صفحة الاستقبال
  English
  Arabic
  Russian
  Chinese
ساعدوا ضحايا الحرب بالتبرع للجنة الدولية للصليب الأحمر الآن !
English title: Visits to persons deprived of their freedom: the experience of the ICRC
detention-visits.article-300906
11-04-2007  مقال صحفي   بقلم آلان إيشلمان ونيكولاس روجو
زيارة الأشخاص المحرومين من حريتهم: خبرة اللجنة الدولية للصليب الأحمر
تبذل اللجنة الدولية للصليب الأحمر جهوداً كبيرة لتوفير حد أدنى من الإنسانية في أماكن الاحتجاز وضمان احترام كرامة المحتجزين. وتحتاج هذه المهمة المعقدة عزماً لا يلين. كما تحتاج الزيارات التي تقوم بها اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى الأشخاص المحرومين من حريتهم إلى قدرة كبيرة على التكيّف. ولذا, فهي واحدة من القضايا الرئيسية ضمن حقل واسع للغاية من الأنشطة.

مقدّمة

تعد اللجنة الدولية للصليب الأحمر الآلية الدولية القائمة الأقدم لمراقبة ظروف الاحتجاز. فقد بدأت فعلياً زياراتها إلى الأشخاص المحرومين من الحرية في عام 1870 (إبان الحرب الفرنسية البروسية, حيث راح موظفو اللجنة الدولية يزورون أسرى الحرب لكي يوزعوا عليهم الرسائل الواردة من أسرهم وطرود الإغاثة), ثم حازت هذه الزيارات لاحقاً تصديقاً دولياً من قِبَل الدول المعنية. وكانت الحرب العالمية الأولى هي الإطار الذي شهد تكثيف انخراط اللجنة الدولية في هذا المجال: باتت التقارير تُكتب عن الزيارات بغرض تحسين ظروف احتجاز أسرى الحرب, كما جرى تجميع البيانات الفردية بشأن هؤلاء الأسرى مركزياً. وقد أثمر ذلك اعتماد اتفاقية جنيف لعام 1929 المتعلقة بمعاملة أسرى الحرب, والتي تنص على مراقبة الاحتجاز من قِبَل اللجنة الدولية. هكذا تم لأول مرة تحديد إجراءات الزيارة التي تتبعها المنظمة في صك دولي. بيد أن هذه الإجراءات لم تكن إلزامية فيما يتعلق بعنصر واحد كان مقدراً له أن يثبت ضرورته في المستقبل, ألا وهو إجراء المقابلات مع المحتجزين على انفراد.

"تعد جميع السجون أماكن يُحتجز فيها الرجال والنساء رغماً عن إرادتهم. وتكون التجاوزات دائماً إمكانية واردة. يجب إذن أن تدار هذه المؤسسات بإنصاف وعدل. إن جميع المؤسسات التي تدار من قِبَل الدولة أو لصالحها ينبغي أن تخضع للإشراف العام. ويكتسب ذلك أهمية خاصة في حالة السجون بسبب طبيعتها القسرية". Andrew Coyle, A human rights approach to prison management, International Centre for Prison Studies, 2002.

خلال الحرب العالمية الثانية, كان غياب هذا الشرط الواجب إضافة إلى مراقبة الضباط النازيين لبعض الزيارات قد منعا اللجنة الدولية من تكوين صورة كاملة وموضوعية عن ظروف الاعتقال. واستناداً إلى هذه الخبرة, استنت المنظمة لنفسها منهجاً أشد صرامة وكفلت إدراج هذا المنهج في عام 1949 في اتفاقيتي جنيف الثالثة والرابعة المتعلقتين بمعاملة أسرى الحرب وحماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب على التوالي. ومن ثم فإن إجراءات الزيارة هذه ملزمة أيضاً لجميع الدول بموجب المادة 126 من اتفاقية جنيف الثالثة والمادة 143 من اتفاقية جنيف الرابعة المنطبقتين رسمياً إذن على حالات النزاع المسلح الدولي. وتسري نفس القاعدتين عرفياً على غير حالات النزاعات المسلحة الدولية, حيث لا يكون مبدأ زيارة اللجنة الدولية للسجناء تلقائياً وإنما يتعيّن التفاوض بشأنه.


