من هم المرضى الذين كنتما تعتنيان بهم؟
كان ثلاثة أخماس المرضى من الجرحى المصابين في المعارك, والباقي من الذين أصيبوا في حوادث سير أو الذين يحتاجون إلى عمليات جراحية عادية أو متخصصة مثل التطعيم الجلدي.
وكان السفر أحد العوامل التي كانت تضني المرضى الذين عالجناهم. فبينما يعتبر عادة علاج الكسر في الرجل عملية بسيطة, إلا أن مثل هذا الحادث قد يؤدي في بعض الحالات إلى بتر الرجل لأن الشخص المصاب اضطر إلى المشي أسبوعا كاملا قبل أن يحصل على المساعدة.
ما هي أنواع العمليات الجراحية التي كانت تجرى هناك ؟
أجرينا 000 1 عملية جراحية خلال الأربعة عشر شهرا التي قضيناها في الصومال. وغالباً ما كانت تتعلق بإنضار الجرح أي إزالة الأنسجة الميّتة والمتلفة التي تحيط بالجرح لتسهيل التئامه. وتتطلب الجروح الناجمة عن الانفجارات في أغلب الأحيان نزع كميات كبيرة من الأنسجة , وهنا يبرز أحد الفروق بين جروح الحرب والجروح الأخرى.
وكان التنبيب إحدى العمليات الأخرى التي كثيرا ما لجأنا إليها وتتمثل في إدخال أنبوب في صدر المريض لصرف الدم إلى الخارج. وهي عملية بسيطة لكنها ضرورية لإنقاذ الحياة. ثم هناك عمليات فتح البطن لتحديد المشكلة ومداواتها. وقد أجرينا 100 عملية من هذا النوع.
واضطررنا أيضا إلى إجراء عدة عمليات بتر أطراف ليس فقط على الجرحى الذين أصيبوا في القتال, بل أيضا على المرضى العاديين. وكان من بين هؤلاء 35 مصابا بداء السكر وهو أمر محزن كثيرا لأنه كان من الممكن في أغلب الحالات إنقاذ الطرف المبتور لو استطاع المريض الوصول إلى هنا في وقت مبكر.
وكانت أغلبية الجروح في الذراعين والرجلين, تليها الإصابات في البطن والرأس والصدر.
وبالرغم من أن أيا منا ليس طبيباً مولّداً ألا أننا أجرينا حوالي 75 عملية قيصرية وعمليات أخرى تتعلق بالتوليد لأن كل المستشفيات العادية كانت مغلقة.
ما هي التحديات التي واجهتكما في التعامل مع المرضى؟
يمكن أن تجد صعوبة في إقناع الأشخاص بإجراء عملية جراحية. فالمرضى يفضلون الطب التقليدي. وحين يوصى بإجراء عملية بتر مثلا, قد يفضل المرضى تأجيل القرار واستشارة شيخ من العشيرة. وكنا نستدعي في بعض الأحيان شيوخ العشيرة إلى المستشفى ونطلب من طبيب صومالي التدخل لتسهيل عملية اتخاذ القرار.
وكان لدينا مصابون بداء السكري يفضلون الموت حالا بدلا من فقدان إحدى الرجلين. أما العملية القيصرية فكانت تتطلب توقيعاُ من زوج المرأة أو والدها أو أخيها.
وثمة مشاكل أخرى تعود إلى الافتقار إلى المعلومات. فقد لاحظنا مثلا أن أحد المرضى صار بعد أسبوع من خضوعه لعملية جراحية واهنا هزيلا بصورة تبعث على القلق. واتضح لنا أنه لم يتناول أي طعام منذ العملية الجراحية معتقدا بأن الأكل يتلف خياطة الجرح!
هل واجهتكما أيام عصيبة بوجه خاص؟
كان علينا في إحدى المرات معالجة 25 شخصا في آن معاً ممن أصيبوا إثر اشتباكات مسلحة. وكان خمسة منهم يعانون من جروح في الصدر وفي حاجة إلى عملية تنبيب للبقاء على قيد الحياة. بينما كانت ثلاث حالات أخرى تتطلب عمليات فتح البطن, واستلزمت كل واحدة منها ساعتين من الجراحة. وكان من الضروري بتر طرف أحد المصابين لتوقيف النزيف الذي كان سيودي بحياته.
وفور علمنا باندلاع المعارك شرعنا في الإعداد للعمل. فبينما تولى أحد الجراحين الفرز والتنبيب, ظل الآخر في غرفة العمليات.
