29-11-2007 تصريح رسمي وضع حدٍ للإرث القاتل للحرب عند النظرة الأولى، لا نرى أي قاسم مشترك بين بنّاء سابق في أفغانستان يبلغ من العمر 46 عاماً وطالبة في كمبوديا في السادسة عشر من العمر وفتى لبناني يبلغ الحادية عشرة من العمر. إلا أن هؤلاء الأشخاص الثلاثة وقعوا ضحية الألغام الأرضية أو مخلفات الحرب من المتفجرات، وهم يعانون من إصابات مؤلمة ومستديمة ويدفعون ثمن نزاعات لم يكونوا طرفاً فيها وتعرضوا لإصابات أحياناً بعد سنوات أو حتى عقود على انتهاء القتال. وهذا ما يوضحه فيليب شبوري مدير القانون الدولي في اللجنة الدولية للصليب الأحمر. كل عام, يُقتل أو يُجرح عبثاً عدد كبير من الناس, معظمهم من المدنيين, بسبب الألغام الأرضية أو الذخائر العنقودية أو مخلفات الحرب من المتفجرات. ينبغي أن تنطبع قصص هؤلاء الضحايا الثلاث قليلي الحظ- من مختلف أرجاء العالم- في أذهان ممثلي الدول الأطراف في معاهدة حظر الألغام المعروفة باتفاقية أوتاوا والبالغ عددها 155 دولة، بمناسبة الذكرى العاشرة على وضعها في 3 كانون الأول/ديسمبر 2007. كل عام، يُقتل أو يُجرح عبثاً عدد كبير من الناس، معظمهم من المدنيين، بسبب الألغام الأرضية أو الذخائر العنقودية أو مخلفات الحرب من المتفجرات. واستناداً إلى مراقب الألغام الأرضية، حصدت هذه الأسلحة الفتاكة، بين عامي 2005 و2006، ضحايا جديدة في 58 بلداً في العالم. وأدى تكثيف العنف في العديد من البلدان إلى ارتفاع عدد الإصابات، بما فيها في تشاد وكولومبيا وباكستان وميانمار وسري لانكا. تشكّل الذكرى العاشرة لاتفاقية أوتاوا فرصة مناسبة لتقييم التقدم الذي تم إحرازه في العقد المنصرم نحو القضاء على الألغام الأرضية المضادة للأفراد والاحتفاء بهذا الإنجاز. ولكن يحب أن تذكّر الدول بضرورة النظر بوقار إلى الإرث المميت الذي خلّفته كافة الأسلحة التي تستمر في القتل بعد انتهاء النـزاعات والالتزام الحقيقي بإنهاء مثل هذا الإرث.
غالباً ما يعاني الضحايا الذين يبقون على قيد الحياة من إعاقات، وهم يضافون إلى مئات ومئات آلاف ضحايا الألغام في كافة أنحاء العالم الذين يحتاجون إلى رعاية طويلة الأجل وإعادة تأهيل ودعم على المستويين الاجتماعي والاقتصادي. من الممكن- لا بل من الواجب- وضع حدٍ لهذا الوضع البائس. تشكّل اتفاقية أوتاوا التاريخية التي تم اعتمادها عام 1997 الاتفاق الدولي الأول الذي يحظر بشكل تام تطوير وإنتاج وتخزين ونقل واستخدام سلاح كان قيد الاستخدام بشكل منتشر في السابق. وكانت هذه الاتفاقية الأولى من نوعها التي طلبت من الأطراف توفير العناية والمساعدة إلى الضحايا. ومما لا شك فيه أنّه حصل تطور ملحوظ. فمن أصل 50 دولة كانت في وقت ما تنتج الألغام المضادة للأفراد، أصبحت 34 منها طرفاً في الاتفاقية وهناك ما مجموعه 155 دولة طرفاً لا تملك أي مخزون. هذا وقد دمّرت الدول الأطراف حوالي 42 مليون لغم من الألغام المضادة للأفراد. وابتداءً من عام 2005، كانت الدول الأطراف قد استثمرت 2.9 مليار دولار أمريكي لإزالة الألغام وتدمير المخزون لديها ومساعدة الضحايا وغيرها من الأنشطة المتعلقة بمكافحة الألغام. لا يزال هناك تحديات رئيسية ولا يزال هناك أربعون دولة بانتظار التصديق على الاتفاقية. ينبغي لجميع الدول التي صدّقت على الاتفاقية أن تفي بوعودها طويلة الأجل التي قطعتها إزاء ضحايا الألغام الأرضية، بما في ذلك المحافظة على الجهود المتعلقة بإزالة الألغام وتخصيص المزيد من الموارد