ويشمل هذا المنهج الوصول إلى جميع السجناء الذين تحميهم اتفاقيات جنيف أو يندرجون في دائرة اختصاص اللجنة الدولية (لا سيما الأشخاص المحتجزون لأسباب تتصل بأمن الدولة), وفحص جميع المرافق والمنشآت التي يستخدمها السجناء أو المخصصة لهم, وتكرار الزيارات, وإمكانية إجراء مقابلات مع المحتجزين الذين يقع اختيار اللجنة الدولية عليهم على انفراد (دون رقيب). وقد أثبتت مثل هذه الإجراءات نجاعتها وصارت نموذجاً يحتذى من قِبَل العديد من الآليات الدولية والوطنية التي أنشئت فيما بعد, ولا سيما اللجنة الأوروبية لمنع التعذيب.

وخلال العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية, راحت اللجنة الدولية تطوّر تدريجياً أنشطتها لصالح الأشخاص المحرومين من حريتهم, ساعية على وجه الخصوص إلى شمول عددٍ متنامٍ من المحتجزين بالزيارات التي يجريها مندوبوها. وفي جميع النزاعات المسلحة (النزاعات الدولية وتلك الجارية داخل حدود الدولة على السواء), تستند المنظمة إلى القانون الدولي الإنساني وتدعو الأطراف المعنية إلى احترام التزاماتها الدولية, ولا سيما من خلال السماح للجنة الدولية بالوصول إلى جميع الأشخاص الواقعين في الأسر أثناء سير العمليات العسكرية. ومتى اندلعت اضطرابات داخلية أو غيرها من أشكال العنف الداخلي في مختلف مناطق العالم, تبادر اللجنة الدولية بعرض خدماتها على السلطات المعنية. وفي أغلب الحالات, تدرك هذه السلطات أن لديها مصلحة في تيسير الوصول إلى أماكن الاحتجاز من قِبَل هيئة محايدة وغير متحيزة ومستقلة تتمتع بخبرة لا مثيل لها في تقييم المعاملة التي يلقاها المحتجزون وظروف الاحتجاز في ظل أوضاع الأزمات.

وفي عام 2004, على سبيل المثال, أفاد ما يربو على 570 ألف شخص محروم من حريته من انخراط اللجنة الدولية وأنشطتها في أماكن الاحتجاز في أكثر من سبعين بلداً.

الفائدة من الزيارات

معسكرات أسرى الحرب أو السجون أو مراكز الاحتجاز الوقائي هي بحكم التعريف أماكن مغلقة ومعزولة. تعزل جدران السجن النزلاء عن أي تدخل خارجي وتجعلهم بمنأى عن أنظار أي أشخاص غير مخولين. وتتمثل إحدى الآثار المتأصلة في هذه العزلة في خطر تطور مواقف وموازين قوى بين الأفراد (بين الحراس والسجناء أو ما بين السجناء أنفسهم) تنحرف قليلاً أو كثيراً عن السلوك "العادي", أي السلوك المتماشي مع متطلبات القانون وقيم المجتمع المحيط وثقافته.

ولكن هل يكفي التواجد العرضي لمراقب خارجي داخل هذه البيئة المغلقة لتحسين الوضع وتطبيع أنماط السلوك؟ لا شك أن هذا التواجد المرتجل يريح في حد ذاته المحتجزين الذين يقل شعورهم بأنهم صاروا نسياً منسياً وتُركوا لمصيرهم. بيد أن الارتياح لا يدوم سوى بضع ساعات يستغرقها زمن هذه الزيارة وذلك التواجد للجنة الدولية. وليس من المستبعد على وجه الخصوص أن تقع الانتهاكات أو تتكرر فور مغادرة الزوار.

والحاصل أن الزيارات لا يكون لها أثر ملموس على معاملة السجناء ما لم يقم حوار مفتوح ومخلص مع السلطات المسؤولة عن أماكن الاحتجاز, إذ أنها السلطات الوحيدة القادرة على فرض تدابير تصحيحية ترمي إلى علاج أوجه الخلل وتطبيق العقوبات في حالة إساءة استعمال السلطة. ويستند هذا الحوار إلى الملاحظات والانتقادات والتوصيات المقدَّمة إليها من قِبَل مندوبي اللجنة الدولية بعد كل زيارة, والتي تغذي النقاشات.

ترمي الزيارات قبل كل شيء إذن إلى "إثبات الوقائع": فهم كيفية عمل مكان الاحتجاز والنظام ككل, والكشف عن المشكلات في الحياة اليومية للمحتجزين, وتوثيق أي ممارسات تعسفية أو انتهاكات لحقوق المحتجزين كما تحددها النظم واللوائح السارية والقواعد الدولية. وعلى هذا الأساس يتم التخاطب مع السلطات واتخاذ أي تدابير أخرى.