وكل ما كنا نستطيع أن نفعله هو البدء بأخطر الحالات ثم المضي إلى آخر القائمة حسب درجة الخطورة. وبدأنا العمل الساعة الرابعة بعد الظهر وانتهينا عند منتصف الليل. وحدث ذلك بعد فترة عمل صباحية "عادية". لكن عندما تكون منهمكاً تماما في العمل لا تنتبه إلى مرور الوقت!
ما هي المشاكل التي واجهتكما في مستشفى مقديشو؟
كانت تكمن إحدى المشكلات في العدد القليل جداً للأطباء والممرضات. ففي الأول كان الطاقم يتكون من خمسة أطباء كلهم جراحون غير مختصين. وبعد مغادرة واحد منهم أصبح عددهم أربعة أحدهم يبلغ من العمر 75 سنة والثاني يزيد عمره على 60 سنة. لذلك يجب التخطيط لمسألة تعاقب الأطباء , إذ لا يوجد أطباء شباب يستطيعون تقديم المساعدة .
وتقوم الآن كلية طب خاصة في الصومال بتدريب أطباء مختصين في الطوارئ وجراحة الحرب. وأرسل عدد منهم إلى المستشفى الذي نعمل فيه للحصول على التدريب وتقديم المساعدة. وقد خفف ذلك من الضغط, وهذا يعني أن ثمة جيلاً جديداً من الأطباء يتلقون التدريب.
ويعمل في المستشفى ثلاثة ممرضين فقط مختصين في التخدير لكن لا يوجد أي مستشار مختص في هذا المجال. وهناك فقط ستة موظفين لغرف العمليات وعليهم تغطية النوبات اليومية والليلية, ولهذا لا يتواجدون أبدا بالعدد الكامل لتأمين الخدمات.
ويقوم أحد الممرضين بكل عمليات وضع جبس باريس وحده تقريباً رغم سنه الذي يناهز السبعين. فهو يملك مهارة مهنية عالية. ولكن ستبرز مشكلة كبيرة لو أصابه أي شيء, وبالتالي علينا تدريب من يخلفه.
ورغم تعرض الممرضين الصوماليين لضغوط هائلة فإنهم ينجزون عملا رائعا معتمدين على مهاراتهم العالية والمعرفة المهنية الجيدة فضلا عن تفانيهم في العمل. ويقومون بتشخيص المرض ويلفتون انتباه الأطباء إلى المشاكل, وينقذون بذلك حياة المريض. كما أنهم يتمتعون بذاكرة جيدة إذ يمكنهم التعرف إلى ندوب العمليات التي يتركها كل من الجراحين ويقولون بأن "هذا الطبيب أو ذاك قام بكذا وكذا". وفوق كل ذلك, عليهم الاهتمام بأزواجهم وأبنائهم في ظل الأزمة الغذائية والنزاع المسلح القائم وليس لديهم إلا يوم عطلة واحد في الأسبوع.
كيف كانت حالة التجهيزات ؟
كانت معدات إنقاذ الحياة بحالة جيدة عندما وصلنا إلى هناك ولكننا أوصينا بتوفير جهازين : جهاز حراري لختم النزيف الخفيف , وجهاز التشخيص الصوتي للجنين من أجل الاستماع إلى دقات قلب الأطفال قبل الولادة. واشترى الهلال الأحمر القطري الجهازين اللذين أرسلا لنا جواًً من جنيف.
أما المثبّت الخارجي المستعمل لتثبيت الكسور فقد أصبح قديماً وأرسلت اللجنة الدولية من جنيف جهازاً آخر لاستبداله. وحدث الأمر نفسه مع السكين المستخدمة في التطعيم الجلدي. وهكذا كنا راضين عن مستوى التجهيزات المتوفرة وقدرنا الطريقة التي استجاب بها مقر اللجنة الدولية لطلباتنا بالحصول على معدات محسنة.
كيف يمكن مقارنة العمل في الصومال والعمل في البلد ؟
كنا معتادون على العمل في مستشفى تعليمي مجهز تجهيزاً جيداً ولهذا اكتشفنا في العمل في الصومال شيئاً جديداً . فمن ناحية, لم يكن في الصومال نفس العدد الكبير من المرضى في آن معاً وكانت نسبة الإصابات الخطيرة فعلاً أقل. ولكن من ناحية أخرى , لم تكن لدينا نفس التسهيلات ولا الأخصائيون المتوفرون في البلاد.
