ذكرى مرور ستين عاما على اتفاقيات جنيف: استخلاص العبر من الماضي استشرافا لمستقبل أفضل

12-08-2009 تصريح

جنيف في 12 آب/أغسطس 2009- خطاب السيد "جاكوب كلنبرغر", رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر بمناسبة الذكرى الستين لإتفاقيات جنيف.

   

 

أصحاب المعالي,

سيداتي سادتي,

 

       
     
   
جاكوب كلنبرغر رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر      
         

نجتمع هنا ونحن ندخل عصرا جديدا مهما. ففي مثل هذا اليوم قبل ستين عاما, تم اعتماد اتفاقيات جنيف. وكان لهذا الحدث المهم دور محوري في بسط نطاق الحماية المكفولة لضحايا النزاعات المسلحة. كما أنه أدى إلى توسيع نطاق المهمة الإنسانية المنوطة باللجنة الدولية للصليب الأحمر, إلى تيسير اتصالاتها بالدول والتحاور معها.

 
   
   
"هذه العملية الشاقة في بعض الأحيان أعادت التأكيد القاطع على أهمية القانون الدولي الإنساني ومواءمته في الحفاظ على حياة الفرد وكرامته في النزاعات المسلحة." 
 

وقد يكون من الطبيعي في موعد كهذا أن نسلط الضوء, وكلنا فخرا وارتياحا, على الإنجازات والنجاحات المحققة على مرّ العقود وأن نسمح لأنفسنا ولو بقدر طفيف من التهنئة الذاتية. ولا مناص من الاعتراف بأن الحالات التي تخص انتهاكات القانون الدولي الإنساني تحظى باهتمام أكبر من الحالات العديدة الأخرى التي يكون فيها احترام قواعد القانون مكفولاً.

وإن هذا الموعد لمناسبة سانحة لاستشراف العقد القادم وما بعده, والتأكد من أن اتفاقيات جنيف لا تزال ملائمة لمواجهة تزايد التحديات والمخاطر التي تبقى ماثلة أمامنا.

وما من شك في أن رحلة الزمن إلى هذا اليوم لم تكن دائما مجرد نزهة. فالنزاعات المسلحة تطورت على مدى الستين عاما الماضية بطريقة لا يمكننا التقليل من شأنها. ويكاد يكون غنيا عن القول إن الحروب المعاصرة نادرا ما تجمع بين جيشين منظمين يتجابهان في ساحة قتال محددة جغرافياً. وصارت الخطوط الفاصلة بين الجماعات المسلحة على اختلافها وبين المقاتلين والمدنيين قاتمة إلى درجة جعلت الرجال والنساء والأطفال المدنيين هم الضحايا الرئيسيون بشكل متزايد. واستلزم ذلك بالضرورة تكيّف القانون الدولي الإنساني مع هذا الواقع المتغير. وكان اعتماد البروتوكولين الأوليين الإضافيين إ لى اتفاقيات جنيف عام 1977 بما أقرَّاه من قواعد تحكم سير العمليات العدائية وحماية الأشخاص المتضررين من النزاع المسلح غير الدولي, هو مثال واحد فقط على ذلك. كما نجد في القواعد المحددة التي تنص على حظر بعض الأسلحة أو تنظيمها مثل الألغام المضادة للأفراد, وكذلك الذخائر العنقودية في الآونة الأخيرة, مثالا آخر على تكيّف القانون الدولي الإنساني مع مظاهر الواقع الميداني.

وجاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول الصادمة والمرحلة التي أعقبتها لتضع القانون الدولي الإنساني أمام اختبار جديد. وكان في استقطاب العلاقات الدولية والتبعات الإنسانية تحت مظلة ما يعرف باسم " الحرب الشاملة على الإرهاب " تحدٍ هائل. وطرح أيضا انتشار الجماعات المسلحة من غير الدول وتفككها وتحد البعض منها دعائم القانون الدولي الإنساني تحديا إضافيا. ووضعت هذه التحديات بالفعل القانون الدولي الإنساني موضع فحص وتمحيص صارمين من جانب سلسلة طويلة من الجهات الفاعلة بما فيها اللجنة الدولية للصليب الأحمر, للنظر في ما إذا كان القانون الدولي الإنساني لا يزال حقا ساري المفعول كإطار قانوني مناسب لحماية ضحايا النزاعات المسلحة.