إجراءات الزيارة

قبل الشروع في الزيارة, يتم توثيق وتحليل الوضع والمشكلات وطريقة عمل مكان الاحتجاز على نحو يتوخى أقصى دقة ممكنة. ويشمل هذا التحليل السابق على الزيارة عناصر مثل سياسات وممارسات السلطات (ولا سيما الأهداف المتوخاة من السجن وسمات النظم المختلفة السائدة في السجون), وكيفية عمل السلطات, ولا سيما تلك المختصة بإصدار الأحكام وتنفيذها, والإمكانيات المالية والمرافق المادية والموارد البشرية المتوافرة للسلطات, وطريقة تنظيم مختلف أنواع أماكن الاحتجاز.

أما عن سير الزيارات نفسها, فهناك أولاً مرحلة رصد تشمل عناصر مثل جغرافيا وعمارة المباني, وظروف إيواء السجناء, والنظام الأمني أو العلاقات بين الموظفين والسجناء. وتشمل هذه المرحلة فحص كل مباني السجن أو مكان الاحتجاز من قِبَل مندوبي اللجنة الدولية, وهي تتيح فهم الكثير من جوانب الحياة اليومية للمحتجزين.

ولكن إذا كانت لملاحظاتهم أن تكون موضوعية, فإنما يتعيّن على المندوبين السعي لمعرفة الطريقة الفعلية التي تُستخدم بها المرافق القائمة: هل يستخدم السجناء بالفعل المرشات (الأدشاش) مثلاً, وساحات الرياضة والورش وما إلى ذلك. ولكي يتسنى لهم التعرّف على ذلك, يتعيّن عليهم الحصول على المعلومات من إداريي السجن وحراسه وكذلك من المحتجزين, وتسجيل تلك المعلومات على نحو منتظم. كما يجب بالطبع أن يكون بوسع المحتجزين التحدث بحرية ورواية ما قد يكونوا تعرّضوا له من سوء معاملة أو أي مشاكل شخصية أخرى. ومن هنا تأتي أهمية اختيار السجناء الذين يقابلهم مندوبو اللجنة الدولية (والذين لا يجب أن يقتصروا على من اختارهم السجناء أو نصّبوا أنفسهم ناطقين باسمهم). ويسري الأمر نفسه على مكان إجراء المقابلات.

ويجب على مراقبي اللجنة الدولية إظهار الكثير من الكياسة والحساسية في هذا الصدد. فسواء جرت الزيارة بينما لا يزال السجين رهن الاستجواب أو في مرحلة لاحقة بعد النطق بالحكم, فإنها تكون دائماً بمثابة اقتحاماً مباغتاً لعالم مغلق, عالم يتسم بوتيرة بطيئة مضجرة لا تتبدل, وكثيراً ما تكون موازين القوى داخله بين الحراس والسجناء وفيما بين السجناء أنفسهم خفية مستترة. فلقد نشأت بين سكان هذا المكان المغلق علاقات قوة دقيقة وفي حالات كثيرة هشة. ويجب على زوار الخارج العرضيين أن يحرصوا على عدم كسر الدينامية السائدة داخل النظام أو تغيير ميزان القوى فجأة, إذ قد يسبّبون بذلك اختلالات يمكن أن تكون مصدراً للمزيد من المعاناة لأشخاص يعيشون بالفعل وضعاً ضعيفاً أو مستضعفاً. وعلاوة على ذلك, يجب على مندوبي اللجنة الدولية أن يتجنبوا مطلقاً خلق آمال كاذبة, ولا سيما بشأن إطلاق سراح السجناء.

وباستثناء حالات استثنائية يكون فيها التدخل الفوري والعنيد من قِبَل مندوبي اللجنة الدولية ضرورياً من أجل مطالبة السلطات, مع توخي الحذر الضروري, باتخاذ إجراء جذري على الفور, فإنه على الزوار أن يتسلحوا بالصبر. ويعني ذلك أن عليهم التصرف بذكاء وتواضع كبير وحساسية, وأن تتوافر لديهم القدرة على الإنصات من أجل ولوج العالم المعقّد لمكان الاحتجاز.