إن إدارة عيادة مع مرضى خارجيين أمر غير معتاد بالنسبة إلى الجراح. ولكن أمام قلة الأطباء الموجودين, كان على الجميع أن يضطلعوا بكل المهام المطلوبة. وكنا ندير العيادة يومين في الأسبوع . وحين ينتهي الوقت المخصص للمرضى الخارجيين لم يكن باستطاعتنا أن نترك هؤلاء الناس الذين كانوا ينتظرون منذ الخامسة صباحاً يعودون أدراجهم .
وقد تعلمنا في الصومال كيف نسأل الأسئلة الأساسية الأمر الذي كان في غاية الأهمية بالنسبة إلى المرضى ويجعلنا أقرب إليهم. وكان الإحساس بالثقة مهماً لأنه لم يكن باستطاعتنا مساعدة الكثير من هؤلاء على الصعيد الطبي ولكن كانوا يعودون إلينا فقط لنطمئنهم. فالكلام والتواصل يساعدان كثيراً.
كيف كانت الحياة في الصومال؟
كانت لشبكة انترنت أهمية كبرى لدينا إذ أتاحت لنا البقاء على الاتصال بعائلاتنا . وكان الطعام جيداً ولم نتحرك كثيراً ولهذا زاد وزننا. ولكن كنا نلعب كرة القدم مع أقرباء المرضى الذين كانوا يشاهدون المباراة ويبدون حماساً كبيراً دعماً للفريق الذي يؤيدونه, الأمر الذي ساعد على تعزيز الاتصال بالمجتمع المحلي.
الغريب في الأمر أننا لم نواجه مشاكل أمنية بالرغم من الوضع السائد في الصومال,. وكنا نشعر بالأمان داخل المستشفى. إلا أنه لم تكن توجد أي حياة اجتماعية في مقديشو. فكل شيء كان مدمراً والجميع بدون عمل. وقد تصاعد العنف خلال وجودنا هناك.
وكان علينا أن نبقى متنبهين للاختلافات الثقافية. فعلى سبيل المثال عندما تسأل مريضاً صومالياً إن كان يشعر بالألم, يهز برأسه إلى الوراء ويحدث صوتاً يوحي بالاستهجان . وفي العالم العربي يعني ذلك "كلا" فيما يعني "نعم" في الصومال. إلا أن ثمة أشياء تبقى عالمية, فلعبة كرة القدم مهمة والناس هناك يؤيدون الفريق الإيطالي.
كيف كانت العلاقة بالجراحين الصوماليين؟
لقد مضى بعض الوقت قبل أن يثق الأطباء الصوماليون بنا. وكانوا ينتظرون علهم يرون كيف سنواجه النقص في المعدات وكنا أصغر سناً منهم فخافوا من احتمال أن يكون وجودنا فرصة للتدرّب. ولكنهم كانوا مهتمين بطريقة عملنا وأدركوا سريعاً أننا نملك خبرة فعلية وأن الفرصة سانحة لتبادل الخبرات, في كلا الاتجاهين. وكان الأطباء الصوماليون في كيساني يملكون خبرة عالية في جراحة الحرب وسرعان ما بدأنا نتعاون معهم تعاوناً وثيقاً .
وبالفعل رحبوا بنا ترحيباً حاراً. وقبل أن نغادر, أهدونا جهاز راديو بدون بطاريات لأنهم كانوا يعرفون أن فترات انقطاع التيار مألوفة في بلادنا. !
كيف تنظران إلى مستقبل المستشفيات التي تدعمها اللجنة الدولية في مقديشو؟
إننا قلقون. قبل أن نتوجه إلى الطائرة, اتصل بنا زملاؤنا الصوماليون الساعة السابعة والنصف صباحاً قائلين : إننا بحاجة إليكم. هنالك حاجة فعلية للدعم من موظفين من الخارج.
كيف يمكن أن تلخصا هذه التجربة في جملة واحدة؟
كانت هذه أول مهمة لنا مع حركة الصليب الأحمر والهلال الأحمر ولكنها لن تكون الأخيرة.
معلومات أساسية
عالج مستشفيا كيساني والمدينة أكثر من 2500 إصابة حرب منذ كانون الثاني /يناير 2008. ومنذ آب/أغسطس 2007 , كان يعمل في مستشفى كيساني الذي تديره جمعية الهلال الأحمر الصومالي فريق من الجراحين من جمعية الهلال الأحمر القطري, من بينهم محمد وأمين.