| 19-11-2007 تصريح رسمي الذكرى العاشرة لاتفاقية حظر الألغام - من الألغام إلى الذخائر العنقودية التعبئة من أجل وضع حد للأسلحة التي لازلت تزهق الأرواح. ملاحظات مقتبسة من العرض الذي قدمه السيد بيتر هيربي رئيس وحدة الأسلحة, اللجنة الدولية للصليب الأحمر, أوسلو, 18 أيلول/ سبتمبر 2007
- ما تم تحقيقه خلال التفاوض على معاهدة حظر الألغام هنا في أوسلو منذ عشر سنوات كان مذهلاً عن حق. فقد اعتمدت قرابة مئة دولة معاهدة بدون أي استثناءات أو تحفظات أو ثغرات. ولأول مرة في التاريخ جرى حظر سلاح كانت تستخدمه على نطاق واسع جميع بلدان العالم تقريباً. ولم يتم القيام بذلك لاعتبار هذا السلاح سلاحاً من الطراز القديم وإنما بسبب ما ينطوي عليه من آثار رهيبة على السكان المدنين في مختلف أنحاء العالم.
- وأعتقد أنه بالإمكان القول الآن, حين نستعيد ما جرى في الماضي, إن ما تحقق تجاوز بكثير الألغام المضادة للأفراد. فاعتماد معاهدة حظر الألغام كان أيضا بمثابة ولادة قاعدة "مرنة" أصبحت راسخة في "الضمير العام". وأصبحت تدريجياً تشكل أيضا جزءاً لا يتجزأ من القانون ليس في شكل اتفاقية لحظر الألغام فحسب, وإنما أيضا في شكل البروتوكول المتعلق بالمخلفات المتفجرة للحرب لعام 2003 والاتفاقية الناشئة بشأن الذخائر العنقودية التي ستعتمد عام 2008. وتفيد هذه القاعدة أن الأسلحة التي تستمر في قتل الناس بعد انتهاء القتال هي أسلحة شنيعة ولا يمكن القبول بها. كما أنها تفيد بأن الثمن الذي يتكبده المدنيون في النـزاعات الدائرة في وقتنا الحالي باهظ بما فيه الكفاية, وأن استخدام الأسلحة التي تستمر في قتل المدنيين وتشويههم بعد سنوات أو عقود من انتهاء النـزاعات أمر "يتجاوز كل المعايير".
- لو كان الأمر يتعلق بمنتج منزلي ينطوي بشكل واضح ومستمر على آثار جانبية مضرة, بما في ذلك التسبب بالجراح والموت وتكاليف اجتماعية واقتصادية باهظة, كان من المؤكد أنه سيجري حظر هذه المنتج أو سحبه من السوق على وجه السرعة. لماذا إذا اعتبر لعدة عقود أنه من الطبيعي زرع الألغام في ساحات القتال في كمبوديا وأفغانستان وأنغولا وأمريكا الوسطى, وتركها تلحق أضراراً جسيمة بالمزارعين والأطفال؟ لماذا اعتبر من المقبول إلقاء عشرات الملايين من الذخائر العنقودية على مجتمعات يعيش فيها الناس بالرغم من معرفتنا أن جزءاً كبيراً منها سيتحول إلى بقايا قاتلة, ثم ترك المجتمعات المحلية تواجه المشاكل المطروحة؟ ولماذا اعتبرت الآلاف بل حتى مئات آلاف الأطنان من الذخائر غير المتفجرة التي تركت بعد معظم النـزاعات الكبرى مشكلة لا تعني إلاّ الآخرين؟
- ربما كانت طريقة التفكير هذه طريقة تفكير حقبة أخرى... حقبة الحرب الباردة وحقبة ما قبل الحرب الباردة؟ نحمد الله أن ذلك العهد قد ولّى وانقضى! باستثناء, بطبيعة الحال, كفاح الأمهات اللواتي فقدن ساقهن كفاحاً طوال حياتهن لعلّ وعسى يستطعن تربية أطفالهن, والأطفال الذين فقدوا أياديهم ويحاولون تعلم مهنة, والحقول المتروكة بدون بذور ـ والبطون التي تتضور جوعاً لأن الأرض غير مزروعة.
- وبطبيعة الحال, لن تنقضي حقاً تركة هذه الفترة إلاّ عندما تحظى اتفاقية حظر الألغام بمصادقة جميع البلدان, وتُحقق أهداف البروتوكول المتعلق بالمخلفات المتفجرة للحرب تماما, ويتم التخلص بشكل كامل من تركة الذخائر العنقودية وهي التركة التي خلفتها حقبة الحرب الباردة. ولكننا قطعنا عن حق شوطاً كبيراً جداً خلال عشر سنوات.