وباختصار فإن هذه العملية الشاقة في بعض الأحيان أعادت التأكيد القاطع على أهمية القانون الدولي الإنساني ومواءمته في الحفاظ على حياة الفرد وكرامته في النزاعات المسلحة. لكن كما سلف أن أوضحت في مستهل حديثي, ينبغي ألا نتقاعس في مثل هذا الظرف. فطبيعة النزاعات المسلحة والأسباب التي تؤدي إليها والآثار التي تخلفها ما فتئت تتطور. وعلى القانون الدولي الإنساني أن يتطور أيضا.

وتعطي اللجنة الدولية الآن الأولوية إلى التأهب والتحضير لمواجهة التحديات الرئيسية في السنوات القادمة. ومع أن تلك التحديات تنطوي على بعد قانوني, وعلى بعد سياسي في كثير من الأحيان, فإنني يجب أن أؤكد أن اهتمامنا الأساسي إنساني بحت; والدافع الوحيد الذي يحركنا هو الإسهام في توفير حماية أفضل لضحايا النزاعات المسلحة.

وأود أن أشير إلى بعض تلك التحديات وأعرض بعض السبل التي يمكن من خلالها معالجتها والنظر, من بين أمور أخرى, في ما يمكن للجنة الدولية أن تقدمه من جهتها, وكيف يمكن أن تكون على أهبة الاستعداد للإسهام في التوجيه والمشورة. وربما كان غنيا عن القول إن الجهود المطلوبة لمواجهة تلك التحديات تقع مسؤوليتها – القانونية أو الخلقية – ليس فقط على كاهل اللجنة الدولية بل ترجع أيضا إلى عدد كبير من العناصر الفاعلة بما فيها الدول والجهات من غير الدول والقوات المسلحة والهيئات التشريعية.

 
   
   
"طبيعة النزاعات المسلحة والأسباب التي تؤدي إليها والآثار التي تخلفها ما فتئت تتطور. وعلى القانون الدولي الإنساني أن يتطور أيضا. " 
 

وأود أن أركز أولا على تحديات معينة تتصل بالنزاعات المسلحة بصورة عامة, وأعرض ثانيا وبالتحديد, التحديات المتصلة بالنزاعات المسلحة غير الدولية.

فما هي يا تُرى التحديات التي يواجهها القانون الدولي الإنساني حالياً؟ إن الفئة الأولى من تلك التحديات يطرحها سير العمليات العدائية. وقد أشرت سابقا إلى الطبيعة المتغيرة للنزاعات المسلحة والغموض المتزايد لخطوط التمييز بين المقاتلين والمدنيين. إذّ أصبح المدنيون شيئا فشيئا يشاركون في أنشطة ذات صلة وثيقة بالقتال الفعلي. وفي الوقت ذاته, لا يميز المقاتلون دائما أنفسهم بوضوح عن المدنيين, فلا يرتدون الزي العسكري ولا يحملون السلاح علناً. بل إنهم يختلطون بالسكان المدنيين. ويُستخدم المدنيون دروعا بشرية أيضاً. وزيادة على الالتباس القائم, شهدت بعض النزاعات إسناد وظائف عسكرية تقليدية لمتعهدين خواص أو جهات مدنية أخرى تعمل لصالح القوات المسلحة التابعة للدول أو جماعات مسلحة منظمة. وأقل ما يمكن أن يقال إن تفاقم هذه التوجهات محتمل في السنوات المقبلة.

وفي كلمات وجيزة, كانت نتيجة ذلك كله أن أصبح من المرجح استهداف المدنيين, خطأً كان ذلك أم تعسفاً. وصار أفراد القوات العسكرية محط خطر متزايد; فعندما يتعذر عليهم التعرف على الطرف الخصم بشكل مناسب, يتعرضون للهجوم على يد أفراد تشير الدلائل كلها إلى أنهم مدنيون.

وينص القانون الدولي الإنساني على أن الأطراف المشاركة في القتال يجب أن تميز بشكل أساسي بين المقاتلين الذين يجوز استهدافهم قانونا من جهة, والمدنيين المشمولين بالحماية من الهجمات من جهة أخرى, وتسقط تلك الحماية إذا شاركوا مباشرة في العمليات العدائية وطوال مدة مشاركتهم فيها. لكن المشكلة هي أن لا اتفاقيات جنيف ولا بروتوكولاها الإضافيان تشرح بدقة ما المقصود من " المشاركة المباشرة في العمليات العدائية " .

