أفغانستان: بعيداً عن الأنظار تضلع النساء بعملهن في غرفة الغسيل في مستشفى "ميرويس"

28-09-2009 تحقيقات

قد يكون من السهل التغاضي عن مساهمة النساء اللواتي يعملن في غرفة الغسيل وورشة الخياطة في سير أعمال أكبر مستشفى في جنوب أفغانستان. ومع ذلك, قد يتوقف المستشفى عن العمل لولا مساهمتهن. عن تجربتهن وقوتهن وشجاعتهن تتحدث هنا "جيسيكا باري" من اللجنة الدولية.

     

    © ICRC/J. Barry      
   
    تقول جميلة, وهي أم لثمانية أطفال : "نحن نتحمل مسؤولية إعالة الأسرة".      
        قد يكون من السهل في أجواء العجلة والصخب التي يعرفها مستشفى " ميرويس " الإقليمي الذي يضم 350 سريراً – أكبر مستشفى في جنوب أفغانستان – التغاضي عن مساهمة النساء اللواتي يعملن في غرفة الغسيل وورشة الخياطة في سير أعمال المستشفى. ومع ذلك من المؤكد أن المستشفى سيتوقف عن العمل لولا مساهمتهن, فهن يضطلعن, ضمن مهام أخرى, بغسل ملاءات الأسِرة وكيها, وإعداد قطع الشاش, وخياطة ثياب النوم للمرضى وملابس أفراد الفريق الطبي.

وقد حظي مستشفى " مرويس " الذي تديره وزارة الصحة العامة بدعم من اللجنة الدولية لمدة حوالي 15 سنة. ويعمل فيه حالياً ما يزيد على 20 من الموظفين الأجانب والمحليين التابعين للجنة الدولية.

وكان النساء والأطفال لا يغادرون البيوت, في أواخر التسعينات, يوم كانت حركة طالبان باسطة بنفوذها على كامل أفغانستان تقريباً. أما العاملات في مستشفى " ميرويس " – ومعظمهن من أرامل

الحرب – فكن يتمتعن بإعفاء خاص من السلطات يسمح لهن بالعمل, إذ كان يُعتبر عملهن ضرورياً, مثل عمل أفراد الفرق الطبية.

ورغم أن أفغانستان شهدت على مدى السنوات الثماني الأخيرة تغيرات كثيرة, فإن حياة العاملات في غرفة الغسيل في مستشفى " ميرويس " بقيت على حالها.

وتعلِّق جميلة, وهي أم لثمانية أطفال قائلة: " نحن اللواتي نعيل أسرنا وجميع المشاكل تقع على عاتقنا " .

وقد عملت بعض النساء في المستشفى خلال 15 عاماً أو أكثر. وكان لا بد في تلك الأيام من جلب مياه الغسيل من منزل مجاور, وكان الغسيل باليد. ثم تم منذ ذلك الحين تحديث أماكن العمل, وتولت اللجنة الدولية تركيب غسالات جديدة في العام الماضي.

ولا شيء تقريباً مما يحدث في المستشفى يغرب عن عيون الصقور لهؤلاء السيدات اللائي يعملن في مكان محجوب عن أنظار الآخرين, بالقرب من الصيدلية. فهنالك داخل غرفة الغسيل المليئة بالبخار, ثمة ما يذكّر كل يوم بالنزاع الدائر في مختلف أنحاء جنوب أفغانستان – أردية الجراحين التي يتعين غسلها, والدم اللزج الذي يتعين إزالته من الأغطية والملاءات. أما في ورشة الخياطة التي توجد بالقرب من غرفة الغسيل, تقضي سبع نساء ساعات طويلة في طي الشاش الأبيض لتضميد الجروح. ويقمن يومياً بإعداد الآلاف من هذه القطع. وحين يتواجد عدد كبير من الضحايا في المستشفى, يتضاعف عبء عملهن.

     
    © ICRC/J. Barry      
   
    "أفغان غول (إلى اليسار) وجميلة تستمعان إلى الحديث فيما تستريحان من طي الشاش.      
           
 

وقد وصلت الحرب حتى إلى ممرات المستشفى المكتظة, حيث خلفت آثارها على الوجوه المجعدة للبوابين المسنين. ومن أدراك يعلمون هم والحمالون والمنظفون, أكثر من أي شخص آخر, بنبض كل قلب في المستشفى. يراقبون من مواقعهم في مداخل القاعات, وفي الممرات الطويلة, المرضى والموتى يجيئون ويغدون. شاهدوا أمهات في مقتبل العمر في طريقهن إلى غرفة الولادة وتبادلوا معهن ابتسامة الارتياح لدى رؤية وليدهن البكر. وعانوا مع الآباء والأمهات لوعة مرض أطفالهم وفقدان أي أمل في الحياة, وعانوا مع المقاتلين الذين جرحوا في جبهات القتال.

  واليوم, تبدو القاعات مليئة أكثر من أي وقت مضى.  

     

وتجتمع السيدات في لحظات فراغهن القليلة, في غرفة الخياطة المنعزلة, للدردشة وتبادل الحديث. وتبدو السيدة " أفغان غول " , المسؤولة عن قسم الخياطة التي جلست على بساط مزخرف شاردة الذهن عندما سألناها عما تفضل أن تفعله عندما تكون في بيتها. فأجابت دون أي استهزاء: " أحب الخياطة " , وأضافت قائلة: " عندما أنتهي من خياطة ملابس جميع أفراد العائلة, أخيط بعض الأشياء للذين لم يولدوا بعد. "

وليس من الغرابة في شيء أن تتوطد أواصر العلاقة بين هؤلاء النسوة, فهن خبِرن معاً الكثير من المحن, بما في ذلك تفادي الرصاص والصواريخ للذهاب إلى العمل خلال الحرب. وهن يتبادلن الزيارات في المنازل, ويحتفلن معاً بالمناسبات والأعياد.

ولعلهن وجدن في رفقة بعضهن البعض من السلوى ما أصبحن به أشد قوة, يتحدثن عن الحياة, ويحلمن بالتجديد.

ومما لا شك فيه أن السيدات اللواتي يعملن في غرفة الغسيل في مستشفى " ميرويس " هن بطريقتهن الهادئة مثال حي على كل ما هو طيب في قلب الإنسان – الشجاعة في مواجهة الخطر, والشفقة على الآخرين, والعناية بالأهل. قد تكون صعقة الحياة التي تلقونها قوية جداً, ولكن الحياة علمتهن أيضاً كيف يجب تحمل الصعاب.