- وعندما نفكر في أحد الأهداف الرئيسية للقانون الدولي الإنساني, أي تجنيب المدنين آثار الأعمال العدائية, يصبح من الواضح أن الأسلحة التي تستمر في إزهاق الأرواح تحقق تماماً عكس ذلك. إذ لا ينجو من شرها أحد, وتجعل التكلفة البشرية الناجمة عن السلاح غير متناسبة والفوائد العسكرية المجنية. كما أنها تعطي صورة سيئة عن القوات التي تستخدمها وتجعل تحقيق الأهداف السياسية للعمليات العسكرية أكثر صعوبة.
- وخلال العشر سنوات التي مضت منذ اعتماد معاهدة حظر الألغام هنا في أوسلو, أعتقد من الإنصاف القول إن هناك الآن قاعدة مفادها أنه يتوقع من الدول أن تبذل كل ما في وسعها لتجنب استخدام الأسلحة التي تستمر في القتل وأن تحمل المسوؤلية عن مخلفات الحرب القابلة للانفجار التي تتركها على أراضيها. وفي ما يتعلق بالألغام الأرضية, خلصت دراسة أجرتها اللجنة الدولية خلال عقد من الزمن إلى أن الاحتياطات المتخذة لحماية المدنيين, بما في ذلك عمليات تعليم مواقع الألغام ووضع الأسيجة وإزالة الألغام, أصبحت جزءاً من القانون الدولي الإنساني العرفي – الذي هو ملزم لكل الأطراف في جميع النـزاعات.
- إلا أن العمل لم ينتهي بعد أبداً. فتنفيذ القواعد, سواء كانت مرنة أو صارمة, والحؤول دون تآكلها أمر يبرز صعوبات على الأقل بنفس مستوى ما اقتضاه وضعها في أول الأمر وربما تتطلب حتى إصراراً ومثابرة أكبر. ونستطيع أن نرى أيضاً بعد مرور عشر سنوات التحديات بصورة أفضل من أي وقت مضى. ويمكن أن أذكر هنا بعضها:
- معاهدة حظر الألغام – فنحن على وشك دخول مرحلة من أكثر المراحل صعوبة:
- إدارة مواعيد إزالة الألغام إبتداءً عام 2009 بطريقة تحافظ على مصداقية الاتفاقية وتهيئ أقصى قدر من الضغط للانتهاء قبل الموعد المحدد أو ضمن فترة تمديد تتسم بالواقعية والتخطيط الجيد;
- معالجة مسائل الامتثال: عن طريق كفالة أن فترات التمديد لا تجيز بحكم الواقع "استخدام" الألغام المضادة للأفراد (بسبب الإخفاق في إزالتها) والتصدي أو, وهذا أمر أفضل, الحؤول دون قيام أحد المخزنين الرئيسين بانتهاك الموعد غير القابل للتمديد لتدمير مخزونه.
ولا يمكن لنا تأجيل النظر في هذه المسائل ونحن نواصل التركيز على ما حققناه من نجاح. بل يجب معالجتها خلال فترة تتراوح بين الستة الأشهر إلى الاثنا عشر شهراً المقبلة وإلاّ سيلحق بالاتفاقية ضرر دائم.
- مخلفات الحرب القابلة للتفجير – ليس لدينا الآن سوى إطار عمل في البرتوكول المتعلق بالمخلفات المتفجرة للحرب, وما نحن بحاجة إليه هو نظام يكون بنفس مستوى الطموح والهيكلية المحقق في نظام معاهدة حظر الألغام.
- يحب أن تلزم الدول الأطراف في البروتوكول في اجتماعها في تشرين الثاني/نوفمبر بوضع البروتوكول موضع التنفيذ;
- يجب أن تنشئ كل دولة آلية لتسجيل المعلومات عن الذخائر المستخدمة والاحتفاظ بها ونشرها,
- يجب أن يصبح البرتوكول إطاراً لمعالجة المخلفات المتفجرة للحرب الموجودة حالياً.
- الذخائر العنقودية – مواصلة تعزيز الزخم الذي أحدثته قرارات وطنية بالوقف الاختياري, ووصولاً إلى إبرام معاهدة قوية في عام 2008 تحظر استخدام الذخائر العنقودية غير الدقيقة وغير الموثوق بها, مع العمل في الوقت نفسه على ممارسة أقصى قدر من الضغط على القوى العظمى التي لم تقرر بعد ما إذا كانت ستعالج هذه المشكلة أو كيفية القيام بذلك.
- ومن بين الأسلحة الأخرى التي تواصل إزهاق الأرواح نذكر الألغام المضادة للعربات. للأسف, يعتبر الافتقار إلى نظم مناسبة لمراقبة استخدام الألغام المضادة للعربات ثغرة كبيرة في مجموعة القوانين الموجودة في هذا الميدان. ويمثل فشل الدول الأطراف في اتفاقية الأسلحة التقليدية في الاتفاق على قيود جديدة بعد أربع سنوات من النقاش أبرز إخفاق في الميدان خلال العشر سنوات الماضية. كما أنها تثير تساؤلات بشأن مبدأ توافق الآراء المتبعة لاعتماد معايير جديدة في إطار تلك المفاوضات. وأحث الدول الخمس وعشرين التي التزمت معاً بوضع قيود جديدة أن تقدم تقارير علنية عن التقدم الذي تحرزه في هذا المجال, بوصف ذلك وسيلة من وسائل مواصلة الضغط في الميدان.