والصراحة هي أن ذلك الغموض أسفر عن سقوط أرواح بشرية. وهذا ببساطة أمر لا يمكن تبريره. وسعيا إلى استدراك هذا الوضع, ضمت اللجنة الدولية جهودها لمدة ست سنوات إلى جهود فريق يتألف من أكثر من 50 خبيرا قانونيا على المستوى الدولي من ذوي الخبرة في المجالات العسكرية والأكاديمية والحكومية وغير الحكومية, لإصدار وثيقة بمبادئ توجيهية أساسية نشرت منذ شهرين فقط بعد عملية طويلة ومجهدة. وتهدف هذه الوثيقة إلى إلقاء الضوء أولا على النقاط التالية: من الذي يعتبر مدنيا في سير العمليات العدائية,وما هو السلوك الذي يرقى إلى المشاركة المباشرة في العمليات العدائية, وما هي القواعد والمبادئ المحددة التي تحكم فقدان الحماية المدنية من الهجوم المباشر.

وتحدد وثيقة التوجيهات التفسيرية التوصيات التي توصلت إليها اللجنة الدولية بشأن طريقة تأويل صلة القانون الدولي الإنساني بمفهوم المشاركة المباشرة في القانون الدولي الإنساني في النزاعات المسلحة المعاصرة, وذلك دون إحداث أي تغيير في القانون الساري. فمغزى الوثيقة يفوق بكثير مجرد التمرين الأكاديمي. ويكمن الغرض في تطبيق تلك التوصيات ميدانياً حيثما اقتضى الحال في خضم النزاعات المسلحة وتوفير حماية أفضل لضحايا النزاعات.

بيد أن المشاركة المباشرة في العمليات العدائية ليس المفهوم الوحيد الذي يتصل بسير العمليات العدائية والذي يمكن أن يقتضي مزيداً من التوضيحات. فهناك اختلاف في وجهات النظر بشأن تفسير مفاهيم أساسية أخرى مثل " الهدف العسكري " و " مبدأ التناسب " و " الاحتياطات " .

وأثير النقاش جزئيا بسبب تزايد عدد العمليات العسكرية التي نفذت في مناطق حضرية مكتظة بالسكان, واستعملت فيها غالبا أسلحة ثقيلة أو قوية من حيث التفجيرات تركت آثارا مدمرة على السكان المدنيين على الصعيد الإنساني. ومن المؤكد أن الناس ألفوا اليوم صور الموت والإصابات والدمار التي تبثها وسائل الإعلام عاكسة المعاناة الرهيبة التي تحدثها حالات النزاع في مختلف أنحاء العالم.

أما المسألة الرئيسية الأخرى المتعلقة بالتحديات فتتمثل هنا في تزايد عدم التكافؤ الذي يطبع النزاعات المسلحة المعاصرة. وصارت الفروق بين الأطراف المتحاربة, ولاسيما في ما يتعلق بالقدرات التكنولوجية والعسكرية أكثر وضوحاً من السابق. وربما يُنظر إلى الامتثال لقواعد القانون الدولي الإنساني بأنه ي خدم طرفا واحدا في النزاع على حساب الطرف الآخر. وفي أسوأ الأحوال, ينتهك الطرف الضعيف عسكريا القواعد الأساسية للقانون الدولي الإنساني, في وجه خصم أشد قوة, في محاولة لتحقيق التوازن. وإذا عمد أحد الطرفين إلى مخالفة القواعد بصورة متكررة, تكون الأوضاع مهددة بأن تتدهور بسرعة ويصبح كل شيء فيها مباحا. وهذه الدوامة التنازلية من شأنها أن تقف عقبة أمام القانون الدولي الإنساني وغايته الأساسية نحو تخفيف المعاناة في جميع أوقات الحرب. لذلك يجب أن نستشف كل السبل التي تحول دون وقوع ذلك.

وأود أيضا أن أتطرق بإيجاز إلى التحديات الإنسانية والقانونية المرتبطة بحماية النازحين في أوطانهم. ولو نظرنا إلى النزوح من منظور الإحصاءات, لوجدنا أنه يعد ربما أحد التحديات الإنسانية الرهيبة التي تثيرها النزاعات المسلحة عبر العالم اليوم, من كولومبيا إلى سري لانكا ومن باكستان إلى السودان. وتؤثر هذه المشكلة في ملايين النازحين وعدد لا يحصى من العائلات المضيفة والمجتمعات المحلية.