وكثيراً ما يكون واضحاً أن السجناء لديهم الكثير ليروونه في مقابلاتهم مع مندوبي اللجنة الدولية, بيد أنهم يعانون وضعاً من الإذعان يجعل من الخطر عليهم أن يبوحوا على عجل بمكنونهم لغرباء كثيراً ما تنظر إليهم السلطات كتهديد. وينبغي إذن على المندوبين أن يتحلوا بالصبر وأن يثابروا لكي يوجدوا بالتدريج مناخاً من الثقة يتيح للسجناء أن يشكفوا لهم عما بداخلهم. ومن الضروري أن يكونوا يقظين لكل العلامات التي تتجلى كثيراً أو قليلاً والتي تتيح لهم الشعور بالمناخ العام. ويقتضي ذلك توافر فهم واضح لحدود المبادرات الممكنة من دون تعريض الأشخاص الذين يودون حمايتهم لمخاطر لا داعٍ لها. إن القدرة على الإنصات كنز, وهي تقتضي من المنصتين أن يتركوا العنان للانطباعات أو مجرد العلامات والنظرات لكي ترشدهم وتتيح لهم القراءة بين السطور إذا جاز التعبير.

وأياً كان مقدار خبرة المندوبين بأحوال السجون, فمن الضروري تجنب أي شكل من أشكال الحكم المسبق. يجب على مندوبي اللجنة الدولية أن يحتفظوا بالقدرة على الاندهاش, إذ أن كل مكان احتجاز هو عالم صغير فريد. ولا ينبغي النظر إلى هذا الانفتاح وتلك القدرة على الإنصات كنوع من السذاجة, وهي حجة كثيراً ما تستخدمها السلطات لكي تنفي وقائع معيّنة. وهناك دائماً خطر الانخداع, سواء من قِبَل السجناء أو الحراس, ويجب أن يأخذ المندوبون ذلك في الاعتبار; ومن شأن الحس السليم والنهج الصارم أن يتيحا لهم الحفاظ على موضوعيتهم ومصداقيتهم.

حوار سري

إن اللجنة الدولية معروفة بالسرية التي تحيط زياراتها وعلى الأخص ملاحظاتها, وأحياناً ما توجّه لها الانتقادات لهذا السبب. وكثيراً ما يساء فهم موقفها, لا سيما من قِبَل الإعلام وجانب من الرأي العام. وأحياناً ما يُنظر للمنظمة كمؤسسة سرية.

لا ترمي السرية التي تُلزم اللجنة الدولية نفسها بها إلى إخفاء معلومات هامة عن الجمهور, كما أنها لا تستهدف الحفاظ بأي ثمن على علاقات جيدة بجميع الأطراف, بما في ذلك الدول المعروفة بازدراء الحقوق المقرّرة للأشخاص المحرومين من حريتهم. إن اللجنة الدولية تسعى إلى التعاون عوضاً عن المواجهة مع السلطات, وهي ملتزمة بالحفاظ على حوار مباشر وصريح مع السلطات القادرة على إحداث فارق إذا أمكن إقناعها بذلك. ويجب أن يجري هذا الحوار بمنأى عن الحرب الكلامية والاعتبارات السياسية التي من شأنها أن تحرف أنشطة اللجنة الدولية عن هدفها الأوحد, وهو إنساني الطابع.

ويتيح الحوار أساساً لتدفق المعلومات الموضوعية استناداً إلى إلى اتصال منتظم مع السجناء, ويفضي إلى صياغة اقتراحات بالحلول. كما أن الحوار الدائم مع جميع المسؤولين, بغض النظر عن الرتب والمناصب, يعد وسيلة لجعل الزيارة جزءاً من عملية مستمرة, ويساعد أيضاً على تحسين الشعور بالتقارب بين السلطات وقوات حفظ النظام والمحتجزين.

ويجب أن يقوم الحوار الدائم كما تتصوره اللجنة الدولية على أساس علاقة ثقة. وتنشأ مثل هذه العلاقة وتتطوّر بفضل الطابع السري لعمل اللجنة الدولية. إن السرية طريقة عمل وخيار استراتيجي. كما أنها تتيح للأطراف الفاعلة العمل على نحو مستقل بشأن قضايا تتسم بوجه عام بالحساسية الشديدة. وعلاوة على ذلك, فمما لا شك فيه أن السرية تتيح الوصول, ولا سيما إلى أماكن تتحفظ السلطات على فتحها أمام المراقبين الخارجيين. ومن خلال القبول بطرق عمل اللجنة الدولية وتواجدها وانخراطها في أماكن الاحتجاز, توافق السلطات على الشروع في نقاشات بشأن قضايا حساسة مثل حدوث التعذيب وتتعهد بمعالجتها بنية حسنة.