- الموارد – يتمثل التحدي الأخير والدائم في تعبئة الموارد اللازمة لإزالة الألغام والمخلفات المتفجرة للحرب الموجودة حالياً. ويؤدي اندلاع كل نزاع جديد, لاسيما النـزاعات التي تحظى بتغطية إعلامية كبيرة, إلى تدفق للموارد لفترة قصيرة. إلا أن ذلك غالبا ما يكون لمدة قصيرة وتكون وتيرة إزالة الألغام والمخلفات المتفجرة للحرب في النـزاعات التي لا تحظى باهتمام كبير من جانب وسائط الإعلام أو النـزاعات المنسية, غير كافية في غالب الأحيان. وحتى برامج إزالة الألغام الكبرى, مثل برنامج أفغانستان, يجب عليها أن تكافح سنوياً للحيلولة دون تسريح الموظفين. ففي أمريكا اللاتينية, تم تسريح موظفين عاملين في مجال إزالة الألغام تم تدريبهم مؤخراً على يد منظمة الدول الأمريكية, وذلك بسبب الافتقار إلى التمويل اللازم للقيام بعملهم.
بالرغم من أنه ينبغي لنا أن نشعر بالامتنان لأن التمويل تواصل بوتيرة مطردة على مدى العشر سنوات المنصرمة, علينا أيضا أن نضع هذا الموضوع في إطاره الصحيح. يستخدم حاليا نفس مستوى التمويل المطرد هذا لإزالة الألغام الناجمة عن عدد متنامي من النـزاعات, وإن إجمالي التمويل المتوفر عالميا يساوي بالكاد تكاليف إدارة الحرائق في مدينة كبيرة أو بناء طائرة مقاتلة. ويعني هذا أن العديد من الحوادث التي يمكن اتقاء شرها والناجمة عن التلوث الحالي بسبب الألغام ستحدث بسبب الافتقار إلى الموارد اللازمة لإزالتها. وثمة في الوقت الراهن وفي المستقبل القريب حاجة إلى توفير المزيد من الأموال والمزيد من التمويل المستدام حتى تؤتي آثار الجهود الوقائية أكلها في نهاية المطاف.
وفي الختام, أدعو بإلحاح جميعنا إلى أن نعتبر أنفسنا أوصياء ليس فحسب على اتفاقية حظر الألغام وإنما أيضا على القاعدة الأوسع نطاقاً التي أدت إلى خروجها إلى حيز الوجود: وهي أنه ينبغي وضع حد للأسلحة التي لازلت تفتك بالناس. وينبغي وضع حد لها من خلال الوقاية في مرحلة التصميم ومن خلال تدمير المخزونات القائمة للأسلحة المشكوك فيها, وعلى الأرض, من خلال الإزالة. أما في ما يتعلق بالألغام المضادة للأفراد والذخائر التي تفتقر إلى الدقة والموثوقية, فينبغي وضع حد لها من خلال الحظر التام لاستخدامها.
وعندما ستعتمد اتفاقية الذخائر العنقودية عام 2008, سيكون لدينا إطار معياري عريض لضمان أن لا تؤدي النـزعات في المستقبل إلى مزيج من المتفجرات المهلكة التي تقوم بما لا يجوز لأي مقاتل القيام به, أي مواصلة القتل لسنوات بل عقود بعد انتهاء النـزاع. ورغم أنه بالإمكان إدراج المعايير في صكوك قانونية مختلفة, فإنها تستند إلى نفس القاعدة الأخلاقية. وإذا أهملنا أي مسألة من المسائل أو أي نظام من النظم القانونية المطروحة أمامنا – بشأن الألغام أو الذخائر العنقودية أو المخلفات المتفجرة للحرب – فإننا سنعرض للخطر أمن الضحايا المحتملين. والافتقار إلى الزخم اللازم في مجال يمكن أن يحجب بسهولة النجاح المحقق في مجال أخر.
وإذا استطعنا الاستفادة من الرؤية الجريئة والطموحة لحركة حظر الألغام, يمكننا أن نأمل بعد مرور عشر سنوات من الآن أن نستحضر فترة أزالت فيها جميع الدول الألغام المضادة للأفراد, ويجري خلالها وضع اتفاقية قوية عن الذخائر العنقودية موضع التنفيذ, وإن التهديد الذي تمثله المخلفات المتفجرة للحرب إما يتم القضاء عليه من خلال الوقاية أو التصدي له على وجه السرعة من خلال إزالتها.
|