والانتهاكات التي يتعرض لها القانون الدولي الإنساني هي أكثر الأسباب التي تؤدي إلى النزوح في النزاعات المسلحة. فمن المنطقي إذاً أن يكون العمل على التصدي لها هو أنجع السبل لدرء النزوح أصلا.

لكن في بعض الأحيان يمنع السكان بالقوة من الفرار وإن كانوا يرغبون في ذلك. وكثيرا ما يكون النازحون معرضين لسوء المعاملة ومعوزين لشتى أنواع الضرورات. وحتى إذا أرادوا العودة إلى أماكن سكنهم الأصلية أو الاستقرار في أماكن أخرى, عادة ما يصطدمون بعقبات; قد تكون ممتلكاتهم تعرضت للتدمير أو للسلب, أو تعرضت أراضيهم للاحتلال أو صارت غير قابلة للاستغلال بعد المعارك, وربما خشي بعضهم الآخر العودة خوفا من الأعمال الانتقامية.

ولما كان النازحون طرفا من السكان المدنيين فإنهم يتمتعون أيضا بالحماية أثناء النزاعات المسلحة. ولو احترمت أطراف النزاعات القواعد الأساسية للقانون الدولي الإنساني لكان من الممكن وقاية نسبة كبيرة من السكان من ويلات النزوح والمعاناة. إلا أن القانون الدولي الإنساني المتعلق بالنزوح يحمل في طياته بعض الجوانب التي تستحق بعض التوضيح أو التحسين, من بينها بعض المسائل المرتبطة بحرية الحركة, وضرورة الحفاظ على لحمة الأسرة, وحظر العودة القسرية أو إعادة التوطين القسري, وحق العودة الطوعية.

وتبرز هذه التحديات الإنسانية والقانونية المختلفة في جميع أنواع النزاعات المسلحة سواء كانت دولية أو غير دولية. إلا أنني أود أن أسلط الضوء على بعض التحديات المحددة المطروحة أمام القانون الذي يحكم النزاعات المسلحة غير الدولية.

إن النزاعات المسلحة غير الدولية صارت إلى حد بعيد أكثر أنواع النزاعات انتشارا, مسببة بذلك أكبر قدر من المعاناة. ومع ذلك لا يوجد تعريف واضح ومقبول عالميا يوضح ماهية هذا المفهوم فعلا. وتثير المادة 3 المشتركة بين اتفاقيات جنيف الأربع والبروتوكول الإضافي الثاني بعض الأسئلة في هذا الصدد; كيف يمكن التمييز بشكل دقيق بين نزاع مسلح غير دولي وبين سائر أشكال العنف, وخاصة الجرائم المنظمة والأعمال الإرهابية؟ وماذا لو تجاوز نزاع مسلح غير دولي مثلا حدود دولة ما؟

إن غياب أجوبة واضحة على هذه الأسئلة يمكن فعلا أن يسمح لبعض الأطراف بالتحايل على التزاماتها القانونية. وقد تجحد وجود نزاع مسلح للتملص من تطبيق القانون الدولي الإنساني كلياً. وعلى النقيض من ذلك, يمكن أن توصف حالات أخرى, من دون دقة وفي عجلة, بأنها نزاع مسلح حتى يستدعي الوضع تطبيق القانون الدولي الإنساني بالتحديد والمعايير الأكثر تساهلا فيه عند استعمال القوة مثلا.

وحتى إن لم يكن تطبيق القانون الدولي الإنساني في النزاعات المسلحة غير الدولية موضع خلاف, فإن هذا القانون القائم على المعاهدات والمنطبق في تلك الحالات محدود في أفضل الأحوال, ويثير بالتالي الكثير من الشكوك.

لكن ينبغي ألا يغيب عن بالنا جميعا أن النزاعات المسلحة غير الدولية لا يحكمها قانون المعاهدات فقط. فالعدد الكبير من القواعد التي حددتها دراسة اللجنة الدولية لعام 2005 في القانون الدولي الإنساني العرفي , تقدم معايير إضافية ملزمة قانونا في مثل هذه الحالات. ورغم أن القانون الدولي الإنساني العرفي استطاع أن يسد بعض الثغرات, تبقى بعض المشكلات الإنسانية التي تنشأ أثناء هذه النزاعات دون إجابة كاملة في ظل نظام القانون الساري.

