المطر ينهمر بغزارة ويحوّل الطريق الترابية إلى مستنقع من الوحل. وتتسرب المياه إلى أوراق النخيل التي تغطيها قطعة من البلاستيك الأزرق الرقيق تجلس تحتها امرأة في الخامسة والأربعين من عمرها وتتجمع حولها ابنتان صبيتان وحفيدة تبلغ خمسة أعوام. يبلل المطر أقدامهن ويخترق مأواهن المرتجل. لن تعطي الامرأة اسمها لأنها تعتقد ذلك "غير مأمون", وتقول: "خلال الليل, يصبح البرد قاسياً بسبب المطر."
مجموعة من الخيام المتشابهة والمهلهلة متناثرة هنا وهناك في "ليبونغان-توريتا" وهي قرية تقع على بعد ساعتين بالسيارة جنوبي مدينة "كوتاباتو" في "مينداناو " الوسطى. بعض هذه الخيم يأوي حتى أربع أسر. ويقول عضو المجلس السيد "إبراهيم رامان" موضحاً الأوضاع هنا: "استقبلنا, خلال ليلة 22 آب/أغسطس, أكثر من 3800 شخص, فيما يقطن القرية عادة 000 3 شخص" . وكان القتال الذي بدأ قبل 12 يوماً بين الجيش الفليبيني وجبهة مورو الإسلامية للتحرير قد وصل إلى قريتهم ممزقاً سكون الليل.
جاء القادمون الجدد من المناطق الممتدة وراء المستنقعات. وتقول السيدة "فيروز عبدول" وهي أم لأربعة أطفال: "جئنا سيراً على الأقدام وبالقوارب, ولم نحمل سوى الملابس التي كنا نرتديها. واضطر بعض الآباء إلى لف أطفالهم الرضع بالبلاستيك أثناء رحلتهم لحمايتهم من المطر."
اللجنة الدولية تواصل مدّ يد العون
كانت اللجنة الدولية قد عمدت, منذ البداية, بشراكة مع الصليب الأحمر الفلبيني, إلى توزيع الغذاء, ومجموعات مستلزمات النظافة, واللوازم المنزلية الأساسية على النازحين, وتولّت تركيب خزان مطاطي ضخم للمياه أتاح للجميع الحصول على المياه النظيفة. وتأتي عملية الطوارئ هذه مكملّة لجهود الهيئات التابعة للحكومة الفلبينية والمنظمات الدولية الأخرى.
ونظراً إلى تجربتها الطويلة في "مينداناو " التي تعاني من النزاع, لم تؤخذ المنظمة على حين غرّة. ويذكّر السيد "بيري بروويلوكس" مندوب اللجنة الدولية في "مينداناو " الوسطى بما حدث في الماضي: "خلال السنوات الثلاث الماضية, أنشأنا مرافق للمياه والصرف الصحي في كل أنحاء الجزيرة, في الأماكن التي اعتقدنا أن من المحتمل أن تستقبل النازحين. وهذه بالفعل هي المناطق التي تضررت الآن. وبهذا حصل السكان على مساعدتنا حتى قبل أن نصل إلى هناك, وستستخدم هذه المرافق خلال الأسابيع والأشهر وربما السنوات القادمة."
وكانت "ليبونغان-توريتا" قرية أخرى من بين القرى التي استقبلت النازحين بالترحاب كما فعلته سابقاً أثناء موجتي الفيضانات اللتين حصلتا مؤخراً. ولكن كان على أهل القرية أن يؤمنوا أيضاً استمرار حياتهم.
ويقول السيد "رامان" : "بعض ضيوفنا يعيشون في المدرسة ولكن بسبب إقامتهم التي دامت طويلاً, طلبنا منهم إخلاء المكان خلال فترة الدراسة. أعلم أن المطر يتساقط ولكن ماذا عسانا أن نفعل؟ " ويعني ضيق المكان أن أطفال النازحين لن يستطيعوا الاستفادة من الدروس.
ويقول السيد "فليبي دونوزو" رئيس بعثة اللجنة الدولية في "مانيلا": "إن المعارك الحالية في "مينداناو"هي الأسوأ منذ العام 2003 والآثار الإنسانية هي أيضاً الأسوأ.وكنا قد اعتدنا رؤية النازحين يعودون إلى منازلهم بعد ثلاثة أو أربعة أيام. إلا أن الأوضاع اليوم تستمر على حالها. وعلاوة على ذلك أدت موجات النزوح المتكررة بسبب النزاع والكوارث الطبيعية إلى إضعاف آليات التكيف المستخدمة لمواجهة الصعاب."
أما نائب مدير العمليات في اللجنة الدولية, السيد "دومنيك شتيلهارت" الذي جاء لتقييم الوضع, فيشعر بقلق بالغ. ويقول:" قالت لي امرأة أنها المرة الرابعة خلال هذه السنة التي تضطر فيها إلى مغادرة قريتها. لم أر بعد أبداً أشخاصاً يضطرون إلى النزوح بمثل هذه الوتيرة. ويعاني المتضررون, نتيجة هذا النوع من الأوضاع, عبئاً ثقيلاً لا يقوون على حمله.
تحويل وضع صعب إلى أفضل ما يمكن
لا يبدو النازحون في "ليبونغان-توريتا" جاهزين للعودة. وتقول امرأة مسنّة أنيقة المظهر فيما يومئ الملتفون حولها برؤوسهم معبرين عن موافقتهم : "لا نعرف متى سنعود. إنني قلقة على بيتي وعلى الحيوانات هناك ولكن ماذا بوسعي أن أفعل؟ الوضع ليس مأموناً بعد".
ويضيف عضو المجلس السيد "رامان" : "هذا الصباح عادت إلى هنا 20 عائلة كانت قد غادرت عائدة إلى منازلها وقالت أن القرية لا تزال غير آمنة. نستطيع أن نسمع من هنا دوي القصف. "
أناقة المرأة المسنة بمنديلها الأخضر وقميصها البرتقالي اللون مستغربة في مثل هذا المكان. فهي تحضّر وجبة الإفطار لشهر رمضان "البوكا بواسا" على نار أشعلته بقشر جوز الهند. ويعلو بسبب الرطوبة دخان حارق يجعل الأعين تدمع.
كان يفترض أن يكون هذا الشهر شهراً بهيجاً ولكن بالنسبة إلى سكان "ليبونغان-توريتا" وبالنسبة إلى عشرات الآلاف من النازحين في مختلف أنحاء"مينداناو ", "إنه رمضان حزين" كما تقول السيدة "فيروز عبدول" وهي تهدهد لطفلتها الأصغر التي تبلغ سنة واحدة.
إلا أن البعض يجد بعد شيئاً يولّد السعادة. فلدى السيدة "راقمة عثمان" القابلة المفعمة بالحيوية التي تمكنت وحدها من تطعيم 411 طفلاً من النازحين ضد مرض الحصبة, قصة مفرحة ترويها. فقد لاحظت بين النازحات امرأة حملها صعب وشخصّت داء مقدمة الارتعاج وهي حالة خطيرة من ارتفاع ضغط الدم.
وتقول : "لقد بلغت فوراً اللجنة الدولية التي أخلت المريضة إلى المستشفى الأقرب." وجاء تشخيصها دقيقاً وفي الوقت المناسب خاصة وأن الامرأة كانت حامل بتوأمين. وتتابع "راقمة عثمان" مبتسمة: "إنها تستعيد الآن عافيتها بعد أن وضعت طفلتين تتمتعان بصحة ممتازة".