تقريرا 2004 و2005 - باللغة الإنجليزية
يُسْتمد مفهوم المشاركة "المباشرة" أو "الفعلية" في الأعمال العدائية من المادة الثالثة المشتركة بين اتفاقيات جنيف, ويرد المفهوم نفسه في أحكام عديدة للقانون الدولي الإنساني. إن مشاركة المدنيين مباشرة في الأعمال العدائية ينجم عنها فقدانهم للحصانة إزاء التعرّض للهجوم خلال فترة هذه المشاركة كما أنها قد تعرّضهم, عند إلقاء القبض عليهم, للملاحقة الجنائية في ظل القانون الداخلي للدولة الحاجزة. ورغم الآثار القانونية الخطيرة التي ينطوي عليها الأمر, فإنه لا يرد سواء في اتفاقيات جنيف أو في بروتوكوليها الإضافيين تعريف لما يشكّل "مشاركة مباشرة في الأعمال العدائية".
إن مصطلح المشاركة "المباشرة" ينطوي ضمناً على تمييزٍ مقارنة بالمشاركة "غير المباشرة" في الأعمال العدائية, وهو ما يجعلنا أمام قطبين يتركان المجال لظهور الأحكام المتباينة. وبغض النظر عن الاختلافات بشأن الحدود الدقيقة للمشاركة المباشرة, فإن أي تفسير لهذا المفهوم يتعيّن أن يكون ضيقاً بما يكفي لحماية المدنيين والإبقاء على مبدأ التمييز, كما يتعيّن في الوقت ذاته أن يكون واسعاً بما يكفي لتلبية الحاجة المشروعة للقوات المسلّحة للرد الفعّال على العنف الذي يمارَس من قبل غير المقاتلين.
وفي محاولة للتوفيق بين هذه المصالح المتعارضة, يؤكّد التعليق على البروتوكول الإضافي الأوّل أن سلوك المدنيين ينبغي أن يشكّل تهديداً عسكرياً مباشراً وفورياً للعدو لكي ما يُنْظر إليه بوصفه "مشاركة مباشرة في الأعمال العدائية". بيد أن هذا المعيار لاقى اعتراضاً من قبل بعض الباحثين, وإلى حد ما من قبل ممارسات الدول, في مسعىً نحو توسيع المفهوم. فقد أشير مثلاً إلى أن المشاركة المباشرة لا تشمل فقط الأنشطة التي تتضمن ممارسة العنف وإنما أيضاً الأفعال التي ترمي إلى حماية الأشخاص أو البنية التحتية أو المعدات. بل ذهب البعض إلى أن تحديد المشاركة المباشرة يتوقّف على تقدير القيمة المضافة التي يجلبها الموقع المدني للمجهود الحربي مقارنة بالنشاط العسكري البحت.
في إطار هذه المحدّدات لا مجال للشك في أن المدني الذي ينفّذ هجوماً يعد مشاركاً مباشرة في الأعمال العدائية. وفي الاتجاه ذاته يبدو أن ثمة اتفاق بين خبراء القانون حول أن المدنيين الذين يستعدون للعمليات القتالية أو العائدين من هذه العمليات يظلون يعدون مشاركين مباشرة في الأعمال العدائية رغم أن التحديد الدقيق لنقطة بدء الاستعداد ونهاية العودة يظل محلاً للجدل. كما تشهد الكتابات القانونية على كثافة النقاشات بشأن تكييف عدد من الحالات الغامضة التي لا تنطوي بالضرورة على استخدام السلاح, كأنشطة الدعم اللوجستي وأنشطة الاستخبارات أو الحراسة.
وقد أفرزت النزاعات المعاصرة تحديات إضافية بشأن تعريف مفهوم "المشاركة مباشرة في الأعمال العدائية" ووضعه موضع التنفيذ. فاللجوء إلى أساليب القتال المتطورة تقنياً (بما في ذلك مهاجمة واستغلال شبكات الكمبيوتر), وخصخصة القوات المسلحة, و"محاربة الإرهاب", تبيّن جميعها ـ من بين قضايا أخرى ـ التداخل المتزايد بين الأنشطة المدنية والعسكرية على نحو يتعذر معه تحديد هوية من "يشارك مباشرة في الأعمال العدائية" وطبيعة التدابير التي يتعيّن اتخاذها من أجل حماية أولئك الذين لا يشاركون مباشرة في تلك الأعمال.
وتطرح الآثار القانونية للمشاركة المباشرة في الأعمال العدائية أسئلة صعبة أيضاً. فكون أن "المشاركة المباشرة" من قبل المدنيين ينجم عنها تلقائياً فقدانهم الحصانة إزاء التعرّض للهجوم أثناء الفترة التي يشاركون خلالها مباشرة في الأعمال العدائية يظل غير موضع جدل. أما القضية محل الجدل فإنما تتمثل في تحديد الفترة الزمنية الدقيقة "للمشاركة المباشرة" وما إذا كان فقدان الحصانة مثلاً يتعيّن تناوله على النحو ذاته في النزاعات المسلّحة الدولية وغير الدولية. كما أن النظام القانوني المنطبق على المدنيين الذين يشاركون مباشرة في الأعمال العدائية في حالة وقوعهم في الأسر أو احتجازهم قد أثار كذلك تساؤلات عدة.
ومن أجل مناقشة تلك القضايا, نظّمت اللجنة الدولية للصليب الأحمر بالمشاركة مع معهد "آسر" مبادرة للتعريف بالمقصود بالمشاركة المباشرة في الأعمال العدائية. وفي هذا الإطار, جرى تنظيم ثلاث ندوات غير رسمية للخبراء بعنوان "المشاركة المباشرة في الأعمال العدائية في ظل القانون الدولي الإنساني", اثنتان في لاهاي ( 2 يونيو/ حزيران 2003 ومن 25 إلى 26 أكتوبر/ تشرين أول 2005) والثالثة في جنيف (من 23 إلى 25 أكتوبر/ تشرين أول 2005) بمشاركة حوالي 40 خبيرا قانونيا يمثلون الدوائر الحكومية والأكاديمية فضلا عن المنظمات الدولية وغير الحكومية.
. وشعر المشاركون أن القيام بمزيد من البحث بغرض التوصل إلى تحديد أدق لمضمون هذا المفهوم وآثاره القانونية سوف يكون بالغ الفائدة. ومن ثم فقد تم تشجيع اللجنة الدولية على مواصلة التحدي الذي خاضته بالتعاون مع معهد "آسر".