إن القانون الدولي الإنساني المنطبق في النزاعات المسلحة غير الدولية يتضمن مبادئ عامة وتنقصه في الوقت ذاته تفاصيل الأحكام المناسبة التي تنظم الظروف المادية للاحتجاز وحق المحتجزين في البقاء على اتصال بالعالم الخارجي مثلا. وقد يكون لغياب قواعد دقيقة تحكم مختلف جوانب معاملة المحتجزين وظروف احتجازهم والغموض الذي يكتنف مراكز الاحتجاز, عواقب إنسانية مباشرة وخطيرة على صحة المحتجزين وسلامتهم. لذلك, حتى إذا كان التحدي الإنساني الرئيس راجعا إلى نقص الموارد لدى سلطات الاحتجاز وقصور في تنفيذ المبادئ العامة المنطبقة, من الممكن أن يساعد التنظيم المحكم والفعال لظروف الاحتجاز أثناء النزاعات المسلحة غير الدولية على تكميل بعض المقتضيات الأساسية في القانون الدولي الإنساني.

أما المجالات الأخرى التي ينقصها الوضوح القانوني فتشمل الضمانات الإجرائية لصالح الأشخاص المعتقلين لأسباب أمنية. وفي محاولة لتوضيح الحقوق الإجرائية الدنيا, وضعت اللجنة الدولية عام 2005 مجموعة من المبادئ والضمانات الإجرائية الواجبة التطبيق في أية حالة من حالات الاعتقال, استناداً ركائز القانون والسياسة العامة. وظلت اللجنة الدولية تستند إلى تلك المبادئ في حوارها العملي مع سلطات الاحتجاز في عدد من السياقات عبر أنحاء العالم. فلا يمكن ضمان الحماية المناسبة على أفضل وجه ما لم تضع الدول الضمانات الإجرائية على أسس قانونية أكثر متانة.

كما أدى بشكل جزئي غياب القواعد أو طبيعتها الواسعة أو الفضفاضة جدا إلى ظهور تحديات إنسانية في مجالات أخرى, مما فتح الباب على مصراعيه للتفسيرات غير الموضوعية. ويتعلق ذلك مثلا بإمكانية الوصول إلى السكان المحتاجين إلى المساعدات الإنسانية, ومصير الأشخاص المفقودين, وحماية البيئة الطبيعية. والقائمة طويلة.

 
   
   
"عدم احترام القواعد السارية يبقى التحدي الرئيسي أكثر من أي وقت مضى." 
 

وفي سعي إلى معالجة هذه التحديات الإنسانية والقانونية, شاركت اللجنة الدولية بصورة مكثفة في دراسة بحثية داخلية شاملة خلال السنتين الماضيتين. وجاءت الدراسة أولا لتوضح بعبارات تخلو من التعقيد نطاق تطبيق القانون على كامل مجموعة ا لتحديات الإنسانية سالفة الذكر التي تبرز في النزاعات المسلحة غير الدولية, بما في ذلك مسألة تعزيز امتثال جميع أطراف النزاع للقانون. وعلى ذلك الأساس يستند الهدف الثاني من الدراسة والمتمثل في تقييم الاستجابة القانونية لتلك التحديات الإنسانية بموجب القانون الساري. وانطلاقا من التقييم الشامل للاستنتاجات المنبثقة عن الدراسة الجارية إلى هذا الحين, سيثور جدل حول تقديم مزيد من التوضيحات وتطوير جوانب محددة من القانون. وستستتبع هذا الدراسة مقترحات عن كيفية التقدم في العمل سواء من ناحية الجوهر أو الإجراءات.

وتبحث اللجنة الدولية أيضا في إطار هذه الدراسة جوانب المادة 3 المشتركة بين اتفاقيات جنيف التي تستدعي المزيد من التوضيح. وينظر إلى المادة 3 من منظور واسع على أنها, وحدها, تشكل اتفاقية مصغَّرة ملزمة للدول والجماعات المسلحة من غير الدول, وتشكل بالتالي قاعدة مرجعية لا يجوز التحلل منها بأي حال من الأحوال. وتنص هذه القاعدة على معايير قانونية دنيا تنطبق على معاملة جميع الأشخاص في قبضة العدو بغض النظر عن التصنيف القانوني أو السياسي لهم, وبغض النظر عن الجهة التي تحتجزهم. ونعكف على إعداد قراءة موحدة لإطار الحماية القانوني والسياسي المنطبق في النزاعات المسلحة غير الدولية من أجل الوفاء بمقتضيات المادة 3 المشتركة.