للبرامج المعنية بالرعاية الصحية والمساعدة. بالإضافة إلى ذلك، لا تشكّل الألغام الأرضية إلا جزءاً واحداً من مشكلة أكبر حجماً. ففي البلدان التي تمزقها الحروب في أنحاء العالم، تستمر الملايين من القنابل والقذائف والقنابل اليدوية والصواريخ والذخائر العنقودية غير المنفجرة وأنواع أخرى من الذخائر غير المنفجرة- والمعروفة باسم مخلفات الحرب من المتفجرات- في قتل المدنيين وتشويههم بعد أن تصمت فوهات البنادق. في الواقع، تزداد التكلفة البشرية لمخلفات الحرب من المتفجرات سوءاً، لاسيما من خلال انتشار الذخائر العنقودية. فهذه الأسلحة يمكنها أن تُطلق عشرات الآلاف من الذخائر الصغيرة على مساحات واسعة في فترة قصيرة من الوقت، وتكون آثارها مدمّرة عندما يتم استخدامها في المناطق المأهولة. وبالاستناد إلى ما يعرف عن الذخائر الصغيرة من انعدام الدقة والموثوقية فإنّ أعداداً كبيرة منها تخفق في الانفجار على النحو المتوخى. ويأتي الاستخدام المكثّف للذخائر العنقودية خلال الحرب التي شهدها لبنان العام المنصرم وما خلّفته من ضحايا تجاوز عددهم 200 مدني منذ انتهاء القتال ليسلّط الضوء على التكلفة البشرية غير المقبولة. سعياً لإعادة تعزيز ما قامت به الدول بموجب اتفاقية أوتاوا، دخل اتفاق دولي جديد حيّز التنفيذ العام المنصرم يطلب من الأطراف في نزاع مسلّح اتخاذ خطوات ملموسة للحد من المخاطر التي تطرحها الذخائر غير المنفجرة المُتخلى عنها. ويُعتبر البروتوكول المتعلق بالمخلفات المتفجرة للحرب أداةً أساسية في الجهود المبذولة للحد إلى أقصى حد مما يتعرض له المدنيون من قتل وجرح ومعاناة جراء الحرب. وحتى اليوم، صدقت 35 دولة في العالم على هذا البروتوكول. وينبغي حثّ الدول كافةً على القيام بذلك. في حين أنّ البروتوكول المتعلق بالمخلفات المتفجرة للحرب يتوخى الحد من الخطر الذي يواجهه المدنيون جراء أنواع أخرى من الذخائر غير المنفجرة، بما فيها الذخائر العنقودية في مرحلة ما بعد النـزاع، إلا أنه لا يتضمن أية قيود محددة حول استخدام هذه الأسلحة المعينة أو تدابير محددة للحد من نسبة إخفاقها. لذا، ترى اللجنة الدولية للصليب الأحمر وجوب معالجة المشكلة الخاصة التي تطرحها الذخائر العنقودية من خلال معاهدة دولية جديدة. وينبغي لهذه المعاهدة أن تمنع استخدام الذخائر العنقودية غير الدقيقة وغير الموثوقة أو تصديرها لأي جهة وتطلب تدميرها. كما يجب أن تطلب إزالتها ومساعدة الضحايا. ولحين اعتماد المعاهدة، ينبغي أن تنضم دول أخرى إلى بلجيكا وهنغاريا والنرويج والنمسا في منع أو تعليق استخدام الذخائر العنقودية على المستوى الوطني. وفي حين تستمر الجهود من الجانب القانوني، يجب ألا تغيب احتياجات الضحايا عن بالنا. ومن جهتها، تساعد اللجنة الدولية ضحايا الألغام الأرضية وغيرها من المخلفات المتفجرة للحرب في كافة أنحاء العالم، من خلال دعم حالات الطوارئ والرعاية الاستشفائية وإعادة التأهيل البدني والتدابير الوقائية مثل تسهيل الوصول الآمن للمواد الغذائية والمياه وغيرها من ضروريات الحياة. تشكّل الذكرى العاشرة لاتفاقية أوتاوا فرصة مناسبة لتقييم التقدم الذي تم إحرازه في العقد المنصرم نحو القضاء على الألغام الأرضية المضادة للأفراد والاحتفاء بهذا الإنجاز. ولكن يحب أن تذكّر الدول بضرورة النظر بوقار إلى الإرث المميت الذي خلّفته كافة الأسلحة التي تستمر في القتل بعد انتهاء النـزاعات والالتزام الحقيقي بإنهاء مثل هذا الإرث. |