صفحة من الأرشيف: قد تحتوي على معلومات قديمة

أثيوبيا 1935-1936: غاز الخردل والهجمات على الصليب الأحمر

13-08-2003 مقال، جريدة لو تون السويسرية

حينما شنت القوات الإيطالية غزوها لأثيوبيا ـ الحبشة في ذلك الوقت ـ في ليلة 2-3 أكتوبر/ تشرين الأول 1935، كان بوسع الدوتشي أن يثق تماماً أنه لن يكون عرضة لقدر يعتد به من الزجر أو العقاب. وقد أدان "المجتمع الدولي" لذلك الوقت العدوان، عبر عصبة الأمم المُضْعفة، غير أن العقوبات التي فُرِضت كانت غير ذات شأن.

 

من أرشيف اللجنة الدولية للصليب الأحمر 

  بحث صحفيون من جريدة "Le Temps" السويسرية في أرشيف اللجنة الدولية وحرروا سلسلة من خمس مقالات تتناول كل واحدة منها مرحلة حاسمة من التاريخ وتطور اللجنة الدولية نفسها. وتكشف المقالة الثانية في هذه السلسلة هول المجاعة في روسيا في عامي 1921 و1922 والإجراءات التي اتخذتها اللجنة الدولية للمساعدة على إنقاذ الملايين من الموت جوعاً.  
   
    عندما كانت اللجنة الدولية تتعلم كيف تحمي المدنيين ... (online)
   
    هول المجاعة في روسيا : الويلات المخفية التي حدثت عام
1921
(online)
   
 

استعمال غاز الخردل في إثيوبيا (1936).

 
     
 

لم يكن لدى فرنسا والمملكة المتحدة ميل كبير لاتخاذ تدابير جبرية ضد حكومة أوروبية بدت في ذلك الوقت حليفاً محتملاً ضد أية نوايا عدوانية من جانب ألمانيا الآخذة وقتها في التسلّح مجدداً بسرعة. ظلت قناة السويس مفتوحة، ما أتاح لإيطاليا منفذاً سهلاً إلى المنطقة عبر مستعمرتها القائمة في شمال الصومال.

لم يدع تفوق إيطاليا العسكري الكاسح، خاصة على صعيد القوات الجوية، الكثير من الشك بشأن النتيجة. وبحلول أوائل مايو/ أيار 1936 كانت القوات الإيطالية قد دخلت أديس أباب واضطر الإمبراطور هيلاسيلاسي إلى الفرار.

في بداية الحرب كان الشاغل الأساسي للجنة الدولية للصليب الأحمر هو التمسك بأحكام اتفاقيات جنيف التي تحمي الجرحى والمرضى، ومنذ 1929 أسرى الحرب. وقد أقنعت أثيوبيا بسرعة بالتوقيع على الاتفاقية الخاصة بالمرضى والجرحى ـ إلا أن الإمبراطور رفض قبول الاتفاقية المتعلقة بالأسرى. بيد أن أثيوبيا وإيطاليا كانتا ملتزمتين ببروتوكول 1925 الذي يحظر استعمال الغاز السام.

وكعهدها مع بداية كل نزاع، راحت اللجنة الدولية تعرض خدماتها على كلا الطرفين. قالت إيطاليا، عبر جمعية الصليب الأحمر الخاصة بها، إنها لا تحتاج شيئاً؛ أما أثيوبيا في المقابل، فقد كانت بحاجة إلى كل شيء. لم يكن لديها صليب أحمر ولا خدمات طبية عسكرية ـ كانت حالة قريبة من تلك التي واجهتها أوروبا ذات يوم قبلها بقرن من الزمان والتي أدت إلى إيجاد الصليب الأحمر.

تم إرسال بعثة للجنة الدولية إلى أديس أبابا للمساعدة في تنظيم المستشفيات المدنية ـ وهكذا بدأت السيرة المهنية الإنسانية اللافتة للدكتور موريس جونو*، وهي سيرة قادته إلى مناطق الحرب عبر أنحاء العالم حتى 1945. وراح جونو ينسّق عمل دستة من المستشفيات الميدانية المتنقلة، والتي أرسلت بعضها جمعيات وطنية أخرى للصليب الأحمر.