واللجنة الدولية مسؤولة عن ضمان صمود الاتفاقيات أمام اختبار الزمن. وبالطبع, تتحمل الدول, وهي التي صدقت عليها عالميا, أولا المسؤولية السياسية والقانونية الأولى لضمان تنفيذ الاتفاقيات وإنفاذها.

والأمثل بطبيعة الحال, أن تتوصل كل أطراف النزاع المسلح, أيا كان الاسم الذي تطلقه على نفسها أو على بعضها بعضا, إلى أن من مصلحتها العليا تطبيق القيود القانونية المنصوص عليها في القانون الدولي الإنساني. والمقاتلون من الطرفين عليهم التزامات و لديهم حقوق على كل حال. فالإخفاق في تحاشي سوء معاملة الآخرين يؤدي في نهاية الأمر إلى الإخفاق في ضمان الحماية من سوء معاملة مماثلة. وبعبارة بسيطة, ستكون النتيجة هي التفاقم التصاعدي في المعاناة البشرية.

إلا أن عدم احترام القواعد السارية يبقى التحدي الرئيسي أكثر من أي وقت مضى. وأكاد لا أحتاج إلى أن أذكركم بقائمة الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني التي تُرتكب مرارا وتكرارا اليوم في ال نزاعات المسلحة عبر العالم. ومن المحزن أن ما يُعقَّد هذه الأوضاع هي ثقافة الإفلات من العقاب. صحيح أن تطورات إيجابية مهمة طرأت في ما يتعلق بتعزيز المساءلة في جرائم الحرب عبر محاكم دولية متعددة والمحكمة الجنائية الدولية. وصحيح أيضا أن هيئات تشريعية وطنية ومحاكم بدأت أخيرا تتحمل مسؤولياتها وضمان إقرار التشريعات المحلية بالمسؤولية الجنائية لمنتهكي القانون الدولي الإنساني, وصارت تلك النصوص التشريعية سارية التنفيذ بالفعل.

إن ضغوط الرأي العام والتمحيص الدقيق لسير النزاعات المسلحة عوامل رئيسية في تعزيز الامتثال للقانون الدولي الإنساني. ويفترض في ذلك أن تكون المعرفة بالقانون الدولي الإنساني والتدريب على مبادئه متوافرين ليس فقط لصالح القانونيين والقادة العسكريين, وإنما أيضا لشرائح الجمهور العريضة. ألم تكن ضغوط الرأي العام, وكذلك العار الجماعي الذي وصم الحكومات بعد فشلها في وقف الفظائع في يوغوسلافيا السابقة ورواندا, هي التي دفعت إلى إنشاء محاكم خاصة لتلك البلدان في منتصف التسعينات؟

إن الجهل بالقانون ليس عذرا. وستؤدي على الأقل فرص التوجيه والتوضيح والمقترحات التي أتت بها مختلف مبادرات اللجنة الدولية التي تحدثت عنها سابقا, إلى التقليل من مصداقية أطراف النزاع التي تلجأ إلى هذا العذر.

ولا يسع اللجنة الدولية إلا أن تسهم في جزء مما يجب أن يكون جهودا دولية متضافرة لتعزيز الامتثال للقانون الدولي الإنساني. وخلال الاحتفال بالذكرى الستين لاتفاقيات جنيف, وجهتُ التماسا قلبياً إلى الدول والجماعات المسلحة من غير الدول الملزمة أيضا بأحكام القانون الدولي الإنساني, لدعوتها إلى إبداء الإرادة السياسية المطلوبة لترجمة الأحكام القانونية إلى واقع ذي معنى. وأحثها على إبداء حسن نيتها لحماية ضحايا النزاعات المسلحة, النزاعات التي, بالنظر إلى ما ذكرته في معرض حديثي عن التحديات, من المرجح أن تصبح أكثر مضرة في السنوات المقبلة.

قبل ستين عاما, انقشع نور اتفاقيات جنيف في ظلمات الفظائع التي عاشها ملايين السكان خلال الحرب العالمية الثانية وعواقبها. إن روح اتفاقيات جنيف التي ترنو إلى احترام حياة وكرامة الأفراد في خضم النزاعات المسلحة, لا تقل أهميتها الآن عما كانت عليه منذ ستين عاما. وأشكركم على كل الجهود التي تبذلونها حتى يظل نجم الاتفاق يات بازغا.