ويتعيّن أيضاً أن تضمن اللجنة الدولية عدم استغلال السلطات لتواجدها وأنشطتها. ومن ثم فهنالك حدود للسرية. وحينما لا يكون لمساعي اللجنة الدولية وجهودها تأثير ذو شأن أو تعجز السلطات عن الالتزام بطرق العمل التي اتُّفق عليها, فإن اللجنة الدولية تستطيع أن تقرر الإعراب عن دواعي قلقها علناً. ولكن المنظمة لا تقرّر اللجوء إلى البلاغ العام سوى عند توافر شروط صارمة, ولا سيما حينما تكون واثقة من أن التخلي عن تحفظها بهذه الطريقة سيعود بالنفع على المحتجزين ولن يضر بهم. وأحياناً ما يكون الخيط رفيع للغاية ما بين الأمل في تحسّن الأمور وخطر التحايل على المنظمة واستعمالها كأداة. وكثيراً ما يكون الأمر أقرب إلى السير على الحبل. ومن ثم فإن اللجوء إلى البلاغ العام يعد قراراً صعباً. ومن شأن التحليل الجاد ونزاهة القرارات وحدهما أن يتيحا تجنّب الشراك والحفاظ على نهج متسق في مختلف السياقات على المدى الطويل.

وسائل عمل متنوعة

كما جاء أعلاه, الزيارات وحدها لا تكفي; فمجرد القيام بها يكون محدود التأثير. فكيف تسلك اللجنة الدولية إذن من أجل كفالة حماية حقيقية؟

تتثمل إحدى السمات الخاصة للجنة الدولية في كونها آلية مراقبة ووكالة عاملة في الوقت نفسه. ويعني ذلك أن للمنظمة قدرة على العمل تتيح لها الحفاظ على تواجد منتظم على المستوى المحلي في ساحات عملها وإجراء حوار متواصل مع السلطات وجميع الأطراف القادرة على التأثير في سير الأحداث. ومن جهة أخرى, تستطيع اللجنة الدولية إحداث فارق حقيقي للغاية من خلال التدخل مباشرة عبر تقديم المساعدة للأشخاص المستضعفين حينما تنطوي الظروف التي يجدون أنفسهم فيها على خطر يهدد سلامتهم البدنية أو النفسية, وذلك دون انتظار النتائج الافتراضية لمساعيها لدى السلطات.

ويمكن بالتالي على ضوء الاحتياجات المرصودة أن تضع اللجنة الدولية السلطات المعنية أمام مسؤولياتها وأن تقدّم لها التوصيات وتمارس عليها الضغط من خلال تعبئة عوامل خارجية مؤثرة من أجل التغيير. ولكن إذا كان الوضع خطيراً ويقتضي تدخلاً عاجلاً, فبوسع المنظمة أيضاً إعمال قدراتها التنفيذية من أجل إعادة الأحوال إلى ما يرام. فحينما تكشف التدابير التي تم الاضطلاع بها في أحد أماكن الاحتجاز أن بعض المحتجزين يعانون سوءَ تغذية حاداً, على سبيل المثال, تستطيع اللجنة الدولية تنفيذ برنامج تغذية علاجية من أجل ضمان بقائهم على قيد الحياة. ومن شأن ذلك أن يتيح الوقت للسلطات المعنية لكي تزود نفسها بالوسائل اللازمة لاتخاذ تدابير طويلة المدى. وأخيراً, يمكن للجنة الدولية أيضاً أن تختار تقديم مساعدة هيكلية أو دعم مشاريع ملائمة تصممها وتديرها السلطات. ومن الناحية الملموسة, فإن ذلك على سبيل المثال قد يشمل, وفقاً للظروف, ما يلي:

