأساة أخرى. |