تبادل الطرفان الادعاءات ـ عبر اللجنة الدولية وعصبة الأمم، مع علو صوت الصحافة ـ بشأن الإساءات وانتهاكات القانون: زعم الإيطاليون أن وحدات تحمل شارة الصليب الأحمر كانت تستخدم للتمويه على عمليات عسكرية أثيوبية، كما اتهموا الأثيوبيين بالمعاملة السيئة على نحو جسيم للجنود المأسورين. لم يستطع جونو التحقّق من مدى صحة الاتهام الأخير، إ ذ وقعت طلباته المتعلقة برؤية الأسرى المحتجزين لدى قوات الإمبراطور على آذان صماء (وهو نفس حال طلبات اللجنة الدولية الموجّهة إلى الإيطاليين بشأن الأمر نفسه).

غير أن ملاحظاته الميدانية أيدت شكاوى الأثيوبيين: فقد تعرّضت بعض المستشفيات الميدانية، بما في ذلك تلك التي أرسلتها جمعيتا الصليب الأحمر البريطانية والسويدية، للدمار بفعل القصف، ونجا الدكتور جونو نفسه بأعجوبة إذ تم الهجوم على طائرته وتفجيرها أثناء وقوفها في مهبط نائي للطائرات.

واجه جونو أيضاً الواقع المروّع لغاز الخردل وآثاره: " في هذا المساء [18 مارس/ آذار 1936 ] أتيح لي أن أرى بعيني رأسي طائرة إيطالية ترش الأرض بسائل زيتي يتساقط مثل حبات المطر الرقيقة ويغطي منطقة شاسعة بآلاف القطرات تسبّب كل منها، عند لمسها للأنسجة، حرقاً بسيطاً ما يلبث أن يتحوّل بعد بضع ساعات إلى بثرة. كان هذا هو الغاز الحارق الذي يسميه البريطانيون غاز الخردل. أصيب آلاف الجنود بأضرار جسيمة بسبب هذا الغاز... "

قوبل رفض اللجنة الدولية اللاحق تقديم تقارير جونو إلى عصبة الأمم لأغراض التحقيق بشأن الادعاءات بالسخط من قبل عصبة الأمم وبعض قطاعات الإعلام؛ وكانت اللجنة الدولية مضطرة للدفاع عن حيادها وشرح حاجتها للكتمان.

كتب رئيس اللجنة الدولية ماكس هوبر فيما بعد: " لا يكمن السبب في اللامبالاة أو الافتقار إلى الشجاعة، وإنما في المسؤوليات الواقعة على عاتق هيئة يجب أن تظل دوماً قادرة على أن تقدّم للأطراف كافة ضماناً بالتزامها التقدير الأكثر موضوعية للأمور والسلوك الخالي من أي شبهة تحيّز سياسي أو غيره. "

بدا ذلك، مثله مثل جوانب أخرى من نزاع الحبشة، كنذير مخيف بحالات سوف يأتي بها المستقبل...

 
    إطار يحتوي على اقتباس يتعيّن إدراجه في النص  

    "... سائل زيتي يتساقط مثل حبات المطر الرقيقة ويغطي منطقة شاسعة بآلاف القطرات تسبّب كل منها، عند لمسها للأنسجة، حرقاً بسيطاً ما يلبث أن يتحوّل بعد بضع ساعات إلى بثرة... أصيب آلاف الجنود بأضرار جسيمة..."     - تقرير بقلم الدكتور مارسيل جون      
 

* ثمة عرض لأعماله في كتابه الأخاذ " محارب بلا أسلحة " (من منشورات اللجنة الدولية)

أعيد نشر هذا المقال بإذن كريم من Le Temps ؛ لا يجوز نسخه بأية طريقة دون إذن مسبق من Le Temps . مضمون المقال وأسلوبه يعودان إلى Le Temps ولا يعكسان بالضرورة آراء اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي وفّرت هذا الموجز كدليل مرشد للمقال.