  • إسداء المشورة بشأن القضايا التقنينية (مثل قانون السجون أو اللوائح المتصلة بتنظيم السجون, وما إلى ذلك)
  • إسداء المشورة, مصحوبة أحياناً بالمساعدة المادية, بشأن إنشاء وتنظيم الهياكل الإدارية
  • وضع دورات تدريبية متخصصة لقوات حفظ النظام (قوات الشرطة والقوات الأمنية والقوات المسلحة), ولموظفي السجون أو الأخصائيين العاملين في مجالات متصلة بالسجون (مثل أفراد الخدمات الطبية أو الموظفين المسؤولين عن مرافق الإمداد بالمياه والصرف الصحي)
  • تنظيم حلقات عمل متعددة التخصصات للمهنيين من مختلف المهن والوظائف المتصلة بقضايا مشتركة
  • الاضطلاع بتدابير ترمي إلى تعريف السلطات بالمنظمات المتخصصة في مجالات لا تدّعي اللجنة الدولية امتلاك معرفة خاصة فيها
  • تنظيم تبادل الأخبار العائلية بين المحتجزين وأقربائهم (على هيئة رسائل الصليب الأحمر)
  • وأخيراً, وكما قيل في القسم السابق, فحينما تتواصل حالة انتهاك عمدي رغم جهود اللجنة الدولية البنّاءة والسرية ومساعداتها الملموسة, فإن المنظمة قد تبحث الكشف عن دواعي قلقها.

    أنشطة متنوعة تتصل بالزيارات

    طوّرت اللجنة الدولية خبرة معترف بها في عدد من المجالات المتصلة بمعاملة المحتجزين والظروف المادية للاحتجاز.

    هناك أولاً الأنشطة الرامية إلى مكافحة الإعدام بلا محاكمة وحالات الاختفاء. يعد تسجيل المحتجزين المعرضين للخطر, أي تسجيل التفاصيل الدقيقة المتصلة بهويتهم في أسرع وقت ممكن بعد توقيفهم أو إلقاء القبض عليهم, ثم رصد هؤلاء الأشخاص حتى الإفراج عنهم, واحداً من التدابير التي تتخذها اللجنة الدولية حيثما يرجح أن تقع مثل هذه الانتهاكات. وتستطيع المنظمة بعد ذلك التأكد من مصير هؤلاء الأشخاص من خلال الزيارات المنتظمة.

    كما يعد منع التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة هدفاً أساسياً للجنة الدولية. ومن المعروف أن مخاطر انتهاك السلامة البدنية للأشخاص وكرامتهم تكون كبيرة على نحو خاص أثناء استجوابهم خلال الساعات أو الأيام القليلة التالية لتوقيفهم أو القبض عليهم. إن توثيق حالات التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية أو اللا إنسانية أو المهينة بالاستناد أساساً إلى شهادات الضحايا يعد عملاً صعباً يتطلب دقة صارمة وقدرة كبيرة على الإنصات المتعاطف. أما عن نقل هذه "الادعاءات" إلى السلطات المعنية وإعداد المحاجة التي يتعيّن اتباعها لحثها على فتح حوار معمّق, فكثيراً ما يتضمن ذلك مفاوضات حساسة للغاية, ولا سيما حينما تنفي السلطات قطعياً جميع الأدلة التي جمعها مندوبو اللجنة الدولية. وأحياناً ما تنظم اللجنة الدولية أيضاً دورات تدريبية خاصة في هذا المجال لغرض تحسين المعرفة بالقواعد والمعايير الدولية.

    ولكي تحافظ اللجنة الدولية على حيادها فإنها, من حيث المبدأ, لا تعرب عن رأي بشأن أسباب احتجاز أحد الأشخاص. وفي المقابل, فإن المشكلات المتصلة باحترام الضمانات القضائية الأساسية تعد مجالاً آخر تهتم به المنظمة. وكثيراً ما تترتب على مشكلات كهذه آثار إنسانية عميقة, ولا سيما بشأن السلامة النفسية للمحتجزين. واستناداً إلى البيانات التي يدلي بها المحتجزون وأحياناً إلى ملاحظاتها في قاعة المحكمة, تستطيع اللجنة الدولية إذن أن تلفت انتباه السلطات المختصة, ولا سيما السلطات القضائية, إلى أوجه الخلل. وتستطيع المنظمة بذلك أن تبرز حالات يبدو فيها أن الضمانات القضائية الأساسية لم تُحترم. والمشكلة الرئيسية في الكثير من السياقات التي تعمل اللجنة الدولية داخلها هي الفترة الزمنية الطويلة للغاية التي لا تتوافر خلالها معلومات بشأن الأسس التي تم الاستناد إليها في وضع الأشخاص أو إبقائهم رهن الاحتجاز. وهنا مرة أخرى تستطيع اللجنة الدولية إدارة دورات تدريبية أو ندوات نقاش وتوعية بشأن المشكلات القائمة. وأحياناً ما تمثّل هذه الدورات والندوات فرصة للجمع بين ممثلين للقضاء وسلطات السجون والشرطة.

    وتمثل أنشطة اللجنة الدولية الرامية إلى الحفاظ على صحة المحتجزين والحد الأدنى من رفاهيتهم حقلاً واسعاً آخر للعمل. وتعد النظافة والإمداد بالمياه وجوانب التغذية والرعاية الطبية مجالات طوّرت اللجنة الدولية بشأنها جميعاً خبرة معترفاً بها. واستناداً إلى ملاحظاتهم, يسدي أطباء ومهندسو اللجنة الدولية نصائح كثيرة للسلطات بشأن السبل البسيطة والفعالة لتحسين الوضع, وأحياناً ما يديرون الدورات التدريبية. كما أن بوسع موظفي اللجنة الدولية أيضاً تنظيم أنشطة طارئة في هذه المجالات إذا لم تكن السلطات قادرة على التعامل مع حالات الأزمات: التغذية العلاجية حينما يعاني المحتجزون من سوء تغذية حادة بسبب مشكلات متصلة بسلسلة الغذاء أو حتى انهيار هذه السلسلة, وبناء صهاريج المياه حينما يكون الإمداد بالمياه غير منتظم أو غير ملائم, وإعادة تأهيل المطابخ واتخاذ تدابير لتحسين فعالية أفران الحطب حينما يندر الحطب, وتجديد المرافق الصحية أو بناء مرافق جديدة (المراحيض وخزانات التفسخ والأدشاش) متى كان محتملاً أن تؤثر البيئة على صحة المحتجزين, والاستجابة الطارئة في حالة تفشي وباء مثل الكوليرا, وما إلى ذلك.

    وشكّل مرض السل واحتمال تفشيه في أماكن الاحتجاز, حيث يوجد بحكم التعريف معدل مرتفع للاختلاط, شاغلاً أساسياً للجنة الدولية منذ أمد بعيد. وقد طوّرت المنظمة أنشطة في العديد من السياقات, ولا سيما في جنوب القوقاز, لمساعدة السلطات على إنشاء نظم للكشف عن المرض علاوة على نظم الرعاية الصحية المستندة إلى منهج "دوتس" DOTS (أو العلاج القصير الأمد والمراقَب مباشرة). كما تعاونت مع منظمة الصحة العالمية في إعداد دليل يضع مبادئ توجيهية للسيطرة على السل في السجون. أنظر: Dermot Maher, Malgosia Grzemska et al., Guidelines for the control of tuberculosis in prisons, World Health Organization, Geneva, 1998.

    وتشمل القضايا المتصلة بالصحة أيضاً الحصر النفسي والآثار البدنية والنفسية التي يعانيها السجناء الذين تعرّضوا للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة. ويتعيّن أن يكون بوسع أطباء اللجنة الدولية الإنصات إلى هذه الشواغل, وتبديد أي مخاوف غير مبرّرة, وإبلاغ السجناء بشأن أي آثار قد تستمر. ولا تتوافر للجنة الدولية القدرة على علاج هذه الحالات بنفسها, كما أن هذه ليست مهمتها, ولا سيما أثناء الاحتجاز. بيد أنها كثيراً ما تشجّع المحتجزين على استشارة مؤسسات ومنظمات متخصصة عند الإفراج عنهم. وبالمثل, أحياناً ما تشجع اللجنة الدولية مثل تلك المؤسسات على الانخراط في السجون بالتنسيق مع السلطات.

    الخلاصة

    تبذل اللجنة الدولية للصليب الأحمر جهوداً كبيرة من أجل جلب حد أدنى من الإنسانية إلى أماكن الاحتجاز وضمان احترام كرامة المحتجزين على نحو منتظم. وتعد هذه مهمة معقدة تقتضي عزماً لا يلين. كما تحتاج الزيارات إلى الأشخاص المحرومين من حريتهم على النحو الذي تقوم به اللجنة الدولية إلى قدرة كبيرة على التكيّف, ومن ثم فإنها بمثابة قضية رئيسية ضمن حقل واسع للغاية من الأنشطة. ولكي ما تجري هذه الزيارات في نطاق متنوع من السياقات تتراوح بين البلدان الفقيرة, حيث لا يدين بقاء السجناء على قيد الحياة أحياناً سوى إلى التنظيم العاجل لبرامج التغذية العلاجية, وأكثر البلدان تقدماً اقتصادياً التي تُخضع بعض المحتجزين لنظام من الإجراءات الأمنية المشددة, مع ما يصاحب ذلك من نزع شبه كامل لإنسانية الفرد. ومن الصعب تخيّل أن مهمة اللجنة الدولية في مجال الاحتجاز قد تنتهي في يوم من الأيام: فهناك دائماً أزمة أخرى ينتظر خلالها سجناء معوزين تدخّل المنظمة.

    المراجع

  • Aeschlimann Alain, “Protection of detainees: ICRC action behind bars”, International Review of the Red Cross, No. 857, March 2005.
  • Amnesty International, Combatting torture: a manual for action, London, 2003.
  • Association for the Prevention of Torture, Monitoring places of detention, a practical guide, Geneva, April 2004.
  • François Bugnion, The International Committee of the Red Cross and the protection of war victims, ICRC and Macmillan, Geneva, 2003. - اللجنة الدولية للصليب الأحمر, عمل اللجنة الدولية للصليب الأحمر لصالح السجناء (كتيّب إعلامي متوفّر لدى مركز الإعلام والتوثيق باللجنة الدولية). - اللجنة الدولية للصليب الأحمر, تقرير اللجنة الدولية للصليب الأحمر السنوي لعام 2004, يونيو/حزيران 2005.
  • Coyle Andrew, A human rights approach to prison managment – handbook for prison staff, Internatio­nal Centre for Prison Studies, London, 2002.
  • Daudin Pascal, ReyesHernan, “How visits by the ICRC can help prisoners cope with the effects of traumatic stress”, in International responses to traumatic stress, Baywood Publishers, New York, 1996, pp. 219-256.
  • Office of the United Nations High Commissioner for Human Rights Istanbul Protocol - Manual on the effective investigation and documentation of torture and other cruel, inhuman or degrading treatment or punishment - Professional Training Series, No. 8, United Nations, New York and Geneva, 2001.
  • Morgan Rod, Evans Malcolm, Combating torture in Europe, Council of Europe Publishing, Strasbourg, 2001.
  • Moreillon Jacques, Le Comité international de la Croix-Rouge et la protection des détenus politiques, Henry Dunant Insti­tute, Editions L’Age d’Homme, Lausanne, 1973.
  • Nembrini Pier Giorgio, Water, sanitation, hygiene and habitat in prisons, ICRC, Geneva, 2005.
  • Penal Reform International, Making standards work: an international handbook on good prison practice, The Hague/London1995, 2001 (2nd edition) Reyes Hernan, “Visits to prisoners by the ICRC”, in Torture, Supplementum No. 1, 1997, pp. 28-30.
  • Reyes Hernan, “ICRC Visits to Prisoners”, in Torture, Vol. 3, No.2, 1993, p. 58.
  • Reyes Hernan, “Torture and its consequences”, in Torture, Vol. 5, No. 4, 1995, pp. 72-76.
  • de Sinner Philippe, Reyes Hernan, “Activités du CICR en matière de visites aux personnes privées de liberté. Une contribution à la lutte contre la torture” in Antonio Cassese (ed.), The International Fight Against Torture, Nomos Verlagsgesellschaft, Baden-Baden, 1991.
  • Sironi Françoise, Bourreaux et victimes – Psychologie de la torture, Odile Jacob, Paris, 1999.
  • Staiff Marina, “Visits to detained torture victims by the ICRC (I): Management, documentation, and follow-up”, in Torture, Vol. 10, No. 1, 2000, pp. 4-7, and “Visits to detained torture victims by the ICRC (II): The psychological impact of visits and interviews with detained torture victims”, in Torture, Vol. 10, No. 2, 2000, pp. 41-44.
  • Stern Vivien, A sin against the future Imprisonment in the world, Penguin Books, London, 1998.

    نشر هذا المقال بالفرنسية في مطبوعات الطب والصحة العامة Editions Médecine et Hygiène , جنيف, سبتمبر/أيلول 2006.


  • الانتقال إلى رأس الصفحة
    صفحة الاستقبال | خريطة الموقع  | البحث | الجديد في الموقع | الاتصالات | حقوق الطبع محفوظة  | سياسة حماية الخصوصية | RSS
    © 2008 اللجنة الدولية للصليب الأحمر
